في الحقيقة، إنها قد تحوَّلت إلى مدرسة من خلال
الإنتاجات الثقافية التي كانت تُطرح باستمرار على مدار أربعين أو خمسين سنةً،
والتي أعطت الكثير من الجوانب العلمية والاجتماعية والسياسية والحركية
والنفسية والاقتصادية هذا من جانب، ومن جانبٍ ثانٍ: المشاريع الاجتماعية
والحركية التي تولّدت في ضمن هذه المدرسة الطويلة التي دامت أربعين سنةً، ومن
جانبٍ ثالثٍ: الكم الهائل من العناصر التي تطلع به هذه المدرسة، من العلماء
والمفكرين والمثقفين والحركيين، ومن جانبٍ رابعٍ: التجارب التي استمرت على
مدى أربعين سنةً، من تجارب ثقافية واجتماعية وسياسية وحركية، كل ذلك على مدى
أربعين سنةً تمخّض عن رؤية، وهذه الرؤية عبارةٌ عن مجموعة ثوابت، تجذّرت في
نفوس أصحاب هذه المدرسة، وسائر امتداداتها، وهذه الرؤية هي -في الحقيقة-
مدرسة.
المدرسة تعني وجود مجموعة من الرؤى التي طُبِّقت
على أرض الواقع، فأصبحت ثوابت يمكن الإتكاء والإعتماد عليها في إعطاء آراء
ونظرياتٍ في العديد من المواقف المتجدِّدة، فإذا وصلت أي تجربةٍ إلى هذه
المرحلة فإنها تُشكِّل مدرسةً، وإذا أصبحت مدرسة، لا يمكن التنازل عنها بين
عشيّةٍ وضحاها، وإنما تحوُّلها إلى مدرسة يُشكِّل مبرراً واضحاً للتمسّك بها.
العنصر الثاني:
هذه التجربة نقلتْنا من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ
مغايرةٍ، فالمشاريع الجدّية في الحياة الثقافية والاجتماعية تُعرف من آثارها،
فقد يأتي مشروع ويطول زمناً، ولكن لا يُحدث آثاراً استراتيجيةً ونوعيةً في
الحياة الثقافية والاجتماعية لأنه ليس مدرسة، ولكن هناك مشاريع حينما تأتي
تُحدث آثاراً جذريةً وكأنها تحفر في الصخر، هذه الآثار تعني الانتقال من
مرحلةٍ إلى أخرى.
فالمرحلة التي سبقت الطرح الشيرازي كانت تتميز
ببدائيةٍ ثقافيةٍ على المستوى الاجتماعي، فلم يكن هناك مشروعٌ سياسي، وكانت
الحالة متسمةً بالفردية، ولم يكن هناك عملٌ جمعيٌّ أبداً، ولكن حينما جاء هذا
الطرح نقلنا من تلك المرحلة إلى مرحلةٍ أخرى، فالبدائية الثقافية تحوّلت بفعل
هذا الطرح إلى ثقافةٍ واعية، والحالة الفردية الموجودة في ساحة العمل
الإسلامي تحوّلت إلى حالةٍ منظَّمةٍ مرتَّبةٍ، والافتقار إلى مشروعٍ سياسيٍ
على مستوى الساحة الشيعية -إذ لم يكن على مستوى الساحة الشيعية مشروعٌ
سياسيٌّ مبلورٌ- بمجيء هذا الطرح أُوجِد هذا الأُفق عند كل المصلحين
المرتبطين بهذا التيار، فتكوّنت مشاريع سياسية متعددة على مستوى الساحة
الإسلامية، فانتقلنا من مرحلةٍ إلى مرحلة.
وإذِ انتقلنا من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، لا يمكن لنا
اليوم أن نعود خاليي الوفاض، فنقول: ينبغي أن نبدأ من الصفر، وما دمنا قد
وصلنا إلى مرحلةٍ جديدةٍ لا يمكن أن نعود إلى المرحلة السابقة، وإنما لا بدّ
لنا أن نواصل من حيث انتهينا، ولا يتأتي لنا ذلك، من غير هذا التراكم الطويل،
الذي استمر أربعين سنةً.
أتساءل، هل يمكن لي أن أبدأ مشواري من الألف؟ أين
ذهبت أربعون سنةً من تأسيس وتشييد هذه المدرسة؟! وهل يمكن لي أن أبدأ من حيث
انتهيتُ، من غير الإتكاء على أعمدة هذه المدرسة؟!! بكل تأكيد، لايمكن لي ذلك
أبداً، وإنما لابدّ لي أن أتكئ على أعمدة هذه المدرسة؛ لأواصل العطاء
والتطوّر على متنها، إذ لا يمكن أن ندير ظهورنا لكل هذا التاريخ.
