الفهرس

 

 

 

 

حوارات

 

نص حوار جريدة المؤتمر مع الأستاذ نزار حيدر والذي نشر في العدد الأخير الصادر بتاريخ 13 ديسمبر 2002

أجراه: فالح حسون

بسم الله الرحمن الرحيم

توطئة

نزار حيدر: من مواليد محافظة كربلاء المقدسة، عام 1959 م. انتمى لصفوف الحركة الإسلامية المجاهدة في العراق عام 1972 م. شارك بفاعلية في انتفاضة صفر عام 1977م، وفي العام 1978م، قاد نشاطا سياسيا في محافظة النجف الأشرف اعتقلته على أثره سلطات الأمن والتي تمكن من الإفلات من قبضتها بمساعدة عدد من رفاقه المجاهدين.

شارك في حملة توزيع المنشورات السياسية التي غطت محافظات العراق من أقصاه إلى أقصاه في عام 1979 م، خاصة في محافظات كربلاء والنجف وبابل والعاصمة بغداد ومدينة الكاظمية المقدسة، بالإضافة إلى جامعة السليمانية التي أنهى فيها دراسته في كلية الهندسة قسم الإليكترونيات عام 1980.

ولنشاطه السياسي المتميز في الجامعة طورد من قبل سلطات الأمن وحكم عليه بالإعدام غيابيا في ثلاث قضايا سياسية منفصلة مما اضطرته الظروف القاسية للهجرة إلى خارج العراق ليواصل نشاطه المعارض في بلدان المهجر التي استقر فيها لفترات زمنية متفاوتة منها سوريا وإيران وعدد من الدول الأوربية ثم إيران ولبنان وسوريا ليستقر به المقام حاليا في العاصمة الأمريكية واشنطن.

انتخب عضوا في أول مكتب سياسي لمنظمة العمل الإسلامي في العراق عام 1989 م، ليعاد انتخابه مرة ثانية في العام 1992، كما رأس تحرير جريدة (العمل الإسلامي) الناطقة باسم المنظمة في الفترة (1982- 1989)، كما إن له مساهمات إعلامية وثقافية وفكرية في العديد من وسائل الإعلام العربية وخاصة صحف المعارضة العراقية.

شارك في العديد من مؤتمرات المعارضة العراقية أبرزها مؤتمر صلاح الدين في العام 1992 م، الذي أنبثق عنه (المؤتمر الوطني العراقي) الموسع والذي انتخب فيه عضوا في المجلس التنفيذي كما شارك في مؤتمر نيويورك عام 1999 م، انتخب فيه عضوا في المجلس المركزي.

ساهم في انتفاضة شعبان (آذار) عام 1990 م، ورأس أول وفد رسمي من الحركة الإسلامية يزور كردستان العراق أبان الانتفاضة والتقى بقادة الفصائل الكردية بغية التنسيق بين شقي الانتفاضة في الشمال والجنوب.

واصل نشاطه في كردستان العراق منذ العام 1991 م وحتى العام 1996 م عندما اجتاحت قوات النظام مدينة أربيل فاضطر للهجرة ثانية إلى خارج العراق. يتميز بعلاقات وطيدة مع مختلف قادة وفصائل وشخصيات حركة المعارضة العراقية لما عرف عنه بالذهنية المتفتحة والوطنية.

المؤتمر: أصدرت سلطة بغداد سلسلة من القرارات، مثل إطلاق سراح السجناء ورفع القيود عن السفر، كإلغاء الضريبة عن المسافرين وغيرها ، ما هو برأيكم القصد أو السبب الذي دفع هذه السلطة إلى إصدار مثل هذه القرارات الآن وليس قبل ذلك؟

 

نزار حيدر: بات من الواضح جدا أن سياسة نظام بغداد تعتمد مبدأ (كل شي من أجل

البقاء في السلطة) كاستراتيجية ثابتة لا تتغير. كان ذلك في العام 1975 م عندما اهتزت سلطته فتنازل عن كل شي لشاه إيران آنذاك وقبل يديه، وتكرر المشهد في عام 1991 م، عندما كادت عاصفة الصحراء أن تعصف بسلطته فوّقع على كل شي متوسلا في خيمة صفوان حتى سمى العراقيون الديكتاتور (بصام حسين) تندرا لكثرة ما بصم ووقع.

