الفهرس

 

 

 

 

حوارات

 

إباء تحاور الكاتب والباحث السياسي العراقي المعارض نزار حيدر

أجراه: حيدر السلامي

تصوير: أحمد الحسن

الاستاذ نزار حيدر: من مواليد محافظة كربلاء المقدسة، عام 1959 م. انتمى لصفوف الحركة الإسلامية المجاهدة في العراق عام 1972 م. شارك بفاعلية في انتفاضة صفر عام 1977م، وفي العام 1978م، قاد نشاطا سياسيا في محافظة النجف الأشرف اعتقلته على أثره سلطات الأمن والتي تمكن من الإفلات من قبضتها بمساعدة عدد من رفاقه المجاهدين.

شارك في حملة توزيع المنشورات السياسية التي غطت محافظات العراق من أقصاه إلى أقصاه في عام 1979 م، خاصة في محافظات كربلاء والنجف وبابل والعاصمة بغداد ومدينة الكاظمية المقدسة، بالإضافة إلى جامعة السليمانية التي أنهى فيها دراسته في كلية الهندسة قسم الإليكترونيات عام 1980.

ولنشاطه السياسي المتميز في الجامعة طورد من قبل سلطات الأمن وحكم عليه بالإعدام غيابيا في ثلاث قضايا سياسية منفصلة مما اضطرته الظروف القاسية للهجرة إلى خارج العراق ليواصل نشاطه المعارض في بلدان المهجر التي استقر فيها لفترات زمنية متفاوتة منها سوريا وإيران وعدد من الدول الأوربية ثم إيران ولبنان وسوريا ليستقر به المقام حاليا في العاصمة الأمريكية واشنطن.

له مساهمات إعلامية وثقافية وفكرية في العديد من وسائل الإعلام العربية وخاصة صحف المعارضة العراقية.

شارك في العديد من مؤتمرات المعارضة العراقية أبرزها مؤتمر صلاح الدين في العام 1992 م، الذي أنبثق عنه (المؤتمر الوطني العراقي) الموسع والذي انتخب فيه عضوا في المجلس التنفيذي كما شارك في مؤتمر نيويورك عام 1999 م، انتخب فيه عضوا في المجلس المركزي.

ساهم في انتفاضة شعبان (آذار) عام 1990 م، ورأس أول وفد رسمي من الحركة الإسلامية يزور كردستان العراق أبان الانتفاضة والتقى بقادة الفصائل الكردية بغية التنسيق بين شقي الانتفاضة في الشمال والجنوب.

واصل نشاطه في كردستان العراق منذ العام 1991 م وحتى العام 1996 م عندما اجتاحت قوات النظام مدينة أربيل فاضطر للهجرة ثانية إلى خارج العراق. يتميز بعلاقات وطيدة مع مختلف قادة وفصائل وشخصيات حركة المعارضة العراقية لما عرف عنه بالذهنية المتفتحة والوطنية.

مع دوران رحى الحرب على العراق، واستمرار عملياتها، على ما يبدو في آخر معركة فاصلة، لعلها تكون (أم القواصم) لا (أم الحواسم)، كما ادّعاها نظام الانحطاط الصدّامي، ومع انعدام الأمن والسلام وغياب الحكومة والنظام، مؤقتة كانت أم دائمة، وطنية أم حكومة احتلال، تتزايد التعليقات والتحليلات السياسية، بل وتتكاثر التحليقات في سماوات التنظير العلى، وتتطاير التقليعات الإعلامية - كما في موضة الأزياء- يمليها التنافس بين المواقع والفضائيات والأرضيات، وتتعالى الأصوات المؤيدة والرافضة سواءاّ بسواء، مع هذا كله، كان لابد لموقع الوكالة الشيعية للأنباء (إباء)، أن يتصدر مجلسه ويدلي بدلوه بين هذا الزحام من اللغط والكلام، وتقافز الأرقام، إحصائية وتحليلية، وأن يسلط شيئا من الضوء على جوانب ربما بدت غائبة عن البعض رغم أننا نعيش عصور الانفتاح والاتصال ، وكان مما دأبت الوكالة على نشره توخيا لملامسة الحقائق بجلدها، وسماع نغماتها من طنبورها، فتح قنوات الحوار مع رجال السياسة الميدانيين والباحثين في مجالاتها، ومن بين هؤلاء.. الكاتب والباحث العراقي المعارض الأستاذ نزار حيدر، الذي التقيناه في طريق عودته إلى العراق، وكان لنا معه الحوار الآتي:

