
لأميركيون قدموا الذرائع للإرهابيين
ليس من حق أحد أن يجبر العراقيين على
إختيار طريقة ما ، تحت حد السيف وبالقتل والتدمير ونشر الرعب والخوف
للمسلحين هدف واحد فقط لا غير ، ألا وهو
عرقلة تقدم العملية السياسية برمتها في العراق الجديد .
إنهم يحاولون الفصل بين الوطن الذي يبنى
اليوم من جديد ، والمواطن الذي يسعى للمشاركة في بناء هذا الوطن الذي لا زال
ينزف دما منذ قرابة نصف قرن .
المسلحون لا يمتلكون مشروعا للتحرير أو خطة
وطنية لمقاومة الاحتلال .
ما زاد في الطين بلة ، عندما اكتشف العراقيون
بأن من يدعي أنه جاء الى عاصمتهم لتحريرهم من الاستبداد والديكتاتورية ، ومن
ثم مساعدتهم على بناء نظام ديمقراطي جديد ، ينعم فيه المواطن بخيرات بلاده ،
إن هذا المحرر، سرق قوتهم وفرص العمل ونفطهم والأموال التي قدمها له المانحون
إن الذرائع التي قدمها الأميركيون على طبق من
ذهب ، مكنت الارهابيين من توظيف الظروف الملائمة التي صنعتها لهم هذه الذرائع
، لتعبئة المغفلين ممن غسل المسلحون أدمغتهم ، كما ساعدتهم على تحقيق نجاحات
هنا وهناك ، ما كان باستطاعتهم أن يحققوا شيئا منها ، لو كان الأميركيون قد
تعاملوا بعقل وحكمة كبيرين .
لقد اتفق العراقيون على تسمية ما شهده العراق
في التاسع من نيسان من العام الماضي ، بالاحتلال ، فهذا هو الواقع ، وهي
الحقيقة ، إلا أنهم ، في نفس الوقت إختلفوا في طريقة التعامل مع الاحتلال ،
وكيفية إنهائه وتحرير البلاد من ربقته وتداعياته .
بينما رأى بعض العراقيين أن الكفاح السياسي
هو الطريق الأسلم والأسلوب الأفضل لانهاء الاحتلال ، لازالت هناك فرصة لتبني
هذا الخيار ، إستعجل آخرون وحملوا السلاح معلنين عن خيارهم المسلح كأسلوب
لمقاومة المحتل ، وبمرور الزمن إنزلق المستعجلون في طريق العنف الذي إنتهى
بهم الى ممارسة الارهاب والقتل العشوائي للمواطنين الأبرياء ، والسبب في ذلك
برأيي ، هو أنهم لم يكونوا سليمين في نواياهم ، وأنهم لم يحسبوا الأمور
بمقياس وطني صحيح وسليم ، وإنما كانت منطلقاتهم ضيقة ومريضة ، إما قومية
عنصرية أو طائفية مقيتة أو مصلحية أنانية .
أن أي تأجيل لموعد الانتخابات ، سيؤلب الشارع
العراقي على أميركا ، في الوقت الذي تبذل فيه جهدها لتهدئة المناطق الساخنة ،
وهي تعرف قبل غيرها أن التأجيل يعني ، أولا وأخيرا ، إنتصار مجموعات العنف
والارهاب ، التي يهمها جدا أن تتعرقل العملية السياسية برمتها .
إن ما يهم واشنطن في هذه المرحلة على وجه
التحديد ، هو أن لا تنتج عن الانتخابات العامة القادمة ، مفاجآت غير محسوبة
تطيح ، مثلا ، بأصدقائها وتأتي بمن لا ترغب برؤيتهم على المسرح السياسي ،
ولذلك فهي الآن تبذل جهودها لأنتاج مجلس وطني لا يختلف كثيرا بتركيبته عن
تركيبة الحكومة الحالية مثلا ، لا من ناحية النوع ولا من ناحية الكيف.
إن مشاركة المواطن العراقي في العملية
الانتخابية القادمة ، حق طبيعي ، يرقى في هذه الظروف إلى الواجب ، وإن مكان
تواجد المواطن العراقي لا يسقط هذا الحق بأي شكل من الأشكال ، فالمشاركة حق
له كمواطن ، بغض النظر عن محل إقامته ، إذ لا يجوز التذرع بمثل هذه الحجج
لاسقاط حقه ، أو الحيلولة دون ممارسته لهذا الحق .