* حديث الديكتاتور عن الديمقراطية يشبه إلى حد بعيد حديث المومس عن الشرف.

* لكل جهد عراقي معارض، تنظيما كان أم فردا، موقعه الطبيعي في عملية التغيير.

ويتكرر المشهد اليوم بعد أن تيقن النظام من أن رأسه هو المطلوب هذه المرة وليس أسلحة الدمار الشامل فقط.

ولذلك حاول ويحاول إعطاء صورة مغايرة للحقيقة والواقع من خلال إصدار سلسلة قرارات تبدو للعيان وكان العراق بدأ ينافس اعرق دول العالم ديمقراطية فبادر مثلا إلى فتح أبواب السجون على مصراعيها (حسب ما يدعي) وأعلن انه ليس في العراق اليوم أي سجين سياسي. وكلامه هذا صحيح 100% كالنسبة المئوية التي حصل عليها الديكتاتور في الاستفتاء الأخير، ولكن بالمقلوب. فإذا كانت النسبة المعلنة للاستفتاء 100% كذب، فان الادعاء بأن سجون العراق خالية من نزلائها

صحيحة 100% ، لان النظام لم يبق على أي سجين سياسي حيا، إذ تمت تصفيتهم جميعا أما بعمليات الإعدام الجماعية، أو بحملات تنظيف السجون التي يقودها ابن الديكتاتور، وأما باستخدامهم مادة للتجارب المختبرية على الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا.

إن طبيعة القرارات التي صدرت مؤخرا عن النظام تحكي عن نفسها بشكل واضح وجلي، فهو يحاول بها ذر الرماد في عيون المغفلين من جانب، وكسب ود الشعب العراقي والحيلولة دون تمرده على السلطة حال تعرض النظام لأي هجوم عسكري محتمل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من جانب أخر.

كذلك سعى النظام بمثل هذه القرارات لإعطاء مادة لحلفائه في المجتمع الدولي كفرنسا مثلا للدفاع عنه أمام التصلب الأمريكي والبريطاني من خلال حصر الموضوع في أسلحة الدمار الشامل فقط وإغلاق الباب أمام واشنطن التي تحصر النظام وحلفائه في زاوية حرجة من خلال فتح ملفات أخرى غير ملف الأسلحة مثل ملف حقوق الإنسان ومحاكمة صدام وأعوانه كمجرمي حرب ضد الإنسانية وغيرها. إضافة إلى أن النظام حاول بقراراته الأخيرة أن يساعد فلول المثقفين الإعلاميين العرب المأجورين من الذين باعوا آخرتهم بدنيا سيدهم الديكتاتور من خلال إعطائهم مثل هذه المواد

الصحفية الدسمة التي تطرب لها اليوم آذان الشعوب العربية والإسلامية المغلوبة على أمرها ليواصلوا التطبيل والتزمير والثناء والمديح له من على شاشات التلفزة والفضائيات والصحف والمجلات.

أما الحقيقة فلا زال نظام بغداد لم يغيرمن طبيعته الدكتاتورية المستبدة الإرهابية قيد أنملة، فهل يمكن للذئب أن يستبدل طبيعته العدوانية بأخرى مسالمة؟

فلازال الديكتاتور الآمر الناهي الوحيد ولازالت الأجهزة القمعية والإرهابية هي التي تسيطر على الشارع العراقي بلا منازع ولازالت الأفواه مكممة وإرادة الشعب مصادرة والسجون والمعتقلات أعيد تنظيمها لتستقطب المزيد من المعارضين والمتمردين والرافضين لهذا النظام، الذي لم يكن ليبادر إلى هذه المسرحيات لو لم يشعر أن ساعة التغيير باتت قاب قوسين أو أدنى، في محاولة منه لتأجيلها وليس لإلغائها بالتأكيد، لعل الزمن يحدث لصالحه أمرا ما في الربع ساعة الأخيرة، وهو

يراهن على احتمالات التصادم بين واشنطن وباريس في مجلس الأمن أو غيره.