العنصر الثالث:
هذه التجربة لم تكتمل بعد، فلا يمكن لنا أن
نندير لها ظهورنا، وهي لم تكتمل فصولها! بل، ما زالت في طي التطور، وما زالت
في طي العطاء.
ولو أن المدرسة تنتهي بموت صاحبها، لكان ذلك أكبر
دليلٍ على فشلها، فهذه المدرسة الشيرازية، لو انتهت برحيل الإمام الشيرازي
-رحمة الله عليه- لكان ذلك أكبر دليل على أن هذه التجربة فاشلةٌ مائة بالمائة،
ولكن هذه التجربة لا يمكن أن تنتهي بنهاية صاحبها، وهي لم تكتمل بعد، فكيف
تنتهي إذن؟! إذ ما زال هناك العديد من المحطات التي ينبغي حرقها، حتى ننظر في
نهاية هذه التجربة، هل هي تجربةٌ دقيقةٌ أم لا؟
هذه عناصر ثلاثة تدعونا باستمرار للتوقف عند هذه
المدرسة، ودراستها وإحيائها وقراءتها بشكلٍ مفصّلٍ، بل والإصرار عليها،
بصفتها مدرسةً متعددة الأبعاد، لا بصفتها نظرياتٍ طائشةٍ.
|
*كيف
نتعامل مع هذه المدرسة أو هذه التجربة؟ |
**لا شكَّ، نحن لن نتعامل معها بتقليدٍ أعمى، وإصرارنا
على التمسك بها لا يعني نوعاً من التعصّب، ولا يعني نوعاً من العزلة
والإنكفاء على الذات، وإنما سنتعامل معها بنضجٍ، ورشدٍ يتكئ على العناصر
الثلاثة التي ذكرناها آنفاً، ولذلك نحن ندعو إلى التجديد فيها، وتطويرها،
ومراجعة أمهات القيم فيها، وليس فقط السطوح.
وقد يسأل سائل، إن لم تفشل هذه التجربة، فما الدليل
على عدم فشلها؟!
إذ قد يقول قائلٌ إن هذا محض إدعاء، فما هي علائم نجاح
هذه المدرسة؟! فالإدعاء بسيط.
قد أقول بأني ناجحٌ، ولكن ما هو الدليل على نجاحي؟ فقد
أرى نفسي ناجحاً، ولكن إذا لم يكن لديَّ دلائلٌ على ذلك، لم يُفدني هذا
الإدعاء في شيء، وفي الحقيقة، الدلائل على نجاح هذه المدرسة، كالدلائل على
نجاح أي مدرسةٍ في التاريخ، أو في الحاضر، أو في المستقبل.
وتتمثَّل في أمورٍ عديدةٍ، أُشير إلى بعضها
إشارةً سريعةً:
أولاً: إن هذه المدرسة صنعت تياراً عريضاً على
مستوى الساحة الإسلامية، وبالتالي هي ليست بالتجربة الضعيفة المتقلّصة، أو
المحدودة التأثير، وإنما هي مدرسة لها شُعَبٌ وآثارٌ، ويكفي الإنسان النظر
إلى امتدادتها على مستوى الساحة الإسلامية، على مستوى الخليج، وغيره.
ثانياً: المكاسب التي أحرزتها هذه المدرسة، وهي
عديدةٌ، على المستوى الثقافي والاجتماعي، وأيُّ مُنصِفٍ بإمكانه أن يتأمّل في
مكاسب هذه المدرسة، ويُكبرها.
ثالثاً: قدرتها على البقاء رغم التحديات
الاجتماعية والسياسية المعاكسة، فالإنسان إذا كانت الظروف مؤاتيةً له ويبقى،
فهذا ليس دليلاً على نجاحه، كالإبن الذي يُهيئ له والده البيت والسيارة
والأموال، ويتوسط له في كل مكانٍ، وبالتالي يصبح شخصيةً تمتلك أموالاً، فهذا
ليس دليلاً على نجاحه، لأن أباه وفّر له كل شيءٍ يحتاجه، أما أن يأتي إنسانٌ،
لا أبَ له، ولا أقاربَ، وكأنما يخرج من فراغ، فيبدأ من الصفر، وكل الظروف
المحيطة تضغط عليه وتعاكسه، سواءٌ الظروف السياسية أو الإجتماعية أو
الاقتصادية، وكل هذه الظروف دائمةٌ لا تنقطع، إذ إنها غير مؤقتة، فإذا استطاع
هذا الإنسان البقاء ، فإن ذلك يمثِّل دليلاً كبيراً على أنه حقّق نجاحاً
قوياً جداً في الساحة، إذ لولم يكن ناجحاً، لما استطاع أن يتجاوز هذه
التحديات أبداً.
