|

حينما تتنوع فئات المجتمع وشرائحه، كما هي طبيعة كل مجتمع
بشري، فإن التلاقي
والتواصل بين هذه الفئات المتنوعة عرقياً أو فكرياً أو سياسياً، هو الحرف
الأول من
أبجدية تعايشها، وحفظ كيانها الاجتماعي.
فالتواصل يحقق أُلفة النفوس، ويربط
وشائج العواطف، ويصنع لغة العلاقة الإنسانية، المنبثقة من حالة فطرية تجذب
الإنسان
إلى أخيه الإنسان.
هذه الألفة والعلاقة العاطفية التي ينتجها التواصل تعطّل
أي مفعول سلبي لجهة الاختلاف والتنوع، وتبقيه ضمن حدوده الطبيعية
المقبولة.
أما إذا انعدم التواصل بين فئة وأخرى، وحتى بين شخص وآخر، فإن
الجفاء النفسي، والجفاف العاطفي، يصبح أرضية لنمو بذور التنافر والكراهية.
لذلك
اعتبر الحديث النبوي الشريف أن الألفة مع الآخرين مقياس لخيرية الإنسان، روي
عنه
(ص)أنه
قال:
«خياركم
أحسنكم أخلاقا الذين يألفون ويؤلفون».
وفي حديث آخر
عنه
(ص):
رأس العقل بعد
الإيمان بالله عز وجل التحبب إلى الناس)
[1]
.
والتلاقي بين الأطراف المختلفة، يوفّر فرصة
الانفتاح الفكري بينها، حيث يتعرف كل طرف على حقيقة وواقع الطرف الآخر،
ويتحاور
معه، ويتبادلان الرأي، فيكتشفان مساحات الاتفاق، ويحددان مناطق الاختلاف، مما
يهيئ
الأجواء المناسبة للوصول إلى صيغة تفاهم وتعامل، من أجل خدمة المصالح
المشتركة،
وإقرار السلم الاجتماعي.
وعلى العكس، من ذلك حينما تسود حالة القطيعة
والتباعد بين الأطراف المختلفة، فتكون صورة كل طرف غير واضحة ودقيقة أمام
الطرف
الآخر، تشوّهها ظنون السوء، وخطأ المعلومات الواردة، والنقولات المغرضة، ويجد
أعداء
المجتمع فرصتهم لتعبئة كل جهة ضد الأخرى، والتأسيس لمشاريع الفتنة والنزاع
والاحتراب.
إن مخططات الأعداء لتمزيق الأمة وتفريقها لا تأتي من فراغ، ولا
تبدأ من الصفر، وإنما تبحث عن الثغرات والمنافذ، وتعمل على توسيع رقعتها،
وتفعيل
آثارها، لإشعال نار الفتنة والانقسام. وتواصل فئات المجتمع وتلاقيها يجعل
مهمة
الأعداء في التفرقة صعبة عسيرة، بينما تكون سهلة ميسرة في حال القطيعة
والتباعد.
وليس مصدر الفتنة والنزاع خارجياً دائماً، بل قد يكون باعثها قوى
داخلية جاهلة أو مغرضة، تتيح فرصة الاستثمار الأجنبي. حيث تنمو داخل هذا
الطرف أو
ذاك، قوى تبحث عن دور ونفوذ، من خلال المزايدة، وإظهار البطولة، في الدفاع عن
عقيدة
الجماعة وهويتها، بإثبات الأفضلية والتفوق على الآخر، بالغلو في تمجيد الذات،
والإمعان في النيل من الآخر وتحقيره.
وإنما تنتعش هذه القوى المتطرفة في حال
القطيعة والتباعد، بينما يتعذر عليها العمل والنجاح حين تتواصل الأطراف،
وتتلاقى
الجهات، وتتداخل المصالح.
ولنضرب مثلاً بالعلاقة بين الطوائف الإسلامية في
لبنان، حاضراً، فلو أن جهة من الشيعة أظهرت إساءة لأهل السنة، فإن المؤسسات
والشخصيات الشيعية كالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحزب الله، بل والجمهور
الشيعي
سيقف أمامها، ويرفض ويمنع تصرفها المسيء، وكذلك الأمر لو حاولت جهة سنية
النيل من
الشيعة، فإن دار الإفتاء وجمعية المقاصد الإسلامية وغيرها، وعموم الرأي العام
السني، ستردعها وتوقفها عند حدها. لماذا؟
لأن هناك خطوط اتصال، ووشائج
ارتباط، وتشابك مصالح. أما في ظل القطيعة والتباعد فإن القوى المتطرفة لدى
الجهات
المختلفة تسرح وتمرح، وتجد لها المبررات الكافية، والأجواء المشجعة، ويصبح
الواعون
المدركون في حرج من معارضتها ومخالفتها، حتى لا يوصموا بالجبن والخذلان
وممالأة
الأعداء.