ما الذي كان وراء الإصرار الأمريكي على إسقاط نظام صدام حسين؟

منذ عدة سنوات كان هناك بحث جاد في مراكز البحوث والدراسات الستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية يتمحور حول السياسة الأمريكية الخارجية إزاء المناطق الساخنة في العالم والسؤال الذي كان يطرح خلال هذه البحوث هو : هل أن من الصحيح أن تدعم الولايات المتحدة الأمريكية الأنظمة الدكتاتورية في العالم أم أنها يجب أن تغير هذا الأسلوب وتبدأ بدعم الديمقراطيات مثلا ؟ وهل أن مصالحها القومية في مختلف مناطق العالم يمكن تأمينها من خلال استمرار الدعم لأنظمة دكتاتورية أم أن من الأفضل لمصالحها أن تغير هذه الستراتيجية وهذه السياسة الخارجية وتبدأ بدعم الديمقراطيات في العالم؟! هذا البحث كان جديا وكان قائما في أكثر من مركز أبحاث ودراسات ستراتيجية وفي كثير من الجامعات في مختلف الولايات الأمريكية وعلى مستويات عالية من المفكرين والباحثين والستراتيجيين. وجاءت أحداث 11 سبتمبر لترجح كفة الذين كانوا ينظرون لضرورة دعم أمريكا للديمقراطيات وليس للدكتاتوريات لأنهم من هذه الأحداث اكتشفوا أن الدكتاتورية أنتجت إرهابا أو يمكن أن نقول بأنها فرخت بؤرا إرهابية لم تكن منطلقة من عامل اقتصادي أي أن أعضاء هذه البؤر والشبكات الإرهابية ليسوا من الفقراء المحتاجين ليمكننا القول بأنهم اشتروا بالمال لينفذوا عملا إرهابيا معينا.

تقصد حركة طالبان وتنظيم القاعدة مثلا؟

نعم بالضبط هؤلاء وما أشبه. يعني نحن نعرف أن الكثير من قادة وأعضاء تنظيم القاعدة الإرهابي، هم أناس ميسورون ويملكون الملايين وأغلبهم أصحاب شهادات وثقافات ودارسون في أمريكا فهم ليسوا من الطبقات المعدومة لكي نقول أن السبب اقتصادي فإذن لتأتي أمريكا فتوزع الحصص بشكل عادل وتقضي على هذه البؤر الإرهابية. كلا فهؤلاء من الطبقة الميسورة والغنية وهذا يعني أن القضاء على مثل هذه البؤر الإرهابية لا يكون من خلال توزيع الأموال والثروة بشكل عادل على سبيل الفرض وإنما السبب الرئيسي هو أن هذه البؤر عشعشت وباضت وفقست وفرخت في ظل أنظمة دكتاتورية تمنع حرية الرأي تمنع المشاركة السياسية تمنع حتى الاعتراف بأبسط حقوق المواطن، وشعوبها تعيش أبشع حالات التمييز الطائفي والسياسي والقومي وما إلى ذلك. فأحداث 11 سبتمبر رجحت نظرية الحد من دعم الدكتاتوريات والبدء بدعم الديمقراطيات وبالمناسبة وبين قوسين هناك عدة مؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية مؤسسات شبه حكومية ويدعمها الكونغرس على اعتباره ممثل الشعب الأمريكي هذه المؤسسات مهمتها نشر الديمقراطيات في العالم الثالث والنامي ومحاولة تعليم الناس كيف يؤسسون للمجتمع المدني ويحاولون أن ينقلوا تجارب ديمقراطية نامية من بلد لآخر كما حدث في بعض البلدان.

أستاذ نزار.. هناك سؤال طالما رددته وسائل الإعلام العربية هو هل أن الديمقراطية تصنع حسب المنطق الأمريكي بالحروب والدمار مثلا؟

لقد حاولت منذ أشهر أن أجيب على هذا السؤال بشكل منطقي وعلمي بعيد عن العواطف والشعارات الفارغة فدرست مجموعة تجارب على الأقل تجارب معاصرة فللأسف الشديد أني اكتشفت أن الديمقراطيات في العالم ليس في العالم العربي فحسب عادة ما تولد إما بعد حرب أو بعد ثورة وعادة تكون ثورة دموية فعلى سبيل المثال: في أمريكا ذاتها كانت الديمقراطية نتاج حرب أهلية هي حرب الاستعمار كما تسمى أو حرب التحرير ، الديمقراطية في فرنسا كانت على أثر الثورة الفرنسية ، في اليابان، في كوريا، في ألمانيا، في الاتحاد السوفيتي، لو لم تكن الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ما كان لدول المعسكر الشرقي أن تؤسس ديمقراطياتها.

إذن يمكننا القول بأن إيجاد الديمقراطية في الأغلب إنما هو رد فعل معاكس لحالة الدكتاتورية؟

أكيد، فالدكتاتورية ما ذا تنتج عادة ؟ تنتج حربا أو إرهابا أو قمعا وهذه في المحصلة تولد الثورة. فنتيجة حرب الدكتاتورية واحدة من اثنتين: إما زيادة نسبة الدكتاتورية بمعنى تكريس حالة الدكتاتورية بشكل أكبر وإما الانطلاق نحو الديمقراطية وعلى سبيل المثال: هتلر كما نعرف جاء إلى السلطة في ألمانيا بنظام ديمقراطي.. انتخابات وليس مثل صدام حسين الذي تسلق جدران القصر الجمهوري بدبابة عسكرية و.. لا .. هتلر جاء بانتخابات ولكن عقليته كانت عقلية حرب كان يعتقد بالعنصر الجرماني كما يقولون وأنه يجب أن يكون متفوقا على بقية العناصر في أوربا والعالم وأن بقية القوميات يجب أن تكون خادمة لهذا العنصر المتفوق فجاء وعمل حربا وحربه كانت ستنتهي إلى أحد الأمرين: إما تكريس هذه النظرية ومعناها دمار العالم أو على الأقل دمار أوربا وإما إنهاء هذه الدكتاتورية وإنتاج الديمقراطية وهو ما حصل فعلا.