رابعاً: وهو ما أشرتُ إليه، من أن هذه التجربة شكَّلت
مدرسةً يعتزُّ بها أبناؤها، ولا يستنكفون منها.
خامساً: عدم وجود رغبةٍ للتراجع رغم التفرعات الكثيرة
في متن هذه المدرسة، إذ لا يخفى على أحدٍ بأن هذه المدرسة مرَّت بمحطاتٍ
كثيرةٍ، أحدثت في داخلها تعددات، ولا أقول شروخ.
فعلى المستوى السياسي، مرَّت بمنعطفات كثيرةٍ أحدثت في
داخلها تعددات، وعلى المستوى الثقافي أيضاً مرَّت بمنعطفاتٍ كثيرةٍ أحدثت في
داخلها تعددات، وأخيراً على مستوى الإنتماء المرجعي أيضاً، وهذه منعطفات
متعددة، وهذه المنعطفات إذا مرَّت بإنسانٍ فاشلٍ فإنها تقضي عليه، أو
تقلِّصه، وتحوِّله إلى عدمٍ، أو إلى أطلال وتاريخ.
لكن هذه المدرسة الشيرازية، وبالرغم من هذه
المنعطفات، وبالرغم من هذه التعددات، إلا أنك لا تجد من يرغب في التخلي عنها
كرؤية، وأقول ذلك جازماً.
أُدخلْ في حوارٍ مع سائر التعددات، هل سترى في هذه
المدرسة من يستنكف من أصل الطرح؟! أو هل هناك من يرى بأن هذا الطرح فاشلٌ
ويجب التخلي عنه؟! أو أن هذا الطرح لم يحقق شيئاً؟!! أو هناك من يرى أنه
ينبغي التخلّص منه؟!! أم أنك سترى من يقول بأن هذه المدرسة يجب أن تبقى
ماثلةً، وينبغي أن تبقى متجذرةً ؟
|
هذه الأمور هي أكبر دليلٍ على نجاح هذه المدرسة، وإلا هذه المنعطفات،
وهذه التعددات، وهذه الضغوط المستمرة على المستوى السياسي والاجتماعي،
كانت كفيلةً بأن تُذيب هذه المدرسة، ولا تُبقِي لها أثراً، ولكنها بقيتْ
ثابتةً، وقويةً، رغم كل ذلك، فهل هناك دليل على
نجاح هذه المدرسة، أبرز من هذا الدليل؟ |
في ظني، لا يوجد.
|
*كيف إذن، نحافظ على هذه المدرسة؟ ونبقيها حيّةً تتصاعد وتنمو، وتتطوّر،
وتستوعب أكثر، وتُؤتي أُكُلاً أبلغ؟ |
**في الحقيقة إن الملاحظات هنا كثيرةً، وسأكتفي
بالإشارة إلى مسألتين فقط:
1-بلورة وتقنين النظريات العلمية لهذه المدرسة في
البحوث العلمية الأكاديمية؛ وذلك حتى تتحوَّل هذه المدرسة إلى نظرياتٍ علميةٍ
رصينة، وأعني بذلك، أن العلماء والمثقفين والمفكِّرين المنتمين لهذه المدرسة
ينبغي أن يتحمَّلوا مسؤوليةً خطيرةً ومهمةً، وهي أن هذه المدرسة لها نظرياتٌ
دقيقةٌ على المستوى الفقهي، وعلى المستوى الأصولي، وعلى المستوى الاجتماعي،
وعلى المستوى الثقافي، وعلى المستوى الاقتصادي.
ولنأخذ مثالاً على المستوى الفقهي، إذ كيف نحافظ على
هذه المدرسة فيما يرتبط بالمستوى الفقهي؟
لا يمكن أن تبقى هذه المدرسة على المستوى الفقهي
بمجرد أن نقول: بأن هذه المدرسة أو هذا الإمام -رحمة الله عليه- كانت له
نظرياتٌ تطوّرية في الإطار الفقهي، هذا لا يكفي!! وإنما ينبغي أن نقوم بعملٍ
إستراتيجيٍّ ومركزيٍّ، وهو ليس من مسؤولية عامة الناس، بل هو من مسؤولية
العلماء والمفكرين والمثقفين، بأن يأتوا إلى هذه النظريات، ويقحموها في أصل
البحوث الأكاديمية، لتكون هذه النظرياتٍ محلاً للنقاش، ومن خلالها تُناقش
النظريات القائمة، لتدخل كنظريات فعليةٍ في الوسط الأكاديمي، وإلا
ستموت.