إن اللقاء والحوار من أهم عوامل وقاية جسم المجتمع من جراثيم
الفرقة والنزاع، بتفعيل وتنشيط جهاز المناعة الذاتية. ومن أقوى وسائل حماية
الوحدة
والاستقرار الاجتماعي
وإذا كان اللقاء والتوصل بين أطراف المجتمع هاماً وضرورياً
في كل وقت فإنه حين تشتد الأخطار، وتزداد التحديات، يصبح أكثر ضرورة
وإلحاحاً.
من هنا تأتي أهمية المبادرة الرائعة التي أطلقها سمو ولي العهد
الأمير عبد الله بن عبد العزيز وفقه الله لخير البلاد والعباد، بالدعوة إلى
انعقاد
اللقاء الوطني للحوار الفكري.
وحصل اللقاء برعايته الكريمة في الرياض عاصمة
المملكة، ولمدة أربعة أيام، من تاريخ 15-18/4/1424هـ الموافق
15-18/6/2003م.
وضم اللقاء نخبة من العلماء والمفكرين، والمهتمين بالشأن
العام، يزيدون على ثلاثين شخصية، من مختلف مناطق المملكة، يمثلون مختلف
التوجهات
المذهبية والفكرية الإسلامية، من السنة والشيعة.
من السلفيين بتوجهاتهم
المختلفة، ومن أتباع المذهب المالكي والشافعي، ومن الشيعة الإمامية في القطيف
والأحساء والمدينة المنورة،
ومن الإسماعيلية في نجران، ومن الشخصيات الإسلامية
الوطنية المستقلة.
لقد شهدت مكتبة الملك عبد العزيز العامة، التي احتضنت
جلسات اللقاء، أول اجتماع من نوعه في تاريخ المملكة الحديث، والذي نأمل أن
يكون
إيذاناً بطيّ حقبة من التباعد والقطيعة، بين أبناء الوطن الواحد والدين
الواحد،
وتدشيناً لعهد جديد من التواصل والتعاون، على البر والتقوى، لخدمة الدين
والوطن إن
شاء الله.
|
التنوع المذهبي: حقيقة قائمة. |
نشأت المذاهب
والمدارس العقدية والفقهية ليس أمراً جديداً في حياة الأمة، ولا حالة طارئة
مستحدثة، بل هو واقع معاش منذ العهد الإسلامي الأول، ومن البساطة المتناهية،
والتفكير العبثي، التنكر لهذه الحقيقة وتجاهلها، والنظر إلى تعدد المذاهب
وكأنه
حالة مرضية، لا بد من رفضها واستئصالها، ولا يصح الاعتراف بها والتعامل
معها.
إن لكل مذهب تاريخه العريق، ومنظومته المعرفية، التي تكرّس
القناعة به
عند أتباعه، وقد يمكن تغيير قناعة بعض الأفراد ليتحولوا من مذهبهم إلى مذهب
آخر،
لكن التيار العام والكيان الاجتماعي، لأي مذهب لن يتأثر بخروج عدد من
الأفراد.
كما أن وجود أتباع لهذه المذاهب في المملكة العربية السعودية، ليس
أمراً طارئاً، ولا وجوداً دخيلاً، فهم أهل هذه البلاد، وأبناؤها، وأصحاب
أرضها، منذ
القدم، وقبل قيام الكيان السياسي، الذي تحقق على يديه توحيد هذه المناطق،
وإنشاء
دولة واحدة عزيزة، هي المملكة العربية السعودية.
إنهم أجزاء مكوّنة لهذا
الوطن الغالي، وليسوا وافدين دخلاء، وبالتالي فهم يتساوون في حقوق المواطنة
وامتيازاتها، وفي التمتع بخيرات الوطن وإمكاناته المادية والمعنوية.
فالوطن
ليس ملكاً لأتباع مذهب معين، والدولة ليست خاصة بأصحاب اتجاه واحد، بل هو وطن
الجميع، ودولة الجميع.