نحن في العراق وأعود إلى السؤال السابق كنا نأمل ونتمنى أن حربا واحدة من تلك الحروب التي شنها نظام صدام ، مثل حربه ضد الأكراد في الشمال التي استمرت سنين أو مع إيران أو حربه على الكويت.. كنا نتمنى أن واحدة من هذه الحروب تكفي لإسقاط دكتاتوريته، لكن للأسف الشديد لم تنتج كل منها ديمقراطية بل كرست الدكتاتورية، وبقي صدام حسين يدخل كل حرب ويخرج منها وقد تكرست دكتاتوريته إلى أن وصل ما وصل إليه اليوم. أعود إلى السؤال الأول مرة أخرى كذلك، فأقول أن الولايات المتحدة الأمريكية عندما أحست من خلال قراءة الواقع وتفسير ظاهرة الإرهاب في منطقتنا بالذات تأكدت من أن هذه الموجة الإرهابية إنما هي وليدة أنظمة دكتاتورية تقمع الصوت الآخر، تقمع حق المواطن ، تقمع رأيه، تقمعه مذهبيا.. قوميا، وحتى مناطقيا، لذلك بدأ الحديث يتكرس حول ضرورة إسقاط أو التوقف بالمرحلة الأولى عن دعم الأنظمة الدكتاتورية والبدء بالمساعدة على إحداث التغيير نحو الديمقراطية وكان البدء بنظام صدام حسين لأسباب كثيرة منها:

أن حالة اللاحرب واللاسلم إن صح التعبير في العراق مع المجتمع الدولي قد وصلت إلى نقطة الذروة ولم يعد ممكنا الاستمرار على هذا الحال مدة أطول فإما أن تحسم الولايات المتحدة الأمريكية أمرها وتقرر إسقاط النظام، وإما أن تعلن بأن نظام صدام لا يمتلك أسلحة تدمير شامل وأنه عاد إلى رشده مستمرة في أسلوب التغطية على جرائمه لتنتهي أخيرا إلى إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي برفع العقوبات وإعادة نظام صدام إلى المجتمع الدولي وكأن شيئا لم يكن....

عندما وصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا المفترق كان يجب عليها أن تختار أحد الطريقين: إما أن تستمر بالعقوبات الذكية وبالاحتواء المزدوج...إلخ وهذا ما لم يعد ممكنا مع هكذا نظام تحدى المجتمع الدولي، وقد وقع بنفسه وليس بواسطة على كل شروط وقف إطلاق النار.. فكان بذلك حجة كافية بالنسبة للولايات المتحدة للتعامل معه بالطريقة التي تراها، ثم جاء القرار 1441 ومجريات التفتيش وما رافقها وكانت النتيجة أن القرار الأمريكي النهائي انصب في اتجاه إسقاط النظام وليس إعادة تأهيله.

يذهب بعض المحللين إلى أن إسقاط نظام صدام هو بداية سلسلة تغييرات سياسية سوف تشهدها المنطقة.. ما قولك أستاذ؟

في رأيي أن هذا الكلام مبالغ فيه، وبنفس الوقت أنا أعتقد أن مثل هذا الكلام يطلقه أولا نظام صدام حسين نفسه، من أجل تخويف الأنظمة وتخويف الشعوب وللأسف الشديد فإنه نجح إلى حد بعيد في ذلك.. ولو رجعنا للوراء قليلا نرى أن نظام صدام سابقا كان عندما يجري الحديث عن قضية إسقاطه وتغييره كان يتبع سياسة تخويف الشعب العراقي وبعض دول الجوار ويروج لفكرة الحرب الأهلية أو تقسيم وتفتيت العراق وما أشبه ليرهب بذلك الشعب العراقي أولا والأنظمة العربية ثانيا.

لكن الآن لما وصلت القضية إلى أبعد مما كان يتصور، من عملية إسقاط حقيقية عمد إلى تعبئة الرأي العام لصالحه فلم يكن يكفي في هذه الحالة أن يوجه الخطاب إلى الداخل ولم يكن يكفي أن يتحدث للشعوب والأنظمة من أجل تعبئتها مخوفا لهم بأن العراق سيتفتت، فلربما البعض يفكر بان القضية داخلية وما ذا يهمه لو تفتت العراق، وهل هذه هي المرة الأولى التي تتفتت بها الدول العربية ألم يتفتت الوطن العربي والإسلامي برمته من قبل؟ فجاء وابتكر هذا اللون الجديد من العزف وكان على وتر القومية العربية في محاولة إفهام الأمة العربية بأنه ليس النظام الوحيد الذي سوف يسقط وإنما هو بداية انهيار النظام العربي بأكمله.

والأمر الثاني الذي دعاني لأقول بأن هذا الكلام مبالغ فيه هو أن نظام صدام نظام استثنائي في المنطقة ولا يمكن القياس عليه فلا يوجد نظام عربي فعل ما فعله، فلماذا هذا التخوف؟! نعم قد نقول هناك دكتاتوريات في بعض البلدان، لكنها دكتاتوريات محدودة جدا ولا يمكن قياسها بدكتاتورية صدام حسين، فلا يوجد نظام عربي استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه غير نظام صدام حسين ولا نظام دخل ثلاث حروب متتالية على الأقل غيره، ولا من نظام قمع شعبه بالقسوة التي مارسها نظام صدام وهو الذي حفر نهرا ثالثا يمتد بين دجلة والفرات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب اسمه نهر الدم .. لماذا هذا التخوف من الأنظمة العربية والإسلامية؟ نعم نحن نتمنى على هذه الدول أن تعي بأن التغيير يجب أن يحصل.