وبكلمة موجزة فان حديث الديكتاتور صدام حسين عن الديمقراطية يشبه إلى حد بعيد حديث المومس عن الشرف.

 

المؤتمر: كيف تقيمون وضع المعارضة العراقية الآن، بمعنى هل تمكنت المعارضة من الارتقاء إلى مستوى الانعطافة الخطيرة التي تمر بها القضية العراقية؟

 

نزار حيدر: أعتقد أن مشكلة المعارضة العراقية في كل برهة زمنية معينة من عمرها المديد تتلخص في ثلاثة أمور:

الأمر الأول: هي أنها لا تمتلك مشروعا حقيقيا وواضحا لإسقاط نظام بغداد، وتغيير الأوضاع في الداخل لصالح إرادة الشعب العراقي، يأخذ بنظر الاعتبار الظروف الموضوعية التي تمر بها القضية العراقية في كل مرة. وإذا كانت أحيانا تمتلك مثل ذلك فلا يعدو كونه ملامح عامة ونظرية مجردة لا ترقى إلى مستوى المشروع الفعلي والعملي القادر على تحقيق إنجاز ملموس على الأرض. ولذلك فهي ترنو بعيونها عادة إلى القوى الخارجية تستمد منها الدعم كلما لاحت في الأفق بوادر جدية، سواء الإقليمية منها أو الدولية ساعية إلى معرفة ما تحمله في جعبتها لإسقاط النظام ومن ثم هي تسعى للاستفادة من هذا المشروع أو ذاك قدر الإمكان.

الأمر الثاني: إنها لا تزال تعيش عقدة اختصار بعضها للبعض الآخر، فنرى في كل حقبة زمنية هناك من الفصائل المعارضة من يدعي أنه يمثل كل الساحة فيسعى لإلغاء الآخر أو إقصائه عن الساحة.

إن من يفكر بتغيير الأوضاع في العراق بعد إزالة الديكتاتورية لتحل محلها الديمقراطية، ينبغي عليه أن يثبت مصداقيته للآخرين اليوم وهو في المعارضة قبل أن يصل إلى السلطة غدا، ليطمئن الآخرون ويصدقوا متبنياته وشعاراته. لأن من يتعامل بديكتاتورية واستبداد مع زملائه ورفاق دربه وهم بعد في المعارضة لا يمكن أن ننتظر منه تعاملا ديمقراطيا مع الآخرين عندما يصل إلى السلطة. إن صورة التعامل في مرحلة ما قبل السلطة هي الصورة الحقيقية وإن كانت المصغرة لصورة التعامل في مرحلة السلطة.

الأمر الثالث: أنها تحولت إلى سفراء للدول المضيفة في ساحاتها الداخلية بدل أن تكون سفراء ساحاتها الداخلية إلى الدول المضيفة، وهذا أفقدها الكثير من خصوصياتها ونقاط قوتها وإرادتها وهيبتها.

نتمنى أن تقلع المعارضة عن هذه الصفة وتقرر أن تعين نفسها سفراء قضيتها إلى كل

القوى الإقليمية والعربية والدولية التي تتعامل معها أو تبدى استعدادا لدعم قضيتها.

أما المعارضة العراقية في هذه المرحلة بالذات فاعتقد أنها بحاجة إلى أن تتحلى بسعة الصدر ليستوعب بعضها البعض الآخر، فلا يقولن أحدهم أنني أولى من الآخر أو أن يسعى هذا الطرف لإلغاء الطرف الآخر، أو أن يسعى بعضهم لإضعاف البعض الآخر أو تلخيص هذا التيار أو ذاك باسمه أو تنظيمه.