لقد عاد الكثير من العراقيين إلى وطنهم بعد
زوال النظام الشمولي البائد ، وهم مشغولون ، بحمد الله ، في إعادة بناء
العراق ، كل حسب كفاءته وقدراته وخبراته وقابلياته ، فيما عاد الكثير منهم
ليعيشوا حياتهم على الأرض التي ولدوا وتربوا وترعرعوا بها وعليها ، بعد أن
أجبروا على تركها قسرا وبالاكراه .
ليس في العراق طائفية دينية ، وإنما هناك
طائفية سياسية ، توارثتها الأنظمة والحكومات بتعاقب الزمن .
ما يجري اليوم في العراق ، هو أن ثلة من
الطائفيين والعنصريين ، لا يريدون أن يقتنعوا بأن زمن الطائفية السياسية قد
ولى وانتهى ، ولذلك فهم يحاولون بكل الطرق إعادة عقارب الزمن إلى الوراء ،
وهذا أمر مستحيل ، لأنه ليس في مصلحة العراقيين ، كما أنه لا يخدم أمن
واستقرار المنطقة والعالم أبدا .
عن الانتخابات العامة المزمع إجراؤها في
العراق بداية العام القادم ، وهدف المسلحين الذين يواصلون أعمالهم الارهابية
في عدد من مناطق العراق ، والدور الذي يجب أن يضطلع به العراقيون في بلاد
الهجرة ، في عملية إعادة بناء بلدهم ، أجرى الاستاذ محمد عبد الله الاسلمي من
العاصمة السعودية الرياض ، حوارا صحفيا لجريدتي الوطن السعودية والسياسة
الكويتية، مع نــــزار حيدر ، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن .
أدناه نص الحوار:
السؤال الأول ؛ـ
برأيك ، ماذا يريد المسلحون ، بالضبط ، بعد زيادة
عملياتهم العسكرية ؟ .
الجواب ؛ـ
للمسلحين هدف واحد فقط لا غير ، ألا وهوعرقلة تقدم
العملية السياسية برمتها في العراق الجديد .
وإذا أخذنا بنظرالاعتبار، الحقيقة التي تقول بأن
ضحاياهم من المواطنين الأبرياء العزل ، بمن فيهم النساء والأطفال ، لتأكدنا
من أنهم يحاولون إرهاب الناس وإرعابهم حتى لا يفكروا بالوقوف ، يوما ما ،
أمام صندوق الاقتراع للمشاركة في بناء العراق الجديد ، فهم يحاولون الفصل بين
الوطن الذي يبنى اليوم من جديد ، والمواطن الذي يسعى للمشاركة في بناء هذا
الوطن الذي لا زال ينزف دما منذ قرابة نصف قرن .
إنهم يوحون للمغفلين والسذج من الناس زخرف القول ،
عندما يعتبرون ، مثلا ، أن مشاركة المواطن بالانتخابات ، هو دعم للاحتلال ،
أو أن إجبار بعض المناطق على عدم المشاركة في الانتخابات ، أو مقاطعتها ،
يعني التهديد بتقسيم العراق ، كما أوحوا من قبل إلى أن تطوع المواطن في صفوف
القوات المسلحة الجديدة ، من الحرس الوطني أو الشرطة أو حرس الحدود ، يساهم
في إستمرار الاحتلال .
إن مثل هذا النوع من التفكير ، دليل قاطع وواضح على أن
المسلحين لا يمتلكون مشروعا للتحرير أو خطة وطنية لمقاومة الاحتلال ، وإنهم
لا يحملون في رؤوسهم إلا موالا واحدا ، ألا وهو بذل كل الجهد لتدمير الحلم
العراقي الجديد ، فبالقتل يريدون عرقلة تقدم العملية السياسية ، وبسياسة زرع
الموت و ذبح الأطفال ، يريدون إرعاب الناس وإرهابهم ، حتى لا يفكروا
بالمشاركة في الحياة السياسية وبالتالي ، إفشال مهمة الحكومة الانتقالية
المؤقتة ، التي تشكلت على أساس أنها مسؤولة عن تصريف الأعمال الى جانب سعيها
الحثيث لاجراء الانتخابات وتسليم السلطة إلى من سينتخبه العراقيون .