والنقطة المهمة التي أريد تسجيلها هنا هي أننا حقيقة إذا نظرنا إلى خريطة العالم نلاحظ أن الأنظمة التي تسود منطقتنا أو آلـ(system) العام ولا أقصد نظام حكم بعينه وإنما النمط العام هو من مخلفات الحرب العالمية الأولى. من الحرب العالمية الأولى ولحد الآن يعني حوالي تسعين سنة للأسف الشديد العالم كله تغير إلا منطقتنا وهذه كارثة في الحقيقة فلا يمكن ولا يعقل.. إن العالم كله يتغير والمنطقة تبقى محافظة على نفس النمط السياسي.

الحرب العالمية الثانية كانت سببا في تغيير كثير من الأنظمة السياسية في العالم.. حرب الخليج كانت سببا في تغيير سياسي كبير..فالمعسكر الشرقي لم يكن بهذا الشكل.. أنا لا أقول كانت الحرب سببا مباشرا، ولكنها عاملا مهما وبالنتيجة المعسكر الشرقي تغير.. شرق آسيا تغير.. أفريقيا.. أمريكا اللاتينية.. نحن نتمنى على أنظمة المنطقة أن تفكر وتعي هذه الضرورة خاصة ونحن نعيش في زمن تفجر المعلومات وثورة التكنلوجيا.. المواطن العراقي مهما يقمع هو يظل يسمع ويشاهد ويتصل بالعالم الخارجي عبر الستلايت والإنترنت وبقية الوسائل الأخرى.

لماذا ونحن في القرن الواحد والعشرين والإنسان العربي لا يستطيع أن يمارس أي حق من حقوقه وهو حرية التفكير؟!

نحن نعرف إن الإنسان يولد وتولد معه حقوقه بل وهو في بطن أمه عنده حقوق التغذية الجيدة، المتابعة الصحية، الأم مثلا .. الطبيب يمنعها عن بعض أنواع من الأكلات أو الأدوية أو كذا.. الدكتور يأمرها أن تأخذ الحبة الفلانية ولا تأخذ الدواء الفلاني لئلا يتأثر الجنين،وبعد الولادة من حق الولد حسن التسمية وحسن التربية.. وكذا طعامه، ملبسه..إلخ.. إلى أن يموت فمن حقوقه أنه يكفن ويدفن ويصلى عليه.. بينما المواطن العربي عنده حق واحد هو حق الدفن فقط.

لا يعقل أن العالم كله يتغير ونحن نطلب من المواطن العربي أن يغمض عينيه ويضع أصابعه في أذنيه ويعطي لعقله إجازة.. بمعنى دعني أنا الحاكم أفكر نيابة عنك إلى متى؟ نتمنى أن الأنظمة تعي هذه الشيء وهي تبادر إلى التغيير.

أستاذ نزار.. هل ترى أن الأمريكيين جادين فعلاً في الالتزام بالأهداف المعلنة للحرب؟

الهدف المعلن من عملية إسقاط نظام صدام حسين هو تحرير الشعب العراقي من هذه الدكتاتورية، وتمكين الشعب العراقي من إدارة نفسه (يعني إدارة بلده بنفسه)، وهذا أصل الموضوع، وأنا أعارض من يقول أن الأمريكيين يريدون أن يفرضوا الديمقراطية في العراق، لماذا؟ لأنني أعتقد أن المواطن العراقي يفكر في الديمقراطية أكثر من أي إنسان آخر، إذ أنه عاش 35 عاما في ظل أعتى نظام دكتاتوري لم يشهد العالم مثله.

وأن الشعب العراقي حاول كثيراً في تغيير هذا النظام ودفع ثمن باهضا، لكن نوعية النظام الدتكاتوري في العراق كانت نوعية خاصة بحيث ما استطاع الشعب العراقي أن يغيّره بالرغم من كثرة التضحيات وبالرغم من كل الجهود التي بذلت، فأنا أعتقد أن الأمريكيين سيطلقون العنان للديمقراطية في العراق، وسيطلقون العنان للشعب العراقي لإقامة النظام الذي يريدها، والديمقراطية التي يريدها، وليس بالضرورة أن تكون على الطريقة الأمريكية أو على الطريقة الأوروبية أو على أي طريقة أخرى، وإنما على الطريقة التي يرتئيها، المهم أن تحقق له الحرية والمهم أن تحقق له صيانة حقوقه، أما بعض المتخوفين من أن أمريكا ستسقط النظام الديكتاتوري، وتستبدله بنظام ديكتاتوري آخر، فأنا أستبعد تخوفهم هذا، لأن الشعب العراقي الذي عانى من هذه الديكتاتورية الشيء الكثير جداً، سوف لن يسمح بتكرار التجربة إن شاء الله.