وكان أبناء البلاد يتعايشون في مناطقها بوّد وانسجام،
مع اختلاف اتنماءاتهم المذهبية، يتحدث عضو هيئة كبار العلماء في المملكة
الدكتور
الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان، في كتاب له عن تاريخ العلم والثقافة في مكة
المكرمة،
في القرن الرابع عشر، بعنوان «الحرم الشريف الجامع والجامعة» منشورات نادي
مكة
الأدبي والثقافي سنة 1417هـ، يتحدث عن تقاسم الأدوار العلمية والدينية بين
علماء
المذاهب الأربعة، في فناء البيت الحرام، حيث لم يكن هناك احتكار وانحصار في
علماء
مذهب واحد، يقول: «جرت العادة أن يقام لصلاة الجماعة الأولى يؤم فيها إمام
الشافعية، تتلوها صلاة الجماعة الثانية يؤم فيها إمام الحنفية، يعقبها
المالكي ثم
الحنبلي، فمن فاتته الجماعة مع الأولى أدركها مع الثانية، ومن لم يدرك
الثانية
أدركها مع الجماعة الثالثة، ومن لم يدركها مع الثالثة أدركها مع الجماعة
الرابعة
وبهذا لا تفوت المأموم الصلاة جماعة في أغلب الأحيان، أما صلاة الجمعة فالحال
فيها
على عكس الصلوات الخمس، فجماعتها جماعة واحدة، بإمام وخطيب واحد، ولكن لكل
مذهب
خطباؤه، يأخذون دورهم مع بقية أئمة وخطباء المذاهب الأخرى، على مدار العام،
كانوا
من الكثرة بحيث قد لا يتسنى للواحد الإمامة وخطبة الجمعة أكثر من مرة في
العام
الواحد.
وفي شهر ربيع الثاني سنة 1345هـ اجتمع فريق من العلماء الحجازيين
والنجديين واتفقوا على توحيد صلاة الجماعة في الحرم الشريف، ولكن مع التناوب
بين
أئمة المذاهب المختلفة، وانتخب من كل مذهب ثلاثة أئمة، الشافعي والمالكي
والحنفي،
ومن المذهب الحنبلي اثنان»
[2]
.
ويتحدث الشيخ أبو سليمان أيضاً عن تعدد
المفتين والمدرسين في الحرم حسب المذاهب.. مما يلبي حاجات الناس، ويشعر كل
الأطراف
بوجودها واحترامها ومشاركتها، ويثري المعرفة، ويحفظ المودة والانسجام.
وفي
المنطقة الشرقية حيث يتعايش شيعة أهل البيت مع إخوانهم السنة، كانت علاقات
التواصل
والتعاون بينهم وطيدة، ففي القطيف كان قاضي الشيعة مرجعاً في القضاء للسنة
والشيعة،
وهو الشيخ علي –أبو عبد الكريم- بن حسن الخنيزي (1285-1362هـ) والذي تولى
القضاء
سنة 1323هـ في عهد العثمانيين، واستمر فيه إلى العهد السعودي حيث أقره جلالة
الملك
الراحل عبد العزيز آل سعود ومما شاع ذكره في المنطقة بين السنة والشيعة من
أهاليها،
واثبته مترجموا الشيخ الخنيزي: أن رجلاً من أبناء السنة من البدو رفع دعوى
على والد
الشيخ الخنيزي، فطلب الشيخ من أبيه أن يتساوى مع خصمه في المجلس، كما هي آداب
القضاء في الإسلام، ولما تبين له أن الحق في جانب البدوي السني، لم يتردد في
الحكم
على أبيه، وإلزامه تسليم الحق لصاحبه، مما أوجد له احتراماً كبيراً في جميع
الأوساط.
وكان هناك تواصل علمي معرفي بين علماء السنة والشيعة في المنطقة،
وخاصة في الأحساء، وتواصل اجتماعي بين عامة الناس من الطرفين، فالمواطنون
السنة في
قرية (عنك) في القطيف، كانوا يودعون أماناتهم وأموالهم عند شخصيات الشيعة في
القطيف، عند ترحلهم في البادية، وكذلك كان السنة من أهالي (دارين) يرتبطون
بأوثق
العلاقات مع جيرانهم الشيعة في (تاروت)، ولا زال الآباء ينقلون لنا عن صور
ذلك
الترابط والتلاحم.