فمثلاً، إلى الآن نحن نقول: بأن المحقق النائيني
-رحمة الله عليه- صاحب مدرسة أصولية، وإلى الآن أيضاً نقول، بأن المحقق
الأصفهاني -رحمة الله عليه- صاحب مدرسةٍ أصولية.
لماذا؟!
ما الذي
صنعه المحقق الأصفهاني؟ وأهم نتاجاته كتابٌ واحد! وهو كتاب (نهاية الدراية)
حاشيةٌ وتعليق على كتاب (كفاية الأصول) لأستاذه الآخوند الخرساني -رحمة الله
عليه- ؟ ما الذي جرى؟!
يقال بأن تلاميذه -والذين كانوا قلةً-
(1) هم الذي أقحموا نظريات أستاذهم المحقق الأصفهاني
في البحث الأصولي، إذ كان التلميذ منهم يأتي إلى النظرية القائمة للشيخ
الأنصاري، ويقول بأن هناك نظريةً توازيها للآخوند، ونظريةٌ تُناقشها للمحقق
الأصفهاني، وهذا التلميذ بطبيعة الحال حينما بحثها، لم يبحثها بشكلٍ بسيط،
وإنما بحثها بشكلٍ علميٍّ، بحيث أقنع الطرف المقابل بها، فصارت تتمدد هذه
النظرية في البحوث الأصولية، وعلى أثرها أصبح المحقق الأصفهاني صاحب مدرسةٍ
أصولية.
ومن الأسماء التي في أوساطنا، والتي كنتُ أُكبرها
كثيراً، وفي أكثر من محفلٍ ذكرتها، والتي ساهمت مساهمة رائعةً في هذا الإطار،
أستاذنا الجليل حجة الإسلام والمسلمين العلامة الشيخ عبد اللطيف الشبيب -رحمة
الله عليه-، وللإنصاف أقولها، هو ممن أبلوا بلاءً حسناً جداً في بلورة
النظريات الفقهية والأصولية للإمام الشيرازي -رحمة الله عليه-، وقد حضرت درسه
فترةً، وقد كان شيئاً ملفتاً في الحقيقة، وعند بعض أساتذته شهدت له بذلك، إذ
كان يأتي ويعرض نظريات الأعاظم في الفقه أو الأصول، كنظرية الشيخ الطوسي، أو
الحكيم، أو الخوئي، أو النراقي، وهؤلاء من أعمدة الفقه -رحمهم الله جميعاً-،
وفي ذات الوقت، يأتي بنظرية الإمام الشيرازي-رحمة الله عليه- في الفقه،
والقريبة منها في ذاك المبحث، ويبلورها بلورةً علميةً قويةً، بحيث يُشعرك،
بأن هذه النظرية لا تقلُّ أبداً عن سائر النظريات الأخرى لأولئك الأعلام.
وحينما يتكرر ذلك من أكثر من تلميذٍ، فإن ذلك يؤدي
إلى جعل هذه النظريات ثوابت قائمةً لا تُنسَى.
2-ومما يحافظ على هذه المدرسة أيضاً، تصليب القدرات
العلمية للعلماء والمثقفين المنتسبين لهذه المدرسة، وتوسيع مناطق نفوذهم
وتأثيرهم، فقد يكون الإمام الشيرازي -رحمة الله عليه- إماماً واسع المعرفة،
واسع التجارب، ولكن، إذا كانت النخبة، والامتدادات التي تربّت على يده
ضعافاً، فستضيع هذه المدرسة وتنتهي.
فمما يُشعل نار هذه المدرسة، ويجعلها رؤىً قويةً
تُقنِع سائر الأطراف بجدوائيتها ومصداقيتها، هو أن تعمل امتدادات هذه المدرسة
من العلماء والمفكّرين والمثقفين على تصليب قدراتهم العلمية بحيث يصبحون
أوتاداً قويةً في الساحة،وهؤلاء هم -الذين ينبغي إذا وصلوا إلى هذه الدرجة-
أن يعتمدوا هذه النظريات، ويطرحونها في البحث الأكاديمي، ومع مرور الزمن،
تصبح نظريات هذه المدرسة الشيرازية نظرياتٍ عملاقة.