لقائل أن يقول: هذه الديمقراطية المزمعة هي بضاعة أمريكية، ونحن كمسلمين مأمورون بمقاطعة البضائع الأمريكية، ما هو تعليقكم على هذا العبارة؟

حسب فهمي على الأقل للإسلام ولتأريخ الإسلام وتجربة الإسلام ونحن شعب مسلم في العراق، فهمي للإسلام أنه هو سيد الديمقراطية، وطبعاً الآن الإستراتيجيون والسياسيون يعرفون الديمقراطية بثلاثة مقومات: أولاً الحرية، ثانياً المساواة، وثالثاً المشاركة، البلد الذي فيه هذه المقومات الثلاثة هذا البلد هو بلد ديمقراطي، فأسألك بالله أليس في الإسلام حرية؟ أليس في العراق مساواة؟

أليس الحديث النبوي يقول لا فضل لعربيٍِ على عجميٍ إلا بالتقوى، ويقول كلكم لآدم وآدم من تراب، ويؤكد يدخل الجنة كل مسلم وإن كان عبدا حبشياً، ويدخل النار كل مشرك وإن كان سيدا قرشياً، أليس هذه مساواة؟ والمقوّم الثالث المشاركة، هل يوجد فكر ومذهب ودين دعا إلى المشاركة أكثر مما دعا إليه الإسلام؟ وهذا قول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله): (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) هل يوجد أكثر من هذه المشاركة؟! يعني أيها الإنسان المسلم أنت مسؤول وأنت حاكم في موقعك، فأنت إذا كنت جزءا واحدا من الرعية مسؤول أمام الحاكم، أو أنت رب بيت مسؤول، أو كنت في حزبٍ سياسي فأنت مسؤول، فهل يوجد أكثر من هذه المشاركة؟! إذن فمفهوم الديمقراطية لكل شعب ولكل بلد لها خصوصياتها، وهذه الخصوصيات لا يمكن لأحد أن يتجاوزها، لكن أنا أتكلم بالخط العام، الديمقراطية تعني ثلاثة مقومات: الحرية والمشاركة والمساواة، ولا تجد هذه المقومات واضحة وجليّة وصريحة كما تجدها في الإسلام، فكيف نقول أن الديمقراطية هي بضاعة أمريكية؟ لماذا لا نقول أن الديمقراطية بضاعة الشعب العراقي في الأساس، نحن عندما نقرأ التاريخ الإسلامي في فترة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وفترة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم نقرأ ولا حالة اعتقال واحدة لمواطن بسبب رأيه، وهذه قمة الديمقراطية وإلا لو لم تكن الديمقراطية هي بضاعتنا، أسألك هل الديكتاتورية هي بضاعتنا؟ أبداً لا الرسول مارس أو دعا إلى ديكتاتورية (أعوذ بالله) ولا علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولا أي إمام من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

مع الخوارج الذين كانوا أشد أعداء علي بن أبي طالب (عليه السلام ) قال لهم: أن لكم السوية وأن لا أمنعكم من مسجد ولا أسقطكم من بيت المال، لكن لا ترفعوا بوجهي السيف. طبعاً المسجد في ذلك الوقت كان وزارة الإعلام وهو المحطة الفضائية وهو التجمعات السياسية، وعلى كل كان المسجد شيء مهم في ذلك الوقت، من كان يمتلك رأياً سواء كان مع الحاكم أو ضد الحاكم كان يأتي ويطرحه في المسجد، فقال لهم (عليه السلام) لا أمنعكم عن المسجد، تعالوا وقولوا رأيكم فقط بشرط أن لا ترفعوا السلاح في وجهي، فمنطق الديمقراطية هي بضاعتنا وليست الديكتاتورية.

زعم الأمريكيون أنهم سيسلّمون دفة الحكم إلى العراقيين أنفسهم وهذا ما نوهت به خلال إجابتك السابقة بعد إسقاط نظام صدام وإحلال الديمقراطية فهل تجدهم صادقين وأنهم سوف يتخلون عن أطروحة الحاكم العسكري؟

كفى الأمريكيين أخطاءا في منطقتنا بدء من قضية فلسطين إلى قضية دعمهم للدكتاتوريات ولا أعتقد أنهم اليوم قادرون أن يتحملوا عواقب خطأ آخر ربما يكون أفدح وأخطر من كل الأخطاء الماضية، والعراق واقعا إذا أرادوا أن يتعاملوا معه بالضد من الأهداف المعلنة فإنه سيكون لهم مستنقعا قد يدخلونه ولكن من الصعب عليهم أن يخرجوا منه لذلك أعتقد أن الأمريكيين سيفكرون بجدية وبصوت عال قبل أن يرتكبوا خطأ قد يتمثل بالحكم العسكري أو بتجاوز الشعب العراقي باختياره نظام الحكم السياسي أو بفرض دستور معين كما حصل في اليابان مثلا بعد الحرب العالمية الثانية. هذا جانب والآخر أن ثقتنا بالشعب العراقي عالية جدا ولا أعتقد أن من الممكن أن ينسى هذه الثلاثة العقود من الزمن التي عاشها في ظل هذا النظام الشمولي ويعيد الكرة من جديد ويترك المجال لأمريكا أو غير أمريكا لارتكاب خطأ بحقه أنا أعتقد أن العراقيين سوف يصرون على انتزاع ما يريدونه بأي شكل من الأشكال وبنفس الوقت أعتقد بأن الأمريكيين سوف لن يرتكبوا مثل هذا الخطأ الذي أعتبره فادحا وجسيما ليضاف إلى بقية أخطائهم في العالم العربي.