وقد حدثني أكثر من أديب ومثقف من الأخوة السنة في الأحساء
أنه تعلم القرآن عند معلم أو معلمة من الشيعة.
هكذا كانت حالة التواصل
والانسجام الاجتماعي غير متأثرة بالتنوع المذهبي.
ويكفي أن نقرأ في ترجمة
الأديب خالد بن محمد الفرج (1316هـ - 1374هـ) من عشيرة المناديل الدوسرية
والذي
عينه الملك عبد العزيز مديراً لبلدية القطيف سنة 1346هـ وكيف كانت علاقاته
وتواصله
مع علماء الشيعة وأدبائهم ومثقفيهم في القطيف، ومشاركته لهم في مناسباتهم
الاجتماعية، لندرك مدى عمق الانسجام الاجتماعي فوق المذهبي آنذاك.
إقرأه
–خالد
الفرج- وهو يرثي قاضي الشيعة في القطيف الشيخ علي –أبو الحسن- الخنيزي
(1291-1363هـ)
ويلقي قصيدته في حفلة الأربعين والتي يقول فيها:
ابكوا بدمع
أو نجيع ••• شيخاً يعز على الجميع
وتصوروا البدر اختفى ••• في غامض الليل
المريع
وكأنه روح الحياة ••• مضت عن الجسم الصريع
إلى أن
يقول:
يبكون شمس الفضل غابت ••• لن تعود إلى طلوع
يبكون نهر العلم جفّ
•••
فمن لمصفّر الزروع
يبكون روحاً لن ترفرف ••• في سجود أو ركوع
اودى أبو
حسن فمن ••• كعلي العلم الرفيع
ويختمها بقوله:
قد صار قبرك في
القطيف ••• كأنه بعض البقيع
وفي مناسبة أخرى هي وفاة عالم آخر من كبار علماء
القطيف، هو السيد ماجد السيد هاشم العوامي (1279هـ-1367هـ) تتفجر قريحة
الأديب
الفرج عن قصيدتين رائعتين، ألقى الأولى في أيام العزاء، والثانية في حفل
الأربعين
وفيها يقول:
إكليل شعر على قبر من النور ••• في القلب لا في أديم الأرض
محفور
مضمخ بعبير الذكريات له ••• نشر يضوع بلا مسك وكافور
يضم جثمان فضل لا
حدود له ••• باق على صفحات القلب مسطور
وفيها يقول مشيراً إلى وفاة السيد
ماجد بعد أدائه الحج وسفره للعراق لزيارة مراقد أئمة أهل البيت، حتى توفي في
الكاظمية هناك:
قدست يا من أتم الواجبات على ••• خير الوجوه بتوفيق
وتيسير
فزرت أجدادك الأبرار بعد قضا ••• حج الوداع على هدي وتقصير
واخترت
مثواك في أرض زكت تربا ••• في الكاظمية بين الولد والحور
ولأن أربعين
السيد ماجد كانت في شهر جمادى، فإن الشاعر الفرج يستحضر أربعين الإمام الحسين
التي
يحتفل بها الشيعة في العشرين من شهر صفر فيقول:
الأربعون وهل في الأربعين
سوى ••• معنى تعاقب إشراق وتغوير
أفي جمادى مقام اليوم أم صفر ••• ما الفرق إلا
بتقديم وتأخير
رزء الحفيد كرزء الجد لو سلمت ••• تلك الشهادة من ظلم
وتحسير
وفي المقطع الختامي من القصيدة يقول:
يا آل هاشم ماذا
الدمع إنكم ••• مطهرون متى احتجتم لتطهير
وهل مصائبكم لا تنقضي أبداً ••• وما
سواهن يصفو بعد تكدير
لا تخلعون سواداً من ثيابكم ••• إلا على كفن في القبر
مزرور
ولا يهل هلال لا تقوم به ••• مآتم للغرانيق المغاوير
أهل القطيف لقد
قمتم بواجبكم ••• وكلكم بين مبرور ومأجور
أنت هنا أمام شاعر سني، يعيش
كل أحاسيس المجتمع الشيعي، ويجيد التعبير عنها، بلغة تنطلق من أعماق نفسه
بصدق
وإخلاص.