وهنا أُمثِّل بمثالٍ واقعيٍّ لمستُه بشكلٍ عمليٍّ، ما
الذي جعل الشهيد الصدر -رحمة الله عليه- إلى اليوم صاحب مدرسةٍ أصوليةٍ
راقيةٍ في الوسط الحوزوي؟ وليس في وسط عامة الناس، أو في وسط المثقفين، وإنما
في الوسط الحوزوي، وهذا مثالٌ إيجابيٌّ ينبغي أن نُعجب به جداً.
نكتةٌ مهمةٌ ينبغي لنا اليوم أن نحملها على عواتقنا
وفاءً لهذه المدرسة، لا تعصباً، فما حصل لمدرسة الشهيد الصدر -رحمة الله
عليه- أن مجموعة من العلماء، من أعمدة هذه المدرسة، الذين أصبحوا إراداتٍ
علميةً مقبولةً في الساحة، أقحموا نظريات الشهيد الصدر الأصولية في البحث
الأكاديمي، وإلى اليوم، الحوزة العلمية العربية في (قم المقدسة) لا يغيب فيها
القناعات الفقهية والأصولية للشهيد الصدر، وكأن الشهيد الصدر لم يمت، وهذه
إيجابيةٌ، ونقطةٌ مهمةٌ، وتجربةٌ رائدةٌ في الحقيقة، فالتلاميذ الأساسيون
والذين يشكّلون المحاور الأساسية للحوزة العلمية العربية اليوم، أغلبهم من
تلاميذ الشهيد الصدر، فهؤلاء جاؤوا بأمهات نظريات الشهيد الصدر في دروسه في
علم الأصول، وعلم الفقه، وليس كلها، والتي منها على سبيل المثال (نظرية حساب
الاحتمالات)، هذه النظرية من أمهات النظريات الموجودة عند الشهيد الصدر -رحمة
الله عليه-، ومن أهم إبداعاته، جاء بها هؤلاء التلاميذ وأقحموها في البحث
الأصولي في مبحث الظن مرةً ومرتين، وعند هذا التلميذ وذاك، وفي هذا الدرس
وذاك الدرس، وسنةً وسنتين، بل وعشرين سنةً، واليوم دخلت نظريات الشهيد الصدر
-رحمة الله عليه- كنظريات أساسية في الساحة الحوزوية، لذا نحن اليوم نقول إن
الشهيد الصدر صاحب مدرسة أصولية.
هاتان مسألتان مهمتان.
|
*لو سلّمنا بعناصر القوة التي ذكرت بأن المدرسة
الشيرازية قد تميّزت بها، وجعلتنا نُعجب بها؛ بحيث أصبحنا ننظر إليها نظرة
إعجابٍ وإكبار، لكن في المقابل، أليس الأجدى لنا -نحن أبناء هذه المدرسة- أن
ننظر للمستقبل بآفاقٍ أوسع، ورؤيةٍ أرحب؛ وذلك بأن نبحث لنا مما هو موجود
حالياً على الساحة الإسلامية من مدراس قد توازي هذه المدرسة، أو ربما تتفوق
عليها، فنتبناها، ونعمل بنظرياتها؟ |
**حسناً هذا سؤالٌ في محله، ودقيقٌ أيضاً إن كان
هناك مدارس أخرى في الساحة، ولا شك أن هناك مدارس عملاقة، من أمثال مدرسة
الإمام الخوئي -رحمة الله عليه- الذي أرسى دعائم مدرسة علمية راقية، والإمام
الخميني -رحمة الله عليه- الذي أرسى دعائم مدرسة سياسية رائعة في الساحة
الشيعية، والشهيد الصدر -رحمة الله عليه- الذي أرسى دعائم مدرسة فلسفية
وأصولية رائعة، فهذه مدارس قائمة، فلماذا -نحن- نتوقف عند هذه المدرسة؟
ولماذا لا نلتحق بمدارس أخرى أكثر جدوائيةً؟ هذا سؤالٌ محوريٌّ ودقيقٌ،
والجواب عليه كالتالي:
أولاً: فيما هو قائمٌ اليوم لا توجد هناك مدرسة
-وأنا أتبنّى ذلك- إذ بعدُ لم تتشكّل مدارس جديدةٌ، وإنما عندنا مدرسة علمية
مركَّزة للإمام الخوئي -رحمة الله عليه- وزعيمها رحل، وهي مدرسة علمية وليست
اجتماعية ثقافية، وعندنا مدرسة سياسية للإمام الخميني -رحمة الله عليه-، ولكن
زعيمها رحل، وهي مدرسة سياسية، وليست اجتماعية ثقافية، وعندنا مدرسة فلسفية
أصولية لزعيم رحل وهو الشهيد الصدر -رحمة الله عليه.