السؤال الثاني ؛ـ
هل ترى أن القوات الأميركية أكثر جرما منهم ؟.
الجواب ؛ـ
ليس السؤال عمن هو أكثر إجراما من الآخر ، فضحايا كلا
الطرفين ، وللأسف الشديد ، هم العراقيون الأبرياء ، وياليتهما تقابلا وتقاتلا
وجها لوجه ، ليسلم من بينهما المواطن العراقي الأعزل المشغول بنفسه وأهله ،
باحثا عن الأمن المفقود ولقمة العيش المضمخة بالدم والعمل الضائع في زحمة
موجة العنف والارهاب .
يدعي المسلحون بأنهم يقاومون الاحتلال ، إلا أن الضحية
دائما وأبدا ، هو المواطن العراقي ، فأية مقاومة هذه التي تعلن مسؤوليتها عن
قتل الأطفال والنساء ؟ وأية مقاومة تلك التي تخطئ أهدافها باستمرار فلا تصيب
إلا المواطن الأعزل ؟ هذا إذا افترضنا جدلا بأنها لا تستهدف الأبرياء مع سبق
الاصرار.
القوات الأميركية من جانبها ، تورطت كذلك بدماء
الأبرياء ، ففي كل مرة تشن فيها هجوما على المسلحين في منطقة من مناطق العراق
المضطربة ، يكون عدد الضحايا من الأبرياء أضعاف ما يقتل من المسلحين ، فأية
قوات تحرير هذه التي تصيب بنيرانها الأبرياء والعزل ، وهي تستهدف المسلحين
كما تقول ؟.
لقد قدم الأميركيون الذرائع للارهابيين والمسلحين ، بل
، وحتى لمن إختار السلاح كوسيلة لمقاومة الاحتلال .
إنهم قدموا لهم الذرائع عندما شرعنوا الاحتلال في قرار
دولي صدر عن مجلس الأمن الدولي بعيد سقوط النظام الشمولي البائد مباشرة ، ثم
قدموا الذرائع ، عندما حلوا الجيش العراقي ورفضوا صرف رواتب المنتسبين اليه
وإلى بقية مؤسسات الدولة التي إنهارت .
وقدموا الذرائع ، عندما تركوا الحدود مفتوحة أمام تسلل
مجموعات العنف والارهاب وعندما تركوا ، وأحيانا ساعدوا ، اللصوص على سرقة
المرافق العامة كالبنوك والمتاحف وغيرها .
وقدموا الذرائع ، عندما أخروا وسوفوا في عملية إعادة
بناء العراق الذي دمرته سياسات النظام البائد وحرب إزاحته عن السلطة .
وما زاد في الطين بلة ، عندما اكتشف العراقيون بأن من
يدعي أنه جاء الى عاصمتهم لتحريرهم من الاستبداد والديكتاتورية ، ومن ثم
مساعدتهم على بناء نظام ديمقراطي جديد ، ينعم فيه المواطن بخيرات بلاده ، إن
هذا المحرر سرق قوتهم وفرص العمل ونفطهم والأموال التي قدمها له المانحون .
وواصل الأميركيون تقديم الذرائع ، عندما أميط اللثام
عن فضائح سجن أبو غريب ، وتجاوزهم واعتداءهم على مقدسات الناس وحرمات بيوتهم
وإنتهاك أعراضهم ، وعندما فرضوا على العراقيين قانون إدارة الدولة سئ الصيت ،
وعندما راحوا يخططون لاعادة تأهيل البعثيين في الحياة العامة الجديدة ،
وعندما إكتشف العراقيون أن ما سمي بنقل السلطة في حزيران الماضي ، لم يكن سوى
خدعة كبيرة ، وكذبة لا تغتفر ، تشبه إلى حد بعيد خدعة أسلحة الدمار الشامل
التي تذرعت بها الولايات المتحدة لشن الحرب في العراق ، فلقد إكتشف العراقيون
، أن السفارة الأميركية في بغداد هي الآمر الناهي في العراق ، حتى ميزانية
الحكومة ووزاراتها وأجهزتها الأمنية ، لا تصرف قبل أن تصادق عليها السفارة ،
وليست وزارة التخطيط أو المالية أو حتى مجلس الوزراء .