هذه عينات ونماذج، عن التواصل والانسجام، بين المواطنين المتنوعين
في مذاهبهم وانتماءاتهم. وكان يفترض أن تتطور هذه الحالة لتعميق الترابط
والوحدة
الوطنية، في ظل ثبات النظام الذي صنع وحدة البلاد.
كن حقبة صعبة مرت على الوطن، تراجع خلالها مستوى التواصل
والانسجام بين أطراف المجتمع المتعدد المذاهب والتوجهات، حيث استأثر بالساحة
الدينية والفكرية رأي أحادي، يرفض الاعتراف بالآخر، ويضيق عليه الخناق،
ويحرمه من
فرصة التعبير عن وجهة نظره، حتى اصبح اعتناق الرأي الآخر وكأنه مروق من
الدين، وخلل
في الولاء للوطن، ومخالفة للنظام.
فانكفأ أتباع المذاهب الأخرى على أنفسهم،
وانطوت كل جهة منهم ضمن دائرتها الخاصة، لتهتم بتحصين أتباعها ضد تأثيرات
الاتجاه
السائد، الذي يحتكر كل الوسائل والامكانات العامة.
وسادت حالة الجفاء
والجفاف، والقطيعة والتباعد، وبدأت تظهر آثارها الخطيرة، ونتائجها المرة، في
إضعاف
الوحدة الوطنية، والنيل من تماسك المجتمع وانسجامه، وبروز التوجهات المتشددة
المتطرفة، وكان الأعداء الأجانب يرصدون هذه الحالة، ويذخرون استثمارها للوقت
المناسب، خدمة لأغراضهم التآمرية ضد مصلحة الأمة والوطن.
فكان لا بد من يقظة
وانتباه، ووقفة مراجعة وتأمل، لتفويت الفرصة على الأعداء، بتصليب الوحدة
الوطنية،
وتجديد حيويتها، ونفض غبار الغلو والتشدد عن مفاهيم الدين وتعاليمه، وهو دين
الوسطية والاعتدال، والشريعة السمحاء. كما يقول تعالى:
﴿
وكذلك جعلناكم أمة وسطا
﴾.
ويبدو أن هذا هو الهدف
الأساس، لانعقاد اللقاء الوطني للحوار الفكري، حسبما أكدّ عليه سمو ولي العهد
في
كلمة الافتتاح التي وجهها إلى المشاركين، وجاء فيها:
«أيها
الأخوة الأفاضل:
لا يخفى عليكم، وقد اجتمعتم في هذا اليوم المبارك، لهدف نبيل، وغاية شريفة،
ما يحدق
ببلادنا من أخطار، وما تمر به من ظروف دقيقة حرجة، وما تعانيه من ضغوط، وما
تواجهه
من هجمات شرسة، تمسُّ العقيدة، وتهدد الوحدة الوطنية، وتعرضها للاختراق من
قبل
الأعداء، الأمر الذي يوجب على كل مخلص من أبنائها، أن يبذل أقصى الجهد
والاجتهاد،
للتصدي لمحاولات النيل من وحدتها، والمساس بأمنها واستقرارها، وتهديد
مصالحها، وان
يتنبه كل ذي لب لعوامل التنافر والشقاق، وظهور العداوات، سواء من العصبيات
القبلية،
أو النعرات الاقليمية، أو الاختلافات الفكرية، أو أي شكل من أشكال الغلو
والتطرف.
أيها الأخوة: ما من عاقل عارف بالأمور، ينكر أن اختلاف الآراء،
وتنوع الاتجاهات، وتعدد المذاهب، أمر واقعي في حياتنا، وطبيعة من طبائع
الناس،
الذين خلقهم الله بعلمه وحكمته، على فوارق في الفهم والإدراك والفكر، وتعدد
في
مشارب العلم والمعرفة، واختلاف في بيئات النشأة والتربية
.كان
القلق يساور الكثيرين حول حظوظ اللقاء في النجاح،
فالاتجاهات المشاركة فيه تفصل بين أغلبها مسافات من التباعد والقطيعة، وحواجز
من
الانطباعات السلبية المتبادلة، وركام من الظنون السيئة، والاتهامات القاسية،
كالكفر
والشرك والابتداع والضلال والانحراف..
لكن هذا القلق تبدد منذ الجلسة الأولى
بحمد الله، وظهر أن معظم المشاركين، كانوا على مستوى من النضج والوعي
بالتحديات
الخطيرة المحدقة بالدين والوطن، وكانوا يتحلون باللياقة الكافية، لإدارة
الحوار
الصعب في مستهله وبدايته.
