الفهرس

 

 

 

 

حوارات

 

 الوطن السعودية والسياسة الكويتية تحاوران نــــزار حيدر

حاوره : الاستاذ محمد عبد الله الاسلمي

 

 

لأميركيون قدموا الذرائع للإرهابيين

  ليس من حق أحد أن يجبر العراقيين على إختيار طريقة ما ، تحت حد السيف وبالقتل والتدمير ونشر الرعب والخوف

 للمسلحين هدف واحد فقط لا غير ، ألا وهو عرقلة تقدم العملية السياسية برمتها في العراق الجديد .

إنهم يحاولون الفصل بين الوطن الذي يبنى اليوم من جديد ، والمواطن الذي يسعى للمشاركة في بناء هذا الوطن الذي لا زال ينزف دما منذ قرابة نصف قرن .

المسلحون لا يمتلكون مشروعا للتحرير أو خطة وطنية لمقاومة الاحتلال .

ما زاد في الطين بلة ، عندما اكتشف العراقيون بأن من يدعي أنه جاء الى عاصمتهم لتحريرهم من الاستبداد والديكتاتورية ، ومن ثم مساعدتهم على بناء نظام ديمقراطي جديد ، ينعم فيه المواطن بخيرات بلاده ، إن هذا المحرر، سرق قوتهم وفرص العمل ونفطهم والأموال التي قدمها له المانحون

إن الذرائع التي قدمها الأميركيون على طبق من ذهب ، مكنت الارهابيين من توظيف الظروف الملائمة التي صنعتها لهم هذه الذرائع ، لتعبئة المغفلين ممن غسل المسلحون أدمغتهم ، كما ساعدتهم على تحقيق نجاحات هنا وهناك ، ما كان باستطاعتهم أن يحققوا شيئا منها ، لو كان الأميركيون قد تعاملوا بعقل وحكمة كبيرين .

لقد اتفق العراقيون على تسمية ما شهده العراق في التاسع من نيسان من العام الماضي ، بالاحتلال ، فهذا هو الواقع ، وهي الحقيقة ، إلا أنهم ، في نفس الوقت إختلفوا في طريقة التعامل مع الاحتلال ، وكيفية إنهائه وتحرير البلاد من ربقته وتداعياته .

بينما رأى بعض العراقيين أن الكفاح السياسي هو الطريق الأسلم والأسلوب الأفضل لانهاء الاحتلال ، لازالت هناك فرصة لتبني هذا الخيار ، إستعجل آخرون وحملوا السلاح معلنين عن خيارهم المسلح كأسلوب لمقاومة المحتل ، وبمرور الزمن إنزلق المستعجلون في طريق العنف الذي إنتهى بهم الى ممارسة الارهاب والقتل العشوائي للمواطنين الأبرياء ، والسبب في ذلك برأيي ، هو أنهم لم يكونوا سليمين في نواياهم ، وأنهم لم يحسبوا الأمور بمقياس وطني صحيح وسليم ، وإنما كانت منطلقاتهم ضيقة ومريضة ، إما قومية عنصرية أو طائفية مقيتة أو مصلحية أنانية .

أن أي تأجيل لموعد الانتخابات ، سيؤلب الشارع العراقي على أميركا ، في الوقت الذي تبذل فيه جهدها لتهدئة المناطق الساخنة ، وهي تعرف قبل غيرها أن التأجيل يعني ، أولا وأخيرا ، إنتصار مجموعات العنف والارهاب ، التي يهمها جدا أن تتعرقل العملية السياسية برمتها .

إن ما يهم واشنطن في هذه المرحلة على وجه التحديد ، هو أن لا تنتج عن الانتخابات العامة القادمة ، مفاجآت غير محسوبة تطيح ، مثلا ، بأصدقائها وتأتي بمن لا ترغب برؤيتهم على المسرح السياسي ، ولذلك فهي الآن تبذل جهودها لأنتاج مجلس وطني لا يختلف كثيرا بتركيبته عن تركيبة الحكومة الحالية مثلا ، لا من ناحية النوع ولا من ناحية الكيف.

إن مشاركة المواطن العراقي في العملية الانتخابية القادمة ، حق طبيعي ، يرقى في هذه الظروف إلى الواجب ، وإن مكان تواجد المواطن العراقي لا يسقط هذا الحق بأي شكل من الأشكال ، فالمشاركة حق له كمواطن ، بغض النظر عن محل إقامته ، إذ لا يجوز التذرع بمثل هذه الحجج لاسقاط حقه ، أو الحيلولة دون ممارسته لهذا الحق .

لقد عاد الكثير من العراقيين إلى وطنهم بعد زوال النظام الشمولي البائد ، وهم مشغولون ، بحمد الله ، في إعادة بناء العراق ، كل حسب كفاءته وقدراته وخبراته وقابلياته ، فيما عاد الكثير منهم ليعيشوا حياتهم على الأرض التي ولدوا وتربوا وترعرعوا بها وعليها ، بعد أن أجبروا على تركها قسرا وبالاكراه .

ليس في العراق طائفية دينية ، وإنما هناك طائفية سياسية ، توارثتها الأنظمة والحكومات بتعاقب الزمن .

ما يجري اليوم في العراق ، هو أن ثلة من الطائفيين والعنصريين ، لا يريدون أن يقتنعوا بأن زمن الطائفية السياسية قد ولى وانتهى ، ولذلك فهم يحاولون بكل الطرق إعادة عقارب الزمن إلى الوراء ، وهذا أمر مستحيل ، لأنه ليس في مصلحة العراقيين ، كما أنه لا يخدم أمن واستقرار المنطقة والعالم أبدا .