 إذن فكيف ترى ملامح العراق الجديد؟

برأيي أن العراق الجديد يفترض أن يكون بملامح الصورة الآتية: فأولا حرية الشعب العراقي وإرادة الإنسان العراقي.. منذ 35 سنة والمواطن العراقي لم يكتب رأيا في ورقة ليضعها في صندوق اقتراع بشكل حرّ وبكامل إرادته والذي كان يحدث دائما التزوير والاستعراض الكاذب الذي يفرز نسبة 100% كما حصل في استفتاء صدام الأخير.. العراق الجديد يجب أن يكون عراقاّ المواطن فيه حر إرادته حرة، في إطار شعار ألخصه بعبارة واحدة هي: صوت واحد لمواطن واحد فلا نستعيض عن صوت مواطن بصوت غيره إطلاقا ونتجاوز صوت مواطن ورأيه ولا يمكن لمواطن أن يتنازل عن صوته لأن الصوت هنا سيكون مسؤولية، فإذا كان الإنسان متدينا فالمسؤولية شرعية، وإذا كان حريصا على بلده ومستقبل بلده فالمسؤولية وطنية، وإذا كان يفكر بالمستقبل أي بالأجيال القادمة فالمسؤولية تاريخية. هذا أولا، وأما ثانيا: يجب إشاعة قانون المساءلة في العراق الجديد إن شاء الله تعالى سيكون الحاكم هو المساءلة بمعنى كل إنسان بمجرد أن يتصدى لمسؤولية ما سواء كان رئيسا أو وزيرا أو عضوا في البرلمان أو متصد لحزب أو لشأن اجتماعي.. يجب أن يقبل ويستعد على الدوام أن يكون تحت المجهر وفي أي لحظة يمكن أن يوجه له سؤال من أي مواطن: من أين لك هذا؟ لماذا اتخذت القرار الفلاني ولم تتخذ القرار الفلاني مثلا .. ولن يكون في عراقنا الجديد إنسان معصوم عن المساءلة ولن يكون هناك إنسان لا يتمتع بحق المساءلة وليس هناك طبقية فالكل يسأل والكل يساءل في ذات الوقت.

أستاذ نزار.. يلاحظ على كلامك هذا أنك رسمت صورة للعراق الجديد انطلاقا من المنى والأحلام والآمال كما يبدو.. ترى كيف تستشرف مستقبل العراق من على أرض الواقع؟

أكيد أن مجرد ذكر الحرية أو الديمقراطية والتعددية والمساءلة وتداول السلطة السلمي والبرلمان والانتخاب الحر وما أشبه بمجرد ذكرها أمام الإنسان العراقي اليوم، يعدّ حلما لماذا لأنها سـتأتي بعد 35 سنة من الحكم الشمولي 35 سنة غيبت هذه المعاني ونسيت هذه المصطلحات وأصبح المواطن العراقي يراها تحلق في سماء المثاليات أو المستحيلات.. والآن لو سألت أي إنسان عراقي ما هي حقوقك؟ لا يعرف إجابة لهذا السؤال لأنه عاش 35 سنة محروما من أبسط حقوقه.. ولأضرب لك مثالا: صدام حسين كان يعتقل الآلاف بلا سبب وبعد مدة يصدر قرارا بإطلاق سراحهم، وللأسف تجد حتى أناسا مثقفين يعتبرونها مكرمة للسيد الرئيس.. أية مكرمة هذه؟! والحق أنه يجب ورغم أنفه أن يطلق سراحهم لأنه أصلا لم يعتقلهم بقانون أو حكم عادل والحال أنه يعتقل بلا قانون ويسرح بمكرمة.. ومن هنا يحق للعراقي أن ينظر إلى أي مفردة مما ذكرتها وكأنها حلما لأنه حتى في الحلم لم يعشها لحظة. ومن طريف ما يحكى في هذا الباب أن عراقيا رأى في المنام أنه صار انقلاب عسكري وتشكلت حكومة جديدة فلما استيقظ روى هذا الحلم لصاحبه، وصاحبه رواه لصاحبه الآخر، وهكذا راح هذا الحلم ينتقل من واحد إلى آخر حتى وصل إلى المخابرات الصدامية فاعتقلوا ذلك الرجل الحالم يعذبونه ليل نهار أن أخبرنا عن أعضاء حكومة الانقلابيين، من هم؟ لكي يعتقلوهم خوفا من أن يصبح هذا الحلم حقيقة.. الإنسان الذي يقتل بالسم الكيمياوي كيف له أن يفكر بالحرية والديمقراطية وأمثالها وكيف يصدق بوجودها؟!

ولكن في العراق الجديد يجب أن تتحقق هذه الأحلام كما تسميها وأنا أسميها حقائق، على الأقل أنها ستكون النتيجة الطبيعية لذلك الثمن الباهظ الذي دفعناه.