كانت هناك نبرات حادّة من قبل البعض، فيما يرتبط
بالخلاف المذهبي، بين السنة والشيعة وفيما يتعلق ببعض المواقف السياسية بين
أجنحة
التيار السلفي، لكنه أمكن استيعابها، والتعامل معها كدرجة عالية من الصراحة
والمكاشفة.
لقد تبلورت الآراء في أوساط الملتقين، وتمخض الحوار، عن ضرورة
الاعتراف والاقرار بالتعدد المذهبي والفكري، وأنه سنة كونية، وحقيقة تاريخية،
لا
يمكن إلغاؤه وتجاوزه. وأنه لا بديل عن التعايش بين أتباع هذه المذاهب
والتوجهات،
وحفظ السلم الاجتماعي، والوحدة الوطنية، والتساوي في حقوق المواطنة.
وجرى
التأكيد على اعتماد منهج الحوار، في قضايا الاختلاف، ضمن الآداب الإسلامية
والعلمية، التي تلزم بتحري الحقيقة والموضوعية، والعدل في الحكم على الآراء
والأشخاص.
وبهذه الروحية المنفتحة، انطلق المتحاورون في بحث القضايا
المقترحة، للنقاش من هموم الوطن والمواطنين، في عشر جلسات، استغرقت حوالي خمس
وعشرين ساعة.
حيث جرى البحث والنقاش حول قضايا أساسية، تحتاج إلى بلورة رأي،
وتجلية موقف للنخبة الوطنية تجاهها، لمساعدة القيادة السياسية في البلاد، على
الإسراع في مسيرة الإصلاح والتطوير، ومواجهة التحديات الصعبة، بتوسيع رقعة
المشاركة
السياسية، وتحقيق التطلعات المشروعة، وأن يتحمل المواطنون جميعاً، وخاصة
النخبة
الواعية، مسؤولياتهم في الدفاع عن الوطن وحماية وحدته وأمنه واستقراره.
ومن
مكاسب اللقاء الهامة استحضار جميع هموم الوطن وتطلعات المواطنين، في مناطقهم
المختلفة، وشرائحهم وتوجهاتهم المتنوعة، فربما كان البعض منا يعيش همَّ قضايا
معينة
مثارة في منطقته ومجتمعه، وقد يرى لها الأولوية والصدارة، لكنه حين يعيش
أجواء هموم
سائر المناطق والقضايا، ويطلع على أبعادها وتفاعلاتها، يعيد رسم خريطة
الأولويات في
تفكيره، ويتفاعل مع كل قضية في حجمها الطبيعي، دوت تهويل وتضخيم.
لقد تناول
المتحاورون أموراً حساسة لها علاقة بالشأن السياسي والأمني والاقتصادي
والاجتماعي
والدعوي، بشفافية وصراحة، من منطلق التشخيص الموضوعي للمشكلة، وتلّمس أفضل
سبل الحل
والعلاج، ولم يكن هناك سقف ولا حدود حمر أمام المتحاورين، إلا شعورهم
بالمسؤولية
تجاه ربهم وأمتهم، كما لم تتدخل رئاسة اللقاء في قضايا الحوار بتأييد رأي أو
معارضة
آخر، بل اقتصر دورها على تنظيم الحوار وإدارته.
كان اللقاء فرصة رائعة
للتعارف بين الأطراف المشاركة، وتصحيح بعض الانطباعات، والتأكد من المواقف
والتوجهات، استمعوا لبعضهم، وتناقشوا وتحاوروا، ووجدوا أن ما يتفقون عليه أهم
وأوسع
مساحة مما
يختلفون فيه.
وتبلورت لدى الجميع الرغبة والإرادة في استمرار
اللقاء والتواصل، وطلبوا من سمو ولي العهد تبني تحويل اللقاء إلى مؤسسة وطنية
ترعى
الحوار الوطني، وتؤسس له، وتحتضن اجتماعاته وبرامجه، وتدرب عليه، وتعالج أي
خروج عن
ثوابته وضوابطه. كما عبر عن ذلك الشيخ سلمان العودة في كلمته أمام ولي العهد
مضيفاً: إنه لا فائدة ولا مصلحة من بخس أحد حقه أياً كان توجهه أو مذهبه أو
دينه،
شريطة أن يحترم دين هذه البلاد ومصالحها وأمنها.