المعارضة العراقية بحاجة إلى رفع شعار يحمل ثلاث لاآت: الأولى، لا للإلغاء، والثانية، لا للتهميش، والثالثة، لا للمصادرة. فلا يلغي أحد أحدا، ولا يهمش تنظيم ولا يصادر نشاط.

إن القضية العراقية تمر اليوم بمنعطف مصيري خطير بحاجة إلى طاقات جبارة كبيرة وكثيرة لا يقدر فصيل أو قائد أو تيار على ضمانها أو توفيرها لوحده، ولذلك يلزم أن يفسح المجال للجميع ليشارك في عملية التغيير ومن دون استثناء أحد، ومن كل حسب طاقاته وقدراته ومميزاته.

يخطأ من يظن أنه القادر لوحده على استغلال فرصة التغيير من دون جهد الآخرين، ويخطأ من يتصور أن الساحة بلون واحد أو بتيار واحد فيعمد إلى إلغاء الآخرين وتكريس وجوده لوحده. ويخطأ من يظن أن قوته تكمن بتضعيف الآخرين أو أنه سينهض إذا اتكأ على الآخرين وأقعدهم عن العمل وسلب منهم الفرصة.

إن لكل جهد عراقي معارض تنظيما كان أم فردا، موقعه الطبيعي في عملية التغيير وأن لكل منهم مفتاح لحل عقدة ما من عقد القضية العراقية، فلماذا نزهد به وتظل العقدة من دون حل؟

 

المؤتمر: كيف ترون الخارطة الإسلامية السياسية وما هو موقف القوى الإسلامية العراقية عموما وموقفكم خصوصا من عملية التغيير سواء بمساعدة العامل الخارجي أو بانتفاضة جماهيرية عراقية؟

 

نزار حيدر: لا تختلف الخارطة الإسلامية السياسية كثيرا عن بقية أجزاء خارطة المعارضة العراقية وان كانت تتميز ربما ببعض نقاط القوة التي لا تمتلكها بقية الأجزاء، إلا أنها بشكل عام جزء هام ومكمل لخارطة المعارضة، فلا هي تفكر في الاستغناء عن بقية أجزاء الخارطة، ولا باقي الأجزاء تفكر بذلك. ولهذا نرى أن الحركة الإسلامية بكافة فصائلها وقياداتها تؤكد دائما بأنها جزء لا يتجزأ من الخارطة العامة والكبيرة والواسعة للمعارضة العراقية، شاركت معها في النضال والتضحية في مختلف المراحل، كما ساهمت معها بمختلف التحالفات السياسية وتعاونت معها على عقد كل المؤتمرات طوال العقدين الماضيين، كما أنها لا تزال تقيم تحالفات إستراتيجية وثيقة مع بقية التيارات بمختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية والقومية.

أما بالنسبة للموقف من عملية التغيير، فكان بودنا جميعا كعراقيين أن يأتي التغيير على يد الشعب العراقي مباشرة، ومن دون تدخل من أي قوة خارجية إلا أن قسوة النظام على الشعب وقواه المعارضة، وسياساته الكارثية التي ورطت البلاد بثلاث حروب عبثية داخلية ومع الجيران من جانب، والمشاكل المتعددة والمستعصية في بعض الأحيان التي تعيشها المعارضة العراقية بسبب كونها المعارضة المهاجرة الوحيدة في العالم أجمع ومن دون استثناء من جانب ثاني، والتناقضات التي يعيشها الجوار العراقي إزاء قضيتنا والموقف من النظام وعملية التغيير، سواء فيما بينه، أو بينه وبين العامل الدولي من جانب ثالث. إن كل ذلك ساهم بشكل أو بآخر، وبكل أسف، في تدويل القضية العراقية حتى انتهت الأمور إلى ما نراه اليوم من صراع محموم بين الإدارة الأمريكية التي تصر على تغيير النظام في العراق وبين الأخير الذي يصر على البقاء في السلطة مهما غلا الثمن. فيما تتوزع المواقف الإقليمية والعربية والدولية بين من يقف مع واشنطن في مشروعها ضد النظام وبين من يصطف إلى جانب النظام ضد الإدارة الأمريكية. الكل ينطلق من مصالحه الذاتية المعروفة ولا أستثني أحدا من ذلك.

