
تحدث آية الله السيد عباس المدرسي الذي يزور البحرين
حاليا في لقاء خاص مع "الوسط" عن الوضع في العراق، داعيا المسلمين في العالم
وخصوصا أبناء المنطقة إلى تفهم مأساة الشعب العراقي والمساعدة في عودة الحياة
الطبيعية إلى العراق، وذلك بقيام نظام عادل يبسط الأمن. ودعا إلى أن يكف
"المزايدون" على وطنية وإسلامية الشعب العراقي وحرصه على استقلاله ومصالحه.
وأشار إلى ان غالبية التيار الإسلامي في الداخل غير مشاركين في مجلس الحكم
الانتقالي، وان الكل ينتظر إجراء انتخابات نزيهة لمجلس الدستور، ثم انتخاب
مجلس حكم له سيادة تامة. وفيما يلي نص الحوار.
أولا، ما برنامج زيارتكم للبحرين؟
- جئت في زيارة دينية للمراكز والحسينيات والمشاركة في
احتفالات ميلاد الإمام الحسن المجتبى "ع"، وذكرى استشهاد الإمام علي "ع".
سؤال كثيرا ما يتردد: ما موقفكم من مجلس الحكم الانتقالي في العراق؟
- في الحقيقة، اختلفت مواقف الفئات السياسية في العراق
من مجلس الحكم، بين رفض مطلق وبين قبول مطلق، وبين متحفظ. معظم أو غالبية
التيار الإسلامي غير ممثل في مجلس الحكم ولذلك فإن معظم التنظيمات الإسلامية
غير راضية عن تركيبته وعمله، غير أن مواقفها المعلنة لا تعبر بالضرورة عن
ذلك، وذلك لأسباب كثيرة من أهمها الوضع الشاذ وغير الطبيعي الذي تعيشه البلاد
من جهة، ولأن مجلس الحكم لا يمتلك السيادة الحقيقية، فالمعارضة للمجلس عادة
تنزلق وتتجاوزه إلى المعارضة لقوات الاحتلال.
التيار الإسلامي في الداخل معظمه غير مشارك وغير مهتم
بقرارات مجلس الحكم، والكثيرون منه رافضون لمجمل الظروف والتركيبة التي تم
بها تشكيله، والكل ينتظر إجراء انتخابات نزيهة لمجلس الدستور أولا، ثم انتخاب
مجلس حكم ذي سيادة تامة.
طبعا هذا لا يعني أنه في الظروف الراهنة لا توجد
إيجابيات كثيرة في تشكيل أصل هذا المجلس، مع الأخذ في الاعتبار أن قوات
الاحتلال كانت تريد حكم البلاد مباشرة لمدة سنتين. فهذا المجلس كان خطوة
إيجابية باتجاه إقامة حكم عراقي، ولكنه ليس كافيا، ولا قادرا على الاستمرار
بهذه التشكيلة الفعلية.
ماذا عن حقيقة ما يقال عن المقاومة في العراق؟
- كلام كثير عن المقاومة وعمن يقف وراءها... ولكن جزءا
من المقاومة يجب أن يعتبر طبيعيا في أي بلد يتعرض للاحتلال. غير أن تصاعد
العمليات في الفترة الأخيرة جعل الكثيرين يعتقدون أن ثمة تحالفا بين جميع
المتضررين من وجود قوات الاحتلال في البلاد في الداخل وبين التيارات
الإسلامية المعارضة للتدخل الأميركي في البلاد الإسلامية، وخصوصا التيارات
المتشددة المعروفة. ولا شك أن جميع هذه الفئات تتلقى التأييد والدعم من
قنواتها الخاصة المرتبطة بالخارج وبمصادرها المالية المختلفة.