هل تعتقد أن أحلام العراقيين سوف تتحقق بالصيغة الفيدرالية؟

لا أستطيع تحديد الأسلوب الدقيق الذي ستتحقق به هذه التي تكرر تسميتها بالأحلام وأصرّ على أن أسميها الحقائق. ولكن في الخط العام سيكون هناك حالة الصوت العراقي الواحد والمحترم وتداول السلطة السلمي واستقلالية القضاء وهذه الأخيرة قضية مهمة جدا لأننا في العراق مشكلتنا ولسنين طويلة هي أن القضاء بيد الحاكم فالحاكم هو المدعي وهو القاضي وهو الحاكم وهو المنفذ للحكم، وفي ظل قضاء غير مستقل لا يمكن تحقيق الديمقراطية مطلقا ولا يمكن صيانة حقوق المواطن أبدا.

كان حديثك يدور حول صورة العراق بعد إحلال الديمقراطية المنشودة لكن ماذا عن المرحلة الانتقالية التي سيمر بها الوطن حال سقوط نظام الحكم؟

في الحقيقة نحن كنا نتمنى أن لا تصل الأمور إلى مستوى من التعقيد كما هي اليوم لتتدخل الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الطريقة المؤلمة والمؤسفة لإسقاط نظام صدام حسين، وكنا نتمنى أن يتمكن الشعب العراقي من خلال جهوده الذاتية وبمساعدة الجامعة العربية مثلا العالم الإسلامي.. دول الجوار.. وكنا نتمنى أن تضغط الدول العربية أو الإسلامية على صدام ليتنحى عن السلطة وتغيير الأوضاع أو حلحلتها على الأقل ولكن للأسف الشديد أن سياسات نظام صدام انتهت بالأمور إلى ما انتهت إليه اليوم وبهذه الطريقة المأساوية المفجعة، وللأسف الشديد كان الشعب العراقي هو الضحية الأولى والأكبر لسياسة هذا النظام، لكن الآن وقد وقع المحذور وجاءت الولايات الأمريكية وبريطانيا وحلفاؤهما ودخلوا هذه الحرب وسقط نظام صدام حسين فأنا أعتقد، أولا: أن وجود الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، سيكون أمرا واقعا على اعتبار أن الولايات المتحدة هي التي جيشت كل هذه القوات ودفعت الثمن السياسي والسمعة في مجلس الأمن فليس من المعقول أنها تسقط النظام وبعد لحظة تدير وجهها وتعود إلى بلادها.

ثانيا: أن هناك عدة سيناريوهات لمرحلة ما بعد صدام، ومنها:إقامة إدارة مدنية أمريكية لفترة انتقالية قد تكون ستة أشهر أو تمتد لأكثر من سنتين بالاستفادة من العراقيين كمستشارين وما أشبه. لكن هناك رأي آخر تعمل عليه المعارضة العراقية وأعتقد أنه بدأ يثمر وهو السعي لتشكيل حكومة عراقية انتقالية. أنا شخصيا ومعي الكثير من الشخصيات المعارضة الأخرى اتفقنا على إقامة مثل هذه الحكومة المؤقتة لأننا نعتقد أن من المهم جدا أن لا تثلم سيادة العراق حتى ولو لحظة واحدة بعد الخلاص من نظام صدام.

المظاهرات العالمية المناهضة للحرب على العراق..ما هو انطباعك عنها ولأي سبب تعزو ضخامتها؟

السبب الأول هو أن وجدان الإنسان الطاهر والنقي يرفض القتل ومنظر الدم لذلك فإن الناس في العالم كانوا ولا يزالون ونحن من بينهم ضد الحرب فلا أحد في هذا الكون يحب الحرب ويحب أن يرى شعبه وقد سحق بآلة الحرب المدمرة .. في قضية العراق أعتقد أن الإنسان الوحيد الذي يحب الحرب هو صدام حسين ولقد نشرت مقالة أسميتها تاجر الحروب وهو الوصف الدقيق برأيي لهذا الرجل، فهو منذ أن استولى على السلطة ولحد الآن زج بالعراق قي ثلاثة حروب مدمرة شاملة خارجية وأدخله في عدة حروب داخلية إذ إن كان مفهوم الحرب يعني استخدام الدبابة والسلاح فإن نظام صدام استخدم السلاح كأداة وحيدة للتعامل مع الشعب العراقي، أبسط مظاهرة للتعبير عن رأي معين في قضية ما يواجهها نظام صدام بالسلاح كما حدث في انتفاضة 1977م المعروفة بانتفاضة صفر وكما فعل بانتفاضة آذار وما فعله مع الأكراد في شمال العراق.

على مدى 35سنة لم يستخدم صدام غير السلاح المدمر للتعامل مع شعبه، فهو تاجر الحرب المتميز. أما هذه التظاهرات الرافضة للحرب فهي تعبر عن مشاعر إنسانية صادقة وهذا شيء يفرحنا حقيقة فالعالم كله ضد الحرب ضد قتل الأبرياء ضد تدمير الشعب العراقي لكن ما يؤسفنا في ذات الوقت هو أن هذا الرأي العام وهذا الوجدان الإنساني للعالم بغض النظر عن الدين والانتماء تعرض لماكينة الدعاية المضللة لنظام صدام بشكل كبير ومخيف جدا ووقع ضحية استغلال الإعلام الصدامي. كنا نتمنى أن هذه المشاعر الإنسانية الصادقة لا تقع ضحية الماكنة الإعلامية للنظام، وأن تعبر بشكل دقيق وصحيح عما يجول في خاطرها وهو أن ترفع شعار لا لصدام لا للحرب حتى يعرف الجميع وأولهم نظام صدام أن هذه المظاهرات ليست دفاعا عنه ولا تعني تأييده غير أن الذي حصل أن هذا الوجدان الإنساني قد أخطأ في التعبير للأسف الشديد أن نظام صدام فهم أو أراد أن يفهم الآخرين بأن هذا الوجدان هو لصالح سياسته وتأييد بقائه في السلطة.