إن هذه الذرائع وغيرها الكثير جدا ، والتي قدمها
الأميركيون على طبق من ذهب ، مكنت الارهابيين من توظيف الظروف الملائمة التي
صنعتها لهم هذه الذرائع ، لتعبئة المغفلين ممن غسل المسلحون أدمغتهم ، كما
ساعدتهم على تحقيق نجاحات هنا وهناك ، ما كان باستطاعتهم أن يحققوا شيئا منها
، لو كان الأميركيون قد تعاملوا بعقل وحكمة كبيرين .
ولكن ، هل تعطي هذه الذرائع الحق للمسلحين لممارسة
لعبة القتل والموت والدمار ، فيذبحوا الأبرياء تحت مسمى المقاومة ، ويفجروا
السيارات المفخخة ويطلقوا الصواريخ والقذائف على الناس الأبرياء وبشكل عشوائي
، تحت مسمى الجهاد ؟ ، بالتأكيد لا ، إذ لا يطاع الله من حيث يعصى ، كما ورد
في الحديث الشريف عن رسول الله ـ ص ـ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة ، لا في
معيار الاسلام ، ولا في المعيار الوطني أبدا .
السؤال الثالث ؛ـ
كيف ترى تقبل العراقيين ، لوجود قوات أميركية على
أرضهم ؟.
الجواب ؛ـ
لا أحد يقبل بالاحتلال لأرضه وبلده أبدا ، مهما إختلفت
الأسماء والمسميات ، ومهما حاول المحتل أن يقدم من مبررات وحجج لاقناع الناس
بأنه جاء الى أرضهم كمحرر وليس كمحتل .
لقد اتفق العراقيون على تسمية ما شهده العراق في
التاسع من نيسان من العام الماضي ، بالاحتلال ، فهذا هو الواقع ، وهي الحقيقة
، إلا أنهم ، في نفس الوقت إختلفوا في طريقة التعامل مع الاحتلال ، وكيفية
إنهائه وتحرير البلاد من ربقته وتداعياته .
فبينما رأى بعضهم أن الكفاح السياسي هو الطريق الأسلم
والأسلوب الأفضل لانهاء الاحتلال ، لا زالت هناك فرصة لتبني هذا الخيار ،
إستعجل آخرون وحملوا السلاح معلنين عن خيارهم المسلح كأسلوب لمقاومة المحتل ،
وبمرور الزمن إنزلق المستعجلون في طريق العنف الذي إنتهى بهم الى ممارسة
الارهاب والقتل العشوائي للمواطنين الأبرياء ، والسبب في ذلك برأيي ، هو أنهم
لم يكونوا سليمين في نواياهم ، وأنهم لم يحسبوا الأمور بمقياس وطني صحيح
وسليم ، وإنما كانت منطلقاتهم ضيقة ومريضة ، إما قومية عنصرية أو طائفية
مقيتة أو مصلحية أنانية ، كونهم فقدوا إمتيازاتهم التي كانوا يتمتعون بها زمن
النظام الشمولي البائد .
الفريق الأول ، وهم الأغلبية المطلقة من الشعب العراقي
، يعتقد ، مثلا ، أن المشاركة في العملية السياسية الجديدة ، التي بدأت لحظة
سقوط النظام الشمولي ، تساهم في تقليص عمر الاحتلال ، وأن الالتزام بالجدول
الزمني المتفق عليه لتقدم العملية السياسية ، سيسرع من وتيرة زوال الاحتلال
وتساعد على إسقاط الذرائع التي يتشبث بها للمكوث في العراق أطول مدة ممكنة ،
وهكذا ، إذ في تصور هذا الفريق أن أي نجاح يحققه العراقيون ، وأي دليل
يسوقونه لاثبات قدرتهم وكفاءتهم وجدارتهم في إدارة البلد على الأسس الصحيحة
والسليمة ، سيساعد العراقيين على إنهاء الاحتلال ومن ثم رحيل قواته عن أرض
العراق الحبيبة والطاهرة ، وإن جاءت كل هذه الخطوات العراقية في ظل الاحتلال
الذي هو الآن أمر واقع لا مفر منه ، فبالعمل السياسي الايجابي يمكن إنهاءه
وليس بالمقاطعة أو بالتفرج على ما يجري .
أما الفريق الثاني الذي إستعجل الأمور فتورط في دوامة
العنف والارهاب ، وهم الأقلية ، فعلى العكس من ذلك ، إذ يرى بأن أية مشاركة
سياسية في ظل الاحتلال تمنحه شرعية إضافية ، ولذلك لا يجوز التورط بها ، ومن
أجل أن يظفوا الشرعية الدينية على قناعاتهم ، وظفوا نصوص القرآن الكريم
والسيرة النبوية الشريفة ، لخدمة أهدافهم وقناعاتهم .
ولم يكتفوا بكل ذلك ، بل تطرفوا أكثر ليصدروا فتاوى
أباحوا فيها دم من يساهم في العملية السياسية ، قبل أن يرحل الاحتلال عن أرض
العراق ، فعندهم ، مثلا ، أن قتل الشرطي حلال ، لأنه يساهم في تمديد أمد
الاحتلال ، كما أن زرع السيارات المفخخة في الأماكن العامة المزدحمة بالناس ،
يساهم في رحيل الاحتلال ، لأن ذلك يزيد من نقمة الناس عليه ، وبالتالي يحرك
المشاعر الوطنية ضده ، ما يضطره لترك العراق ، وهكذا ، ومن الواضح جدا فإن
مثل هذا المنطق مرفوض دينيا
ووطنيا ، بل وحتى إنسانيا ، جملة وتفصيلا ، إذ لا يطلب
الحق بالجور ، كما يقول الامام علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ .
من هنا يتضح لنا بأنه لا أحد في العراق يقبل بوجود
قوات أجنبية غازية ومحتلة على أرضه وفي بلده ، إلا أن نقطة الخلاف تنحصر في
طريقة إخراجها ؟ ومتى ؟ وهذا هو السؤال المهم ، إذ ليس كل العراقيين يعتقدون
بوجوب رحيل القوات الأجنبية عن العراق فورا ، ولذلك ، فليس من حق أحد أن يجبر
العراقيين على إختيار طريقة ما ، تحت حد السيف وبالقتل والتدمير ونشر الرعب
والخوف .
أما الذين إختاروا طريق المقاومة السياسية السلبية ،
أي طريق المقاطعة للعملية السياسية التي تجري حاليا في ظل الاحتلال ، من دون
أن يتورطوا بدماء الأبرياء ، فرأيهم محترم وتصورهم للامور يمكن فهمه
وإستيعابه ، وهو يدخل في إطار الاختلاف والتعدد في وجهات النظر ، إذ ليس
بإمكان أحد الآن ، أن يجزم بصحة أو خطأ أي من الاجتهادات السياسية ، لا زالت
الأمور لم تتضح ، والصورة لم تكتمل بعد .
السؤال الرابع ؛ـ
هل ترى أن تأخير الانتخابات هو ما تريده أميركا
لاستمرار تواجدها في العراق ؟.
الجواب ؛ـ
لا اعتقد ذلك ، لعدة أسباب ؛
السبب الأول ، هو أن من مصلحتها أن تتقدم العملية
السياسية الجديدة في العراق ، حسب الجدول الزمني المتفق عليه ، للتخفيف من
الضغوطات السياسية الدولية والاقليمية التي تتعرض لها ، والتي تزداد يوما بعد
آخر .
السبب الثاني ، هو أن الولايات المتحدة الأميركية ، لا
تريد أن تبدو كاذبة ومراوغة الى هذا الحد ، سواء في نظر العراقيين أو غيرهم ،
فهي عندما لا تلتزم بجدول زمني إتفقت ووقعت عليه ، ثم أدرج في قرار دولي صدر
عن مجلس الأمن الدولي ، يذكره ويتذكره ويذكر به أركان الادارة الأميركية في
كل يوم ، فهذا يعني أنها تحفر حفرة لنفسها ، ستقع فيها إن عاجلا أم آجلا ،
ولا اعتقد أنها تفكر بهذه الطريقة السيئة .
لقد بذلت الولايات المتحدة جهدا كبيرا لاقناع
العراقيين والعالم ، على أنها جادة في مساعدة العراقيين على إقامة نظام
ديمقراطي بديل عن النظام الشمولي البائد ، وأنها غير طامعة بالبترول العراقي
، وهي إنما ذهبت إلى حرب العراق لانقاذ العراقيين من ورطتهم مع الديكتاتورية
، وأنها ستترك العراق في أول فرصة تسنح لها بذلك ،وهي لم تبق عسكريا ، حتى
لحظة واحدة أكثر من اللازم ، ولذلك وقعت مع العراقيين على الجدول الزمني
لتقدم العملية السياسية ، وأصرت على إدراجه في القرار الدولي ، من أجل أن
تثبت حسن نواياها للعراقيين والعالم ، فهل يعقل أن تتخلى عما إتفقت عليه
لتذهب كل جهودها هواءا في شبك ؟ إلا أن تكون تلعب بالنار لحاجة في نفس يعقوب
يريد قضاها .
السبب الثالث ، هو أنها جربت مدى صعوبة التلاعب بمثل
هذه الاسس الاستراتيجية لبناء العملية الديمقراطية في العراق الجديد ، وكلنا
يتذكر كيف أن الولايات المتحدة بذلت جهدا كبيرا جدا من أجل تأجيل الانتخابات
العامة الى بداية العام القادم ، ولذلك أعتقد أن من الصعب جدا عليها أن تجازف
مرة أخرى لتتلاعب بالموعد ، خاصة ، وهذا هو الأهم ، أن أي تأجيل لموعد
الانتخابات ، سيؤلب الشارع العراقي عليها ، في الوقت الذي تبذل فيه جهدها
لتهدئة المناطق الساخنة ، وهي تعرف قبل غيرها أن التأجيل يعني ، أولا وأخيرا
، إنتصار مجموعات العنف والارهاب ، التي يهمها جدا أن تتعرقل العملية
السياسية برمتها .
نعم ، إن ما يهم واشنطن في هذه المرحلة على وجه
التحديد ، هو أن لا تنتج عن الانتخابات العامة القادمة ، مفاجآت غير محسوبة
تطيح ، مثلا ، بأصدقائها وتأتي بمن لا ترغب برؤيتهم على المسرح السياسي ،
ولذلك فهي الآن تبذل جهودها لأنتاج مجلس وطني لا يختلف كثيرا بتركيبته عن
تركيبة الحكومة الحالية مثلا ، لا من ناحية النوع ولا من ناحية الكيف ، وإذا
كان هناك في الادارة الأميركية من لا يحبذ الالتزام بموعد الانتخابات ، فإنه
لا يعبر عن الموقف الرسمي العام الذي أعلن عنه الرئيس بوش مرارا وتكرارا ،
وهو يستند ، في حقيقة الأمر ، إلى قراءات خاطئة ، لا أعتقد أن أحدا في واشنطن
سيأخذ بها .
السؤال الخامس ؛ـ
هل تؤيد فكرة مشاركة العراقيين بالخارج ، في العملية
الانتخابية ؟ وكيف ؟.
الجواب ؛ـ
إن مشاركة المواطن العراقي في العملية الانتخابية
القادمة ، حق طبيعي ، يرقى في هذه الظروف إلى الواجب ، وإن مكان تواجد
المواطن العراقي لا يسقط هذا الحق بأي شكل من الأشكال ، فالمشاركة حق له
كمواطن ، بغض النظرعن محل إقامته ، إذ لا يجوز التذرع بمثل هذه الحجج لاسقاط
حقه ، أو الحيلولة دون ممارسته لهذا الحق .
وكما نعرف ، فإن الاحصاءات تتحدث عن ملايين العراقيين
المنتشرين في الاتجاهات الأربعة من الكرة الأرضية ، بسبب السياسات التدميرية
التي كان ينتهجها النظام الاستبدادي الديكتاتوري الشمولي البائد ، وهو عدد
كبير جدا يعادل عدد شعوب بلدان بأكملها ، فكيف يجوز أن نتغافل عن هذا العدد
من العراقيين ، في عملية سياسية ، هي الأهم في تاريخ العراق الحديث ؟.
يلزم إذن أن تمنح الفرصة لكل عراقي ، أينما كان ،
للمشاركة في الانتخابات العامة القادمة ، إلا إذا رفض هو بنفسه ، المشاركة
فيها ، فذلك أمر آخر ، إذ لا يحق لأحد أن يجبر مواطنا على الادلاء بصوته ،
فإن ذلك خلاف أصول الحرية والارادة وقيم الديمقراطية .
وفي زمن العولمة والتكنلوجيا التي حولت العالم إلى
قرية صغيرة ، فقصرت المسافات وسرعت من وتيرة التنفيذ والانجاز ، فإن الطرق
الفنية الممكنة التي تتيح للعراقيين في بلاد المهجر ، المشاركة في العملية
الانتخابية القادمة كثيرة وعديدة ، منها الاقتراع عن طريق شبكة الاتصال
الدولية ـ الانترنيت ـ بعد أن يمنح كل عراقي رمزا للمرور ، لاثبات شخصيته
الحقيقية والحقوقية ، أو من خلال الحضور الى السفارات والقنصليات العراقية
التي فتحت أبوابها في العديد من دول العالم ، أو من خلال توكيل من يثق به في
داخل العراق ، أو أية طريقة ميسورة أخرى .
أعتقد أن مهمة البحث في أفضل وأيسر وأأمن الطرق ، تقع
على عاتق وزارة التخطيط التي من مهامها الأساسية ، هو إحصاء عدد العراقيين في
بلاد المهجر ، كما أن وزارة المهجرين والمهاجرين هي الأخرى ،عليها أن تتحمل
مسؤوليتها بهذا الصدد ، على إعتبار أنها إستحدثت لتكون مسؤولة بشكل مباشر عن
شؤون العراقيين في بلاد المهجر ، وأن توفير الظروف المناسبة والمناخ الملائم
لمشاركتهم في الانتخابات العامة القادمة ، من أولى هذه الشؤون إذ تقف على رأس
قمة الهرم .
السؤال السادس ؛ـ
لماذا لا يعود أبناء العراق لوطنهم ، بعد أن زال
النظام السابق الذي هربوا منه ؟ ليساهموا في إعادة بناء بلدهم ؟.
الجواب ؛ـ
بلا ، فلقد عاد الكثير منهم إلى وطنهم بعد زوال النظام
الشمولي البائد ، وهم
مشغولون ، بحمد الله ، في إعادة بناء العراق ، كل حسب
كفاءته وقدراته وخبراته وقابلياته ، فيما عاد الكثير منهم ليعيشوا حياتهم على
الأرض التي ولدوا وتربوا وترعرعوا بها وعليها ، بعد أن أجبروا على تركها قسرا
وبالاكراه .
أما الذين لا زالوا في خارج العراق ، فهناك ، حسب علمي
، عدة معوقات تحول دون عودتهم ، فقسم منهم لا يمتلك الوثيقة الرسمية التي
تسمح لهم بالسفر الى العراق ، كما أن قسم منهم يسعى لتصفية إرتباطاته
القانونية والاقتصادية والمالية مع البلد
المظيف ، قبل أن يعود نهائيا إلى بلده .
لقد وعدت وزارة المهجرين والمهاجرين ، بالعمل على
تهيئة الظروف المناسبة للعراقيين في بلاد المهجر ، للعودة إلى بلادهم ، خاصة
أصحاب الكفاءات ممن ينتظر بفارغ الصبر العودة إلى وطنه لخدمته من خلال وضع كل
خبراته وكفاءاته وإمكانياته ، في خدمة البلد وأهله ، وفيهم من الكفاءات ما لا
يجوز أبدا التفريط بها أو إهمالها .
إن الاستعداد للعودة موجود عندهم ، كما أن الحماس
والاندفاع للمشاركة في عملية إعادة إعمار العراق ، موجود هو الآخر ، يبقى أن
تبادر الوزارات المعنية لتهيئة الظروف المناسبة لعودة هذه الكفاءات .
طبعا ، ينبغي هنا أن لا ننسى الظروف الأمنية المتدهورة
، والتي تعرقل عودة الكثير منهم ، آملين أن يشهد العراق تحسنا أمنيا ملحوظا
ليبدأ العراقيون ببناء بلدهم بشكل أكثر جدية وفاعلية .
أما الظروف السياسية ، فهي الأخرى عائقا لعودة بعض
العراقيين إلى بلادهم ، فعندما تخيم المحاصصة على التعيين والتوظيف والعقود ،
وعلى كل شئ ، يكون من الصعب جدا على العراقي خارج مدارات المحاصصة ، أن يجد
له مجالا أو طريقا ينفذ منه للوصول إلى النقطة التي يراها مناسبة بالنسبة له
، للبدء بمشواره للمشاركة في بناء العراق الجديد .
أخيرا ، فإن للفساد الاداري المستشري كالارضة في هيكل
الدولة العراقية الجديدة ، دور سلبي يحول دون عودة الكفاءات العراقية ، على
وجه التحديد ، إلى العراق .
السؤال السابع ؛ـ
الطائفية في العراق ، هل تنبئ عن الدخول في دوامة
جديدة من العنف ؟ وكيف تتم معالجتها ؟ أو تقريب وجهات النظر بينها ؟.
الجواب ؛ـ
ليس في العراق طائفية دينية ، وإنما هناك طائفية
سياسية ، توارثتها الأنظمة والحكومات بتعاقب الزمن .
فالعراقيون يفخرون باحتظانهم لكل الأديان السماوية
والمذاهب الاسلامية ، بل وحتى التنوع في الانتماء القومي ، لأن التعددية ، من
وجهة نظرهم مصدر قوة ، وهي إنما خلقت للتعايش وليس للاحتراب ، ولذلك ، لم
يشهد العراق ، وفي كل تاريخه القديم والحديث ، حروبا قومية أو دينية أو حتى
طائفية ، إنما الذي شهده العراق ، هو سعي الأنظمة المتعاقبة للتعامل على
أساسين شوفينيين ، طائفي مع الأغلبية الشيعية ، وعنصري مع الاقليات القومية
كالأكراد والتركمان والآشوريين وغيرهم ، من خلال التعامل مع كل هؤلاء
كمواطنين من الدرجة الثانية ، فأقصوا عن السلطة التي إحتكرتها ثلة صغيرة من
الساسة وحرمت على الأغلبية العراقية المطلقة ، إما بسبب إنتمائهم المذهبي أو
بسبب إنتمائهم القومي .
ما يجري اليوم في العراق ، هو أن ثلة من الطائفيين
والعنصريين ، لا يريدون أن يقتنعوا بأن زمن الطائفية السياسية قد ولى وانتهى
، ولذلك فهم يحاولون بكل الطرق إعادة عقارب الزمن إلى الوراء ، وهذا أمر
مستحيل ، لأنه ليس في مصلحة العراقيين ، كما أنه لا يخدم أمن واستقرار
المنطقة والعالم أبدا .
لقد حاولت
هذه الحفنة أن تجر العراقيين إلى الفتن الطائفية والعنصرية ، فلقد قرأنا
رسائلهم ورأينا أعمالهم الوحشية ، إلا أن العراقيين ، بعلمائهم ومؤسساتهم
الدينية وقادتهم ورموزهم ، أفشلوا خططهم بالوعي والحكمة وسعة الصدر ، فعضوا
على الجراح ، وتحملوا التضحيات ، لافشال خطط الارهابيين وعدم الانجرار
وراءها
وهذا ما كان .
السؤال الثامن ؛ـ
هل أنت عضو في أي حزب عراقي حاليا ؟ وما هو ؟.
الجواب ؛ـ
حاليا ، لست عضوا في أي حزب عراقي .
في نهاية الحوار ، أشكر الاستاذ الاسلمي ، لاتاحته لي
هذه الفرصة
الكريمة ، لأتحدث ، من خلاله إلى القراء الكرام ،
متمنيا للجميع التوفيق
والسداد .
13 OCTOBER 2004