يتهم موقف الشيعة بالبراغماتية... فما الفرق بين احتلال الإنجليز للعراق
العام 1917 واحتلال الأميركان العام 2003؟
- زوال النظام الدكتاتوري في العراق يعتبر مكسبا كبيرا
للشيعة الذين يشكلون الغالبية في البلاد. والشيعة باعتبارهم من أكثر
المتضررين من النظام البائد يشعرون اليوم بأن ذلك الكابوس الذي جثم على
صدورهم أكثر من 30 عاما قد زال. ولكن لا يعني ذلك قبول الاحتلال أو قراراته.
كما أن الموقف الشيعي في هذا الأمر ليس موحدا، ولكن إذا تكلمنا عن المرجعية
الدينية الشيعية فإننا نجد أنها على رغم عدم إصدار فتوى بوجوب المقاومة
المسلحة للاحتلال، فإنها لم تؤيده بصراحة، بل إن الكثير من الرموز الدينية
المرجعية أدانت بقاءه وطالبت بخروجه، غير أنها تفضل أن يتم هذا الأمر عبر
الطرق السياسية والمقاومة السلبية وليس عبر إراقة الدماء.
وأما الفرق بين الاحتلالين فإنه على رغم وجود الفوارق
فإنها ليست مهمة، فجوهر الاحتلال واحد، ولو راجعنا التاريخ لوجدنا أن
المرجعية الدينية لم تصدر فتوى مقاومة الاحتلال البريطاني إلا بعد أن استنفدت
جهودها السياسية ويئست من الاستجابة، وذلك بعد 3 سنوات من بقاء الاحتلال...
فدخول البريطانيين العراق كان في العام 1917 والإمام السيد محمد تقي الشيرازي
"قائد الثورة" أصدر فتواه الشهيرة بمقاومتهم العام .1920
ومتى ستصدر الفتوى فيعيد التاريخ نفسه؟ أجاب متبسما:
- الله أعلم...
وماذا تتمنون سماحتكم؟
- بعد "الله أعلم"، نقول اننا نرجو أن يتم خروج قوات
الاحتلال ووضع دستور وإجراء انتخابات في أسرع وقت ممكن، فالظروف الدولية
اليوم غير السابق، والوضع الإقليمي أيضا ليس في مصلحة الاحتلال، فثمة مفارقات
كثيرة بين الوضعين تبشر بالأمل وتشير إلى أن مسار اليوم مختلف عن السابق، وان
مثل هذه المواجهة الدموية لن تقع إن شاء الله.
كيف هو العراق حين تركته آخر مرة؟
- قبل شهر رمضان كنت في العراق... الوضع متوتر في
الواقع، وإلى أن يتم وضع آلية لانتخاب مجلس يمثل عامة الشعب ويضم جميع
الفعاليات السياسية في البلاد ويضع دستورا فإن هذا التوتر سيبقى مستمرا، ولكن
يمكن معالجة الوضع بأشكال أخرى أيضا.
مثلا...؟
- مثالا على ذلك إقامة مجلس تمثل فيه جميع التيارات
السياسية الفاعلة والمهمة والمرجعيات الدينية يشبه "اللويا جرغا" الأفغانية.
شخصيا... متى غادرتم العراق ومتى عدتم إليه؟
- غادرت العراق قبل 33 عاما، أي في العام .1970 ولكني
رجعت خلال هذه الفترة مرتين، وبقيت في كل مرة في العراق فترة قصيرة، ورجعت
أخيرا إلى العراق بعد سقوط النظام.
هل ثمة ذكريات من الطفولة؟
- طبعا، وهل ينسى المرء أيام الصبا ومقاعد الدراسة
وأصدقاءه القدامى؟
على مستوى العائلة... ماذا دفعتم من ضريبة ثمنا لمعارضتكم النظام؟
- ليس كبيرا بالقياس إلى ما دفعته الكثير من العوائل
العراقية، وربما يعود السبب في ذلك إلى خروجنا المبكر من العراق. ولو لم يحصل
ذلك لكانت الإبادة الكاملة في انتظارنا قطعا، كما حصل للكثير من عوائل
العلماء والمرجعيات الدينية العراقية.