إذن يمكننا أن نقول بأن هذا الهاجس الإنساني أو الوجدان كما تسميه قد فهم النتيجة وهي الحرب وأدانها بينما لم يفهم السبب الذي يقف وراءها وهو نظام صدام حسين؟

نعم بالضبط إضافة إلى كونه عبر عن الهدف بشكل خطأ. فالإنسان إذا أراد التعبير عن شيء فليس من الصحيح أن يهتم فقط بإبراز الهدف وإنما من الواجب عليه كذلك أن يستخدم الوسيلة الصحيحة فمثلا حين أريد أن أشرب كأسا من الماء .. الماء طاهر ولكن ربما الكأس نجسة فهل يجوز الشرب في مع هذه الحالة؟! كلا فالواجب علي أن أتيقن من طهارة الكأس الذي أشرب فيه أيضا.

والإعلام العربي.. كيف رأيته في التعامل مع الحقائق؟

مشكلة الإعلام العربي أنه لا يمتلك مفتاح المهنة بيده بل الذي يمتلك هذا المفتاح هي الأنظمة الحاكمة ففي العراق الفضائية العربية التي تغطي الحدث ليس بيدها مفتاح الذهاب إلى موقع الحدث لتغطيته وإنما هو بيد النظام فهو يقودها إلى حيث يريد لا إلى حيث تريد ولذلك هي في حقيقة الأمر ليست حرة وليست مستقلة وإن ادعت بل الذي يسيرها هو النظام الحاكم. ومثال على ذلك أن الفضائيات تقول أن أمريكا أطلقت على العراق 2000 صاروخا... طيب هذه الفضائيات التي تقول عن نفسها مستقلة كم هدفا أرتنا؟! يمكن 10 أهداف.. حسن أين الأهداف الأخرى؟ لماذا لم تنقلها لنا كلها؟ وأكثر من هذا أقول أنها ليس بإمكانها أن ترينا بقية الأهداف فهي لا تستطيع أن تنقل لنا غير الهدف الذي يريد عرضه نظام صدام حسين. وأوجه السؤال الآتي لهذه الفضائيات: أين كانت عندما ضرب صدام مدينة حلبجة مثلا بالسلاح الكيمياوي؟ كم فضائية عرضت هذا الحدث الخطير؟ لنقل في ذلك الوقت لم تكن هذه الفضائيات موجودة لكن الآن لماذا لا يعرضونها وهي مسجلة في أفلام وأقراص؟

وجريمة صدام بقصفه مدينة كربلاء المقدسة والتي قال عنها أحد الصحفيين الألمان عندما زارها إثر الانتفاضة:(كأنها مدينة خرجت للتو من زلزال) وقال آخر:( ذكرتني كربلاء بمدينة برلين التي لم يبق فيها حجر على حجر بعد الحرب العالمية الثانية) وأي فضائية عرضت لنا الصلاة المليونية التي كان يقيمها الشهيد محمد الصدر في مسجد الكوفة؟! ليعرف العالم أن الجماهير العراقية ليست موالية لصدام وإنما هي مخلصة الولاء لزعامتها الدينية التي ترزح تحت نير الإقامة الجبرية والاضطهاد المادي والمعنوي.

والمشكلة الأخرى التي تعاني منها الفضائيات العربية شأنها شأن المواطن العربي أن الصورة المأساوية التي تعرض أمام عدسات الكاميرا تعدها جريمة أما تلك التي لا تسمح الأنظمة بعرضها فهي تمر عليها وكأن شيئا لم يكن.

والمشكلة الثالثة حقيقة هي أن الإعلام العربي يميز في مفهوم الظلم أي أن الظلم الصادر من صدام حسين هو ظلم محبوب، ظلم مبرر، ظلم منطقي، ويوجد له الإعلام العربي ألف مصطلح ومصطلح تبريري مهما كان هذا الظلم عظيما. لكن الظلم الصادر من أمريكا مثلا وإن كان بسيطا فإنه ظلم شنيع لماذا لأنه صادر من أمريكا والحال أن الظلم واحد كيفما كان وحيثما وجد سواء كان الظالم مسلما أو يهوديا، حاكما أو محكوما، صديقا أو عدوا.. الظلم ظلم، لكن الإعلام العربي ومثله المثقف العربي يجزئ الظلم وهذا من أكبر الأخطاء.

شكرا أستاذ نزار.. نلتقيك في عراق حرّ ديمقراطي مزدهر إن شاء الله.

شكرا لكم، أسأله تعالى ذلك في أقرب وقت.. وليوفق الله الجميع.

 

أرسل ملاحظاتك حول اللقاء