وإلى جانب الجلسات الرسمية
للقاء، كانت هناك لقاءات الثنائية وجانبية، حيث يتزاور الملتقون في غرفهم في
قصر
الضيافة للمؤتمرات، ويتحادثون أوقات الوجبات على موائد الطعام، وأثناء
انتقالهم
بالسيارات إلى مكتبة الملك عبد العزيز حيث تعقد جلسات اللقاء، فكانت أياماً
طيبة
مباركة إن شاء الله.
ولعل جميع الملتقين قد تفاجؤا بنجاحهم في هذا اللقاء
الأول، كما عبر عن ذلك أكثرهم. فالدكتور الشيخ محمد عبده يماني قال أمام سمو
ولي
العهد: إني لم أكن راغباً في حضور هذا اللقاء إذ كيف نتلاقى ونتحاور والبعض
منا ما
كان يسلّم على الآخر، لكني سررت وسعدت بما وجدته في اللقاء من لغة المصارحة،
ومنهجية الحوار، وأجواء الودّ والاحترام.
وتجب الإشادة هنا بإدارة اللقاء،
المتمثلة في معالي الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، الرئيس العام لشؤون
الحرمين
الشريفين، والذي كان حكيماً هادئاً واسع الصدر، وكذلك مساعداه، الدكتور راشد
الراجح
الشريف والدكتور عبد الله بن عمر نصيف، كما بذل أمين عام اللقاء مدير مكتبة
الملك
عبد العزيز، الأستاذ فيصل بن عبد الرحمن بن معمر كل جهد ممكن لإنجاح اللقاء،
جزى
الله الجميع خيراً.
من الإنصاف أن نعتبر هذا اللقاء المبارك نقطة تحوّل في
التاريخ الاجتماعي لوطننا الحبيب، بما يعنيه من إقرار بالتعددية المذهبية،
والتنوع
الفكري، واعتماد منهج الحوار واحترام الرأي الآخر، والتأكيد على الوحدة
الوطنية.
بالطبع لنا أن نتوقع محاولات لإجهاض مسيرة اللقاء، بإثارة زوبعة
هنا وأخرى هناك، وتضخيم كلمة صدرت من هذا الطرف أو ذاك، وإعادة فتح الملفات
الطائفية القديمة في العلاقة بين السنة والشيعة، وطرح التساؤلات والإشكاليات،
حول
مدى شرعية التلاقي والحوار مع الآخر، المحكوم عليه سلفاً بأقسى
الأحكام!!
ومن يتصفح بعض المواقع على شبكة الإنترنت يجد بدايات هجوم مضاد
على نهج اللقاء ونتائجه، وكل ذلك أمر متوقع لأن وراءنا تاريخاً من القطيعة
والنزاع،
وتراثاً مثقلاً بالآراء والمواقف السلبية المتبادلة، وهناك جيل تربى على
التقرب إلى
الله تعالى بمناوأة الآخر والإساءة إليه، ومراكز قوى تستمد نفوذها وشرعية
وجودها،
من هذه المعارك المذهبية المفتعلة.
لكن المطلوب من الواعين المخلصين لمصلحة
الدين والوطن، من مختلف المذاهب والتوجهات، أن يتحملوا مسؤوليتهم، تجاه هذا
المنعطف
الخطير، والمنحنى الهام، وأن لا يسمحوا بالعودة إلى الوراء، للتراجع عن ما
تحقق من
تقدم في المسار الصحيح، وما انجزه اللقاء من مكاسب عظيمة، وذلك عبر ما
يلي:
أولاً: تكريس نهج اللقاء والحوار على المستوى الشعبي، بنشر ثقافة
الوحدة، وروح التسامح، واحترام حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير، هذه
المفاهيم
التي أقرها الإسلام قبل أن يتحدث عنها الغرب بقرون.
فوحدة الأمة أصل أساس من
أصول الفكر الإسلامي، إلى جانب توحيد الله تعالى. يقول تعالى:
﴿
وإن هذه أمتكم أمة
واحدة وأنا ربكم فاعبدون
﴾.
وكما قال أحد علماء الإسلام: بني الإسلام على
شيئين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.
وحفظ حقوق المخالف، والتعامل معه، مبدأ
أصيل في منهج الإسلام، لا يجوز الخروج عليه. يقول تعالى:
﴿
وقولوا للناس حسنا
﴾
﴿
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي
أحسن
﴾.