غير أننا أخذنا نصيبنا من ظلم النظام وطغيانه، فالكثير
من أفراد العائلة سجنوا وعذبوا، والبعض منهم قتل واستشهد، بينما هجر أو هاجر
من تبقى منهم، ولما رجعنا إلى العراق لم نجد من آثار الماضي إلا بيتا مهدما
وصور الشهداء وقلوبا حزينة. وعلى أي حال فنحن لسنا إلا جزءا من المأساة
الكبرى التي عمت العراق والمنطقة بسبب طغيان النظام البائد، والحمد لله على
كل حال.
وماذا تبقى من صور تلك المرحلة؟
ابتسم المدرسي وقال مستشهدا بقول المتنبي: "تكسرت النصال على النصال"، وأردف
قائلا:
- إنها في الواقع قصة حياة كل عراقي، وهي قصة مأساة
طويلة... فالنظام الديكتاتوري في العراق لم يكن فقط نظاما عنصريا طائفيا
ظالما، بل كان بالإضافة إلى ذلك نظاما شاذا في طريقة ظلمه وحكمه، بل يمكن أن
نقول إنه كان نظاما لا معقولا. لم يكن له أي مبرر للبقاء، إلا أن التأييد
الذي كان يحصل عليه سابقا محليا ودوليا والذي شارك في إقامته منع من سقوطه،
وإلا كان يجب أن يزول هذا النظام منذ زمن بعيد.
هل في النفس العراقية شيء من عتاب؟
- أعتقد أن من حق الشعب العراقي أن يعتب على كل الذين
ساهموا في بقاء وتقوية النظام السابق أو سكتوا عن جرائمه، جهلا أو تجاهلا، أو
لأي سبب آخر. فقد واجهنا مأساتنا في ظل النظام البائد تقريبا لوحدنا، وبينما
كان العالم كله يصفق للطاغية وأعوانه كان مئات الألوف من العراقيين الشرفاء
يرزحون في السجون الرهيبة في الداخل، أو يواجهون الموت الجماعي من دون أن
يكون لهم أي نصير. فتلك هي المقابر الجماعية شاهدة على تلك الحقبة المظلمة من
تاريخ العراق الحديث، والتي لا نظير لها في تاريخ المنطقة ولا في تاريخ
العالم، ولا أعتقد أن هناك شعبا آخر تعرض للتقتيل بهذه الطريقة المنظمة
وابتلي علماؤه وشرفاؤه بهذه الطريقة ودفنوا في مقابر جماعية... ولايزال
الكثير من جرائم النظام مخفيا ومجهولا، ونرجو أن يتم الكشف عنها وفضحها لدى
قيام نظام وطني منتخب.
كلمة أخيرة باعتبارك عراقيا...
- إنني أدعو كل المسلمين في العالم وأبناء المنطقة
بالذات إلى تفهم مأساة الشعب العراقي والمساعدة على عودة الحياة الطبيعية إلى
العراق وذلك بقيام نظام عادل يبسط الأمن على ربوع العراق وينظم حياة الناس،
ذلك أن المسلمين جميعا مسئولون بعضهم عن بعض، وخصوصا في هذه المرحلة يجب أن
تتجه الجهود إلى تضميد جروح الشعب العراقي ومساعدته في القيام والنهوض
بالبلاد وعودة الحياة الطبيعية. وأرجو أن يكف المزايدون على هذا الشعب الأبي
الصابر الممتحن والمبتلى منذ أكثر من ثلاثين عاما، ونرجو أن يكف هؤلاء عن
المزايدة على وطنيته وإسلاميته وشجاعته وحرصه على استقلاله ومصالحه. فالعراق
خيره يعم وشره يعم، وأرجو أن نكون قد دخلنا إلى مرحلة "خير العراق" بعد أن
عشنا طويلا في مرحلة "شر العراق"