وبين مطرقة الولايات المتحدة الأمريكية وسندان النظام الديكتاتوري يقف الشعب العراقي ومعه المعارضة العراقية بكافة تياراتها وفصائلها وشخصياتها ساعية إلى الاستفادة من الفرصة للإجهاز على النظام بأقل ثمن ممكن وبأسرع فرصة متاحة.

وبسبب هذه الظروف المعقدة، ترى المعارضة أن مسار الأحداث يجب أن ينتهي بإسقاط النظام الحاكم في بغداد، وإقامة البديل الوطني الذي يؤمن للشعب الحرية والعزة والكرامة، في ظل نظام ديمقراطي تعددي دستوري برلماني يعيد للعراق عافيته ويساعده على أن يأخذ موقعه الإقليمي والعربي والدولي الطبيعي. نظام يحترم حقوق الإنسان ويطلق العنان لإرادة الشعب الذي سيختار بملء إرادته وبكامل حريته نوع النظام السياسي الذي يرتئيه، في إطار حكم الأغلبية مع احترام رأي الأقلية التي ستمكّن من لعب دورها في الحياة السياسية من دون ديكتاتورية الأغلبية، من خلال

الاحتكام إلى صناديق الاقتراع فقط، (صوت واحد لمواطن واحد). ليضع حدا للعبة الانقلابات العسكرية (السرقة المسلحة) سيئة الصيت.

* نحن مع كل مساعدة تقدم للشعب العراقي في إطار المصالح المتبادلة واحترام الإرادة والخصوصية للخلاص من النظام الديكتاتوري.

* واثقون من قدرة المعارضة على لملمة شملها والعض على الجراح وتجاوز مرارات الماضي وأخطائه لتثبت كفاءتها إزاء التغيير.

وإزاء كل ذلك تشخص أمام المعارضة العراقية مسؤولية استثمار الفرصة والتعاون مع من يمد لها يد العون والمساعدة لتحقيق إرادة الشعب العراقي في الخلاص من هذا النظام الديكتاتوري الأرعن.

نحن مع كل مساعدة تقدم للشعب العراقي في إطار المصالح المتبادلة، واحترام الإرادة الخصوصية للخلاص من النظام الدكتاتوري، سواء جاءت من الدول الإقليمية أو من المجتمع الدولي. ولكننا وبكل تأكيد وحزم وأقولها بضرس قاطع، لسنا مع أية مساعدة مقرونة بالاملاآت والشروط التي ربما تساهم مرة أخرى في مصادرة رأي الشعب العراقي، وتجاوز إرادته وسحق حقوقه وكرامته وهدر طاقاته وتبديد مستقبله وتطلعاته.

نحن نتمنى على المعارضة العراقية أن تحث الخطى لتجميع صفوفها والاتفاق والإعلان عن القواسم المشتركة في عملية التغيير وما يخص عراق ما بعد الديكتاتورية، والاتفاق على مرجعية سياسية واحدة تمثل كل مكونات الشعب العراقي، قادرة على طمأنة دول الجوار والمجتمع الدولي بشأن مستقبل العراق، لتسد كل الأبواب والمنافذ بوجه المتربصين بها الدوائر، لاقتحامها بحجج وأعذار واهية، إما لتشويه سمعتها أو لحشد الرأي العام ضدها ولصالح النظام أو لفر ض إملاات معينة هي في نهاية المطاف بالضد من إرادتها وإرادة شعبها، أو بالتخويف من احتمالات ما يسمونه بالتقسيم أو الحرب الأهلية أو ما شابه من العناوين المرفوضة وغير الواقعية.

 

المؤتمر: كيف تنظرون إلى مواقف الحكومات العربية والإسلامية من قضية الشعب العراقي واصطفاف الكثير منها مع سلطة صدام؟

 

نزار حيدر: إن مما يؤسف له حقا هو هذا الموقف العربي والإسلامي المتخاذل من قضية الشعب العراقي، والذي يصب كل اهتمامه على النظام ومستقبله من دون أن يعير الشعب العراقي ومأساته وظروفه أي اهتمام.