﴿
ولا تبخسوا الناس
أشياءهم
﴾
﴿
ولا يجرمنكم شنئان
قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى
﴾.
إن مجتمعنا بحاجة إلى حملة إعلامية ثقافية، بدءاً
من مدارس التعليم والجامعات، إلى الصحافة ووسائل الإعلام، إلى خطب المساجد
والتوجيه
الديني، لمواجهة آثار حقبة التطرف والتشدد، والتي لن تزول بين عشية
وضحاها.
وما يجب أن نحذر منه في هذه المرحلة، هو الاستجابة لإثارات الخلافات
المذهبية، والاستدراج إلى متاهات الجدل العقيم، والمهاترات الطائفية. فذلك ما
قد
يخطط له البعض، للانقضاض على مسيرة اللقاء والحوار.
ثانياً: مأسسة اللقاء
والحوار، بإنشاء مركز وطني للحوار، ووضع الآليات والبرامج المناسبة لاستمراره
وتطويره، وتوسيع رقعة المشاركة فيه، ليشمل كل الاتجاهات والتوجهات.
وقد أبدى
سمو ولي العهد موافقته على هذا المشروع، وأكد حرصه لدى اجتماعه بالمشاركين
على
ضرورة تكرار اللقاء واستمراره، بشكل منتظم.
ثالثاً: ينبغي تجاوز حالة
الإنكفاء والانطواء التي تعيشها بعض الطوائف كالشيعة، بالانفتاح والتفاعل على
المستوى الوطني العام، فمثلاً: علماء الشيعة في المملكة غالباً ما تستهلك
جهودهم
واهتماماتهم في الشأن الداخلي الخاص بجماعتهم، دون توجه للاهتمام بما هو خارج
هذه
الدائرة، أو بناء علاقات تواصل مع الآخرين. وقد انعكست حالة الانكفاء هذه على
معظم
أبناء الشيعة فالمتواجدون منهم خارج مناطقهم، موظفين أو طلاباً عادة ما
يكوّنون لهم
تجمعاتهم الخاصة، ويقل اندماجهم وتداخلهم مع مواطنيهم الآخرين.
وإذا كانت
هناك أسباب موضوعية لحالة الانكفاء في الماضي، فإن تطورات الظروف والأوضاع
تدفع
لتجاوزها في الحال الحاضر.
وهناك بعض الآراء والممارسات المذهبية في الوسط
الشيعي تحتاج إلى تبيين وتوضيح حتى لا يساء فهمها عند الآخرين، وهذا لا يتم
إلا
بالتواصل والانفتاح، وإنتاج الخطاب المعتدل المقبول.
وإذا كان من حق الشيعة
التمسك بمعتقداتهم حسب قناعتهم، وممارسة شعائرهم العبادية وفق آراء فقهائهم،
فإنه
يجب منع وردع أي إساءة قد تصدر من بعض الجاهلين أو المغرضين للطرف الآخر،
بالنيل من
رموزه ومقدساته عن طريق السب أو الشتم، فذلك حرام شرعاً، ومخالف لآداب أهل
البيت
وأخلاقهم.
وكما أن على الأكثرية ضمان حقوق الأقلية، فإن على الأقلية احترام
مشاعر الأكثرية، وذلك هو طريق التعايش واستقرار السلم الاجتماعي.
وأخيراً
أتوجه بالشكر والتقدير لسمو ولي العهد على مبادرته الكريمة، ولرئاسة اللقاء
على حسن
الإدارة، ولجميع الأخوة الأعزاء، من الفضلاء والعلماء المشاركين في اللقاء،
الذين
سعدت كثيراً بمحادثتهم ومحاورتهم، وغمروني بجميل أخلاقهم، أسأل الله تعالى أن
يأخذ
بأيدينا جميعاً إلى ما فيه خدمة الدين، ومصلحة الأمة، وحماية الوطن، وأن
يكفينا كيد
الأعداء ومؤامراتهم، وشر المغرضين والجاهلين، وأن يجعلنا من الصالحين
المصلحين إنه
قريب مجيب.
_______________________________________________________
[1]
المتقي الهندي/ كنز العمال – حديث رقم
5172.
[2]
أبو سليمان: الدكتور عبد الوهاب/ الحرم الشريف
الجامع والجامعة ص37،34 / نادي مكة الأدبي والثقافي
1417هـ
|