قليلةٌ هي التجارب الثقافية الاجتماعية، ولهذا نحن
في الإطار العلمي متشعبون، ولا يمكننا في هذا الإطار أن نعتمد على مدرسةٍ
واحدة فقط؛ لأن باب الإجتهاد مفتوح، ولكن الكلام هو أننا نحتاج إلى مدرسةٍ
ثقافيةٍ اجتماعيةٍ مغايرةٍ، نقتنع بأنها أرقى من هذه المدرسة، حتى نسير في
ركبها، وأنا ذكرتُ منذ البداية بأن هذه المدرسة تمخضّت عن تجربةٍ ثقافيةٍ
اجتماعيةٍ، لا عن مدرسة علميةٍ، أو سياسيةٍ، لأن المدرسة السياسية تحتاج إلى
تجربة، وبعدُ لم تُوفّق هذه المدرسة إلى إحراز تجربةٍ كالتجربة التي وُفِّق
إليها الإمام الخميني -رحمة الله عليه-، ولهذا لا يمكن أن نقول: إن هناك
مدرسةً سياسيةً، وإنما هناك رؤىً ونظريات موجودةٌ وقائمة، ولكن النظريات حتى
تتحوّل إلى مدرسة تحتاج إلى تجارب، والإمام الخميني -رحمة الله عليه- كانت
لديه نظريات سياسية، وتحولت إلى مدرسة؛ لإنه طبّق نظرياته في الواقع الخارجي،
فأصبحت مدرسةً، أما الإمام الشيرازي -رحمة الله عليه- فلديه نظريات متكاملة،
في الإطار السياسي، ولكنه لم يحظَ بتجربةٍ عمليةٍ وواقعيةٍ يُطبِّق عليها تلك
الرؤى والنظريات؛ لتتحوّل آراؤه السياسية إلى مدرسة، أما نظرياته ورؤاه
الاجتماعية فقد طبّقها على أرض الواقع، من خلال العديد من المشاريع الثقافية
والاجتماعية والحركية، وما إلى ذلك، ونظرياته الثقافية طبّقها على أرض
الواقع؛ لذلك على هذا المدى الطويل تحوّلت إلى مدرسة.
أنا في ظني، إلى الآن قلائل هي المدارس الثقافية
والاجتماعية التي يمكن أن تتفوّق على هذه المدرسة، وفي ظني أيضاً، هذه
المدرسة موازيةٌ لسائر المدارس الأخرى في إطارها الثقافي والاجتماعي، ويمكن
أن تتفوّق عليها في شيء، ويمكن أن تتفوّق عليها غيرها في شيء، ولكن كنظرية،
ما زالت نظريةً ناجحةً وموازيةً لسائر النظريات؛ ولذلك نُصرُّ عليها، ولأنها
لم تكتمل، فلماذا انتقل إلى مدرسةٍ أخرى وهي بعدُ لم تكتمل، لا بدّ أن
نكمِّلها، حتى إذا أكملناها، واتضح قصورها، طبيعياً سنكوِّن لنا مدرسةً
مغايرةً.
|
*ألا يعني هذا الإكمال الذي تطمح إليه هو أن ننتقل إلى تجربةٍ متقدمةٍ
علينا أكثر؟ |
**قلتُ: أين هي التجربة المتقدمة علينا أكثر؟ أنا أقول
إلى الآن -في الوسط المعاصر- لم تنشأ بعدُ مدرسةٌ، لعلها آراء ونظريات وتجارب
ما زالت في المخاض، بعدُ لم تتولّد عنها مدارس قائمة فعلية، يمكن أن تُشكِّل
مدارس أكثر تطوراً، فإذا وُجِدت، فلكل حادثٍ حديث، وأنا أتكلَّم على الإطار
الثقافي والاجتماعي.
|
*ذكرتم في حديثكم، بأن المدرسة الشيرازية تميزت في بعديها الثقافي
والاجتماعي، هل نفهم من ذلك بأن المدرسة الشيرازية لم تتميز في بُعدها
الفقهي والعلمي مثلاً؟ |