إن القضية ليست منحصرة بالنظام والإدارة الأمريكية، كلا وإنما هناك الشعب الذي عانى ما عانى من الديكتاتورية الحاكمة في بغداد نيف وثلاثين عاما، فلماذا النظر إلى القضية من زاوية واحدة، ولماذا لا تنظر لها الأنظمة العربية والإسلامية من مختلف جوانبها. لقد أبتلى الشعب العراقي بنظام بطموحات مريضة يتصف بالقابلية على تنفيذ سياسات ورغبات الآخرين، من جانب كما أبتلى بجوار أصم ابكم أعمى، لا يسمع صرخاته ولا ينتصر لمظلوميته ولو بكلمة طيبة، ولا ينظر إلى حمامات الدم التي لا تزال تجري انهارا من شمال العراق إلى جنوبه مرورا بالوسط مدة 35 سنة.

أما إذا تضررت مصالحه مباشرة من النظام تراه يملأ الدنيا صراخا ويقيمها ولا يقعدها لماذا؟ أو ليس الشعب العراقي بشرا هو الآخر؟ أو ليس لهذا الشعب حق الجوار على جيرانه؟ أو لم يناصف شعوب المنطقة والعالم العربي والإسلامي خيرات بلاده؟

أجزم إن الأنظمة التي تصطف اليوم مع نظام بغداد إنما هي أحد نظامين: أما مستفيد من النظام، أو خائف على حاله بعد التغيير المرتقب في بلاد الرافدين.

يبقى أن هناك نوع ثالث من الأنظمة، تلك هي التي لا ترغب بأن ترى صدام حسين في السلطة في بغداد، إلا أنها في نفس الوقت لا تريد أن يتغير النظام السياسي القائم في العراق، ولهذا فهي تسعى إلى فرض بدائل اقرب ما تكون إلى نموذجها السياسي، ولضمان ذلك فهي تسعى للحفاظ على النظام السياسي مع تغيير راس الهرم الحاكم فقط، وهذا ما نراه مضرا بمصلحة الشعب العراقي ولا يخدمها بشكل من الأشكال ولا يحل المشكلة. إن مثل هذا الأمر مرفوض من قبلنا جميعا جملة وتفصيلا.

كنا نتمنى أن يساعد العالم العربي والإسلامي شعب العراق في محنته مع الدكتاتورية حتى لا نضطر إلى ما اضطررنا إليه الآن، أما وقد آلت الأمور إلى ما آلت إليه اليوم، نتمنى عليها إلا تعارض عملية التغيير المرتقبة في العراق، فليقولوا خيرا أو يسكتوا.

 

المؤتمر: بعد الاختلافات والخلافات الكثيرة، هل تفضلون عقد مؤتمر موسع للمعارضة، أم تقليص حجم المشاركة على العدد المعروف؟

 

نزار حيدر: إذا أرادت المعارضة العراقية وخاصة ما بات يعرف بمجموعة الستة أن تحترم نفسها وتقوي شوكتها وتحافظ على وحدتها، فلتبادر إلى فسح المجال أمام الجميع ليشاركوا في الجهود المبذولة من اجل تغيير افضل .

يكفي المعارضة العراقية التخطيط في الظلام ويكفيها سياسة الإقصاء والتشبث بالأساسي وغير الأساسي وعليها أن لا تعول كثيرا على شهادات تصدرها عناصر في الإدارة الأمريكية لتحدد لها من هو الأساسي ومن هو غير الأساسي.

إن كل عراقي معارض ناشط هو عنصر أساسي في عملية التغيير ما لم يثبت العكس، ولا يثبت العكس إلا بعد سقوط نظام بغداد والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، فعندها فقط يحق لمن يشاء أن يدعي انه أساسي وغيره ثانوي إذا ما أعتمده الشعب وصوت لصالحه وصالح مشروعه السياسي وتبنياته الفكرية.

