الفهرس

 

 

 

 

لقاء الشهر

 

مقابلة صحفية وإذاعية مع آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي حول فلسطين

 

أشاد سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي – في مقابلة صحفية وإذاعية – بخصوص الأحداث الجارية في فلسطين، أشاد باندفاع الجماهير المسلمة إلى الشوارع للدفاع عن أبناء الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لحملات الإبادة الصهيونية، معتبراً سماحته إن ما يجري اليوم في فلسطين يشكل نهضة شعب يبحث عن الاستقلال والكرامة، داعياً هذه الجماهير المؤمنة إلى أن لا تألوا جهداً لدعم هذه النهضة اقتصاديا، وواصفاً البلدان الإسلامية بأنها تتمتع بركائز قوة ولها قدراتها الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية يمكن توظيفها لردع العدوان الإسرائيلي وكذلك ردع الذين يؤيدون هذا العدوان الغاشم.. واليكم نص هذه المقابلة:

س: سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي : ما هي قراءتكم لما يجري حالياً في الأراضي الفلسطينية ؟

ج: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا وحبيبنا المصطفى الأمين أبي القاسم محمد وعلى أل بيته الطيبين الطاهرين.

ما يجري في أرض فلسطين هو نهضة شعب يبحث عن الحرية وعن الاستقلال وعن الكرامة والعزة.. شعب مظلوم, قد حرم ابسط حقوقه, خلال عقود من الزمن.. شعب مستضعف, استضعفه أعدائه ولم ينصره أصدقاؤه, فتوكل على الله وأعتمد على مواهب الرب وانطلق من أجل أن يصل إلى عزته وكرامته بما أعطاه الله سبحانه وتعالى من قوة وما وعده من نصر, أولم يقل ربنا سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم (إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) وقال سبحانه (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وقال سبحانه وتعالى (إن ينصركم الله فلا غالب لكم) وقد وعد الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالنصر إن هم نصروا دينه وقال (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).

فهذا الشعب, وبهذه الإرادة المتصلة بتوفيق الله سبحانه وتعالى, يبحث عن حريته وعن كرامته.. هذه قراءتنا لما يجري في فلسطين.

 

س: أحسنتم، وبرأي سماحتكم ما هو تأثير أحداث الشرق الأوسط على السلام العالمي؟

ج: ليست هناك خيارات شتى في العالم في هذه المرحلة. إنما الخيار الوحيد للبشرية اليوم هو خيار السلام. لأن السلام اليوم يعني الأمل الوحيد لتجاوز العالم مشاكله والعبور من الماضي إلى المستقبل الزاهر, ذلك لأن للحرب استحقاقاتها الخطيرة:

فأولاً الاقتصاد العالمي يترنح تحت ضربات الصراع الدائر بين الجنوب والشمال, وبين الشمال والشمال, وبين الجنوب والجنوب ونحن نشهد بين فترة وأخرى ركوداً اقتصادياً عالمياً مميتاً, فالحرب ستزيد ذلك ولعل أثار الحرب تشمل اقتصاديا المنتصر, كما هو المهزوم.

ثانياً: العالم يعيش أزمة البيئة, وأن البيئة العالمية قد تلوثت وفسدت, والحرب ستزيد ذلك فساداً وسوءاً بصورة مباشرة – حيث أن مختلف الأسلحة تلوث العالم – أو بصورة غير مباشرة – تسبب الحرب في عدم تعاون العالم لكبح جماح التلوث والتأثير السلبي على البيئة الكونية – لذلك يؤثر سلبياً على هذه المسيرة, مسيرة الصلاح والإصلاح في البعد البيئي في العالم.

ثالثاً: باعتبار تشابك مصالح العالم ومشاكله, من المتوقع أن تنتشر بؤر الصراع من منطقة إلى مناطق أخرى لوجود أسلحة دمار شاملة في العالم تهدد العالم كله, لقد رأينا مثلاً في أزمة 11 سبتمبر كيف أن السلام العالمي ظهر هشاً وطفق يتأثر بسبب مجموعة غير منضبطة قامت بتفجير الوضع الأمني.

فمن خلال هذه الاستحقاقات الثلاث للحرب نحن نجد أن خيار السلام هو الخيار الوحيد للعالم اليوم ولعل أمواج الرفض المترامية التي رأيناها في العالم ضد ممارسات الصهاينة في فلسطين لدليل على أن الوجدان العالمي يشجب الحرب ويبحث عن السلام ويرى خطورة انزلاق العالم في حرب مدمرة, وإن إسرائيل التي ليست إلا ترسانة أسلحة أو معسكر متقدم لمصالح الدول الكبرى هي اكثر البؤر توتراً وخطورة وحاجة ً إلى الضبط باعتبارها قوة عسكرية هائلة تختزن عقداُ نفسية وإحساساً بالعزلة، وتبحث عن الامتداد, وحل ظروف وشروط وعوامل التفجير متراكمة ومتأصلة في هذه الدولة وفي هذا الشعب وفي نظامه السياسي والعسكري وبقدراته الحربية فمن دون ضبط هذا المعسكر المتقدم ومن دون الهيمنة عليه فان العالم قد يشهد وضعاً صعباً.

من هنا فإن تأثير الأحداث الجارية في هذه المنطقة على السلام العالمي هو تأثير سلبي وجدي, ولابد من أن تتداعى الأمم والدول والوجدان الأخلاقي في العالم من أجل كبح جماح هذه الدولة التي بنيت على أساس الاعتداء والحرب.

 

س: سماحتكم كيف يرى تأثير القضية الفلسطينية على العالم الإسلامي, وآثار وتداعيات هذه النهضة في ظل التصعيد الإسرائيلي الجديد؟

ج: أساساً العالم الإسلامي منذ نهايات القرن الماضي يتململ باحثاً عن عناصر القوة ومتسارعاً إلى العصرنة وساعياً نحو إصلاح نفسه واكتساب حقوقه والتقدم والازدهار فأصبح كل مسلم في أي بقعة من العالم يحس بأنه محروم ومستضعف وأن عليه أن يعمل شيئاً من أجل تغيير الوضع وإصلاح ذاته وأوضاعه, هذه من جهة ومن جهة أخرى تعتبر القضية الفلسطينية بما تحمل من ركائز الاهتمام من الناحية الدينية ومن الناحية التاريخية تعتبر قضية مقدسة عند المسلمين, فهناك أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين ومهبط رسالات الله ومركز الإشعاع الإيماني وهناك تراكم الجهود والجهاد والشهادة خلال قرون متطاولة منذ كانت هذه المنطقة بؤرة للحروب الصليبية ضد المسلمين وحتى أصبحت ثورة للمغامرات المعادية للمسلمين وهكذا أصبحت هذه المنطقة بؤرة الاهتمام, وهناك أمور كثيرة كلها تتمركز وتتمحور حول هذه المنطقة وتؤثر أحداثها في المحيط الإسلامي كله, فيحس كل مسلم نوعا من الانتماء لهذه المنطقة ونوعا من المشاركة مع الأحداث التي تقع في هذه المنطقة, إذا تزاوج هذا الإحساس مع البحث عن النهضة الذي سبق وقلنا أنه جزء من كيان الأمة الإسلامية في العقود الأخيرة, فان ذلك سيكون الأرضية لنهضة إسلامية شاملة ولقد رأينا كيف أن أبناء الأمة الإسلامية في كل مكان من نيجيريا إلى إندونيسيا ومن موريتانيا إلى ماليزيا, كيف أن أبناء الأمة في كل مكان أحسوا بان القضية الفلسطينية هي قضيتهم, فاندفعوا إلى الشوارع وتظاهروا وأن كثير من الأنظمة حاولت ضبط حركة الشعوب إلا أن حركة الشعوب هذه تجاوزت العقبات والموانع التي وضعتها الأنظمة واندفعت بشبابها وكهولها ونسائها وأطفالها نحو تأييد الحق الفلسطيني ورفضه للعدوان الإسرائيلي على هذا الشعب المظلوم, فمن المتوقع أن تكون لهذه الأحداث تموجاتها البعيدة والمترامية في أطراف العالم الإسلامي على شعوب الإسلام.

 

س: طيب... ما هي مسئولية الشعوب تجاه هذه الأحداث الهامة في المنطقة في الوقت الراهن؟

ج: عوامل التفاعل بين الشعوب الإسلامية والقضية الفلسطينية كثيرةً ومتنوعة فأولاً الصلة القريبة بين مقدسات الإسلام وبين أرض فلسطين سواء من الناحية التراثية أو من الناحية الدينية ثانياً إحساسها بوحدة المصير ثالثاً خشيتها كما سائر شعوب العالم من الحرب ورفضها لمن يهدد السلام العالمي.

ومن هنا فعلى هذه الشعوب أن تبرمج رفضها لهذا العدوان وضمن مجموعة أعمال واضحة ومستديمة:

أولاً: الدعم الإعلامي، فتظل تنادي بحق الشعب المسلم الفلسطيني وبعدوانية الصهاينة ودولتهم القائمة على أساس الحرب والاعتداء.

ثانياً : الدعم الاقتصادي، لأن أية حرب في أية بقعة من العالم بحاجة إلى دعم اقتصادي جدي كذلك أية مقاومة بحاجة إلى رافد اقتصادي لا ينضب خصوصاً إذا كانت كالمقاومة الفلسطينية التي تواجه عدواً لا يرحم, عدواُ يقتل وينهب ويدمر ويحطم ويفعل كل شيء بلا حدود وبلا ضمير وبلا رادع ولا مانع.. هذه المقاومة بحاجة إلى دعم اقتصادي.

فعلى الناس في أي موقع كانوا أن لا يألوا جهداً لدعم المقاومة الفلسطينية اقتصادياً علماً بأن مثل هذا دعم يدخل ضمن البند الرئيسي لمصارف الزكاة وهو (في سبيل الله), فإن سبيل الله يعني الدفاع عن المستضعف, والدفاع عن القيم والمقدسات كما يعني أن يهرع الإنسان بإنقاذ الحياة أية حياة كانت كذلك يعني سبيل الله. المحافظة على صلاح الأرض ومقاومة من يريد أن يفسد فيها. فالدعم الاقتصادي للمقاومة الفلسطينية اليوم من أبرز معاني كلمة سبيل الله ومن أعظم واجبات المسلمين في العالم.

ثالثاً: على أبناء الشعوب الإسلامية في كل مكان أن يبحثوا عن أسباب الضعف والتخلف في بلادهم وعن عوامل التمزق والتجزئة, وبالتالي أن يبحثوا عن خلفيات العدوان الإسرائيلي وعن كيفية معالجة هذه الخلفيات لتعود الأمة الإسلامية كما أرادها الله تلك الأمة المقتدرة العزيزة التي لا يستطيع أحد في العالم أن ينال منها.

رابعاً: عليهم أن يبرمجوا دعوتهم لدولهم, بل وضغطهم عليها لكي تقوم بما يجب عليها في دعم القضية الفلسطينية, وردع العدوان الإسرائيلي وردع الذين يؤيدون هذا العدوان والوقوف أمام تماديهم.

لقد أصبحت الدول الإسلامية اليوم قوية ولها ركائز منعتها وعوامل اقتدارها الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي والعسكري ولو أنها وظفت هذه القدرات في دعم القضية الفلسطينية وفي ردع العدوان وفي ردع الذين يؤيدون هذا العدوان فإن ذلك سيكون مفيداً وحاسماً.

إن الغرب سيقع في خطأ كبير, بل في خطيئة تاريخية كبرى, إذا استمر في دعم إسرائيل لأن إسرائيل ليست فقط دولة عدوانية ومن الآثار السلبية للحرب العالمية الثانية بل وإنها أيضاً أداة توتر بين العالمين الإسلامي والمسيحي وهذه الأداة يجب أن تزول أو تصلح بطريقة أو بغيرها, فليس من المعقول أن يستمر الصراع بين عالمين كبيرين, قويين, مقتدرين, على هذه الأرض لمصلحة مجموعة شراذم يعيشون في أرض فلسطين نحن ندعو إلى حوار الحضارات, ندعو للتعاون, ندعو إلى أن تتوحد جهود العالم للقضاء على بؤر التوتر والوصول إلى عالم يسوده السلام, تسوده المحبة والوئام ويبحث عن رفاه الشعوب ويفكر في معالجة المشاكل الحادة, كالمشكلة البيئية وما أشبه, مثل هذه التطلعات الكبرى في القرن 21 لن تتحقق مع وجود الطلاق بين العالمين الإسلامي والمسيحي, وهذا الطلاق لا يزال قائماً بسبب دويلة الصهاينة التي هي بؤرة التوتر الأشد خطورة في عالمنا اليوم.

إن حل القضية الفلسطينية يعتبر– في الواقع – مفتاحاً لحل أزمات كثيرة في العالم كما أن إسرائيل هي محور مشاكل المنطقة ووجودها يهدد السلام العالمي وعلى الشعوب الإسلامية أن تدفع دولها نحو تبني سياسات أكثر فاعلية وأكثر قدرة من أجل الوصول إلى هذا الهدف السامي والبعيد.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقهم لذلك.

شكراً جزيلاً.