 عن الانتخابات العامة المزمع إجراؤها في العراق بداية العام القادم ، وهدف المسلحين الذين يواصلون أعمالهم الارهابية في عدد من مناطق العراق ، والدور الذي يجب أن يضطلع به العراقيون في بلاد الهجرة ، في عملية إعادة بناء بلدهم ، أجرى الاستاذ محمد عبد الله الاسلمي من العاصمة السعودية الرياض ، حوارا صحفيا لجريدتي الوطن السعودية والسياسة الكويتية، مع نــــزار حيدر ، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن  .

أدناه نص الحوار:

 

السؤال الأول ؛ـ

برأيك ، ماذا يريد المسلحون ، بالضبط ، بعد زيادة عملياتهم العسكرية ؟ .

 

الجواب ؛ـ

للمسلحين هدف واحد فقط لا غير ، ألا وهوعرقلة تقدم العملية السياسية برمتها في العراق الجديد .

وإذا أخذنا بنظرالاعتبار، الحقيقة التي تقول بأن ضحاياهم من المواطنين الأبرياء العزل ، بمن فيهم النساء والأطفال ، لتأكدنا من أنهم يحاولون إرهاب الناس وإرعابهم حتى لا يفكروا بالوقوف ، يوما ما ، أمام صندوق الاقتراع للمشاركة في بناء العراق الجديد ، فهم يحاولون الفصل بين الوطن الذي يبنى اليوم من جديد ، والمواطن الذي يسعى للمشاركة في بناء هذا الوطن الذي لا زال ينزف دما منذ قرابة نصف قرن .

إنهم يوحون للمغفلين والسذج من الناس زخرف القول ، عندما يعتبرون ، مثلا ، أن مشاركة المواطن بالانتخابات ، هو دعم للاحتلال ، أو أن إجبار بعض المناطق على عدم المشاركة في الانتخابات ، أو مقاطعتها ، يعني التهديد بتقسيم العراق ، كما أوحوا من قبل إلى أن تطوع المواطن في صفوف القوات المسلحة الجديدة ، من الحرس الوطني أو الشرطة أو حرس الحدود ، يساهم في إستمرار الاحتلال .

إن مثل هذا النوع من التفكير ، دليل قاطع وواضح على أن المسلحين لا يمتلكون مشروعا للتحرير أو خطة وطنية لمقاومة الاحتلال ، وإنهم لا يحملون في رؤوسهم إلا موالا واحدا ، ألا وهو بذل كل الجهد لتدمير الحلم العراقي الجديد ، فبالقتل يريدون عرقلة تقدم العملية السياسية ، وبسياسة زرع الموت و ذبح الأطفال ، يريدون إرعاب الناس وإرهابهم ، حتى لا يفكروا بالمشاركة في الحياة السياسية وبالتالي ، إفشال مهمة الحكومة الانتقالية المؤقتة ، التي تشكلت على أساس أنها مسؤولة عن تصريف الأعمال الى جانب سعيها الحثيث لاجراء الانتخابات وتسليم السلطة إلى من سينتخبه العراقيون .

 

السؤال الثاني ؛ـ

هل ترى أن القوات الأميركية أكثر جرما منهم ؟.

 

الجواب ؛ـ

ليس السؤال عمن هو أكثر إجراما من الآخر ، فضحايا كلا الطرفين ، وللأسف الشديد ، هم العراقيون الأبرياء ، وياليتهما تقابلا وتقاتلا وجها لوجه ، ليسلم من بينهما المواطن العراقي الأعزل المشغول بنفسه وأهله ، باحثا عن الأمن المفقود ولقمة العيش المضمخة بالدم والعمل الضائع في زحمة موجة العنف والارهاب .

يدعي المسلحون بأنهم يقاومون الاحتلال ، إلا أن الضحية دائما وأبدا ، هو المواطن العراقي ، فأية مقاومة هذه التي تعلن مسؤوليتها عن قتل الأطفال والنساء ؟ وأية مقاومة تلك التي تخطئ أهدافها باستمرار فلا تصيب إلا المواطن الأعزل ؟ هذا إذا افترضنا جدلا بأنها لا تستهدف الأبرياء مع سبق الاصرار.

القوات الأميركية من جانبها ، تورطت كذلك بدماء الأبرياء ، ففي كل مرة تشن فيها هجوما على المسلحين في منطقة من مناطق العراق المضطربة ، يكون عدد الضحايا من الأبرياء أضعاف ما يقتل من المسلحين ، فأية قوات تحرير هذه التي تصيب بنيرانها الأبرياء والعزل ، وهي تستهدف المسلحين كما تقول ؟.

لقد قدم الأميركيون الذرائع للارهابيين والمسلحين ، بل ، وحتى لمن إختار السلاح كوسيلة لمقاومة الاحتلال .

إنهم قدموا لهم الذرائع عندما شرعنوا الاحتلال في قرار دولي صدر عن مجلس الأمن الدولي بعيد سقوط النظام الشمولي البائد مباشرة ، ثم قدموا الذرائع ، عندما  حلوا الجيش العراقي ورفضوا صرف رواتب المنتسبين اليه وإلى بقية مؤسسات الدولة التي إنهارت  .

وقدموا الذرائع ، عندما تركوا الحدود مفتوحة أمام تسلل مجموعات العنف