إننا مع عقد مؤتمر عام موسع للمعارضة العراقية يشارك فيه الجميع، فليس من المعقول أن نهمش من يعرض خدماته لصالح عملية التغيير بحجج واهية.

كما إننا ضد الوصاية التي يسعى البعض لفرضها على هذا التيار أو ذاك الخط. إذ ليس من حق أحد أن ينصب نفسه وصيا على الآخرين مهما كان موقعه في الخارطة السياسية للمعارضة العراقية أو امتد نضاله في عمق الزمن أو زادت تضحياته على الآخرين، لأننا جميعا سنظل مدينين للشعب العراقي الذي ناضل وضحى وصمد وتحمل الآلام اكثر من أي واحد منا.

أدعو الفصائل الستة إلى التحلي بالواقعية والشجاعة والإخلاص والمرونة لتبادر فورا إلى التنازل عن الامتياز الذي كسبته بزيارتها إلى واشنطن (!!) لصالح عموم المعارضة العراقية، وذلك قبل فوات الأوان، وإلا فان الإصرار على قضايا هامشية والتضحية بالقضايا الاستراتيجية والتشبث بالفيتو الذي منحته لنفسها من دون أدنى وجه حق يعرض مصداقية المعارضة إلى التساؤل والتشكيك ، خاصة وان الوقت يجري لغير صالحنا فلا بد من التنازل للصالح العام لتحقيق المطلوب ولنتذكر أبدا بان المعارضة اليوم أمام امتحان القدرة واختبار الوحدة والقيادة.

النقطة المهمة التي يجب أن لا تغيب عن بالنا هي إن المعارضة العراقية قطعت أشواطا كبيرة ومهمة في مؤتمر صلاح الدين، سواء على صعيد تسمية التيارات ونسب التمثيل، أو على صعيد الهيئات القيادية والخطاب السياسي، ولذلك فان من المناسب أن تستفيد المعارضة من جهدها الذي بذلته طوال العقد الماضي من الزمن لإكمال المشوار مع الأخذ بنظر الاعتبار المعطيات الجديدة ومتطلبات المرحلة الحالية حتى لا تبدأ مرة أخرى من نقطة الصفر والذي يعني الاستهانة بالجهود الذاتية والزمن المبذول.

إننا على ثقة عالية من أن المعارضة العراقية قادرة على لملمة شملها والعض على الجراح وتجاوز مرارات الماضي وأخطائه لتثبت كفاءتها وحرصها وقدرتها على حاضر العراق ومستقبله من اجل استغلال الفرصة التاريخية على طريق بناء مستقبل زاهر للعراق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري، ولتؤكد مرة أخرى إنها فوق الحزبية الضيقة والفئوية المحدودة وإنها على استعداد تام للتنازل عن كل شيء إلا المصلحة العليا للشعب العراقي، بالضبط مثلما فعل التيار الكردي مؤخرا عندما تجاوزت فصائله وقادتها المناضلين كل مشاكل الماضي وتعقيداته ليعيدوا الحياة من جديد إلى العمل

المشترك تحت قبة البرلمان.

 

المؤتمر: نشكركم لإتاحتكم لنا هذه الفرصة لإجراء هذا اللقاء.

 

نزار حيدر: أشكركم كذلك متمنيا لكم كل التوفيق والنجاح ولـ(المؤتمر) السداد في تبليغ رسالتها الإعلامية المقدسة، رسالة الشعب العراقي المظلوم، وكلي أمل في أن نلتقي في المرة القادمة في العراق الجديد، عراق الحرية والكرامة والعزة، عراق الديمقراطية والتعددية والحياة البرلمانية والدستور، عراق الإنسان الجديد المتمتع بحريته وإرادته وكرامته، عراق السلم والأمن، عراق يحترم حقوق الإنسان ويصون الدين والعرض والعلم، ويحترم العلماء، عراق المجتمع المدني، بعد زوال النظام الديكتاتوري بإذن الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

 

أرسل ملاحظاتك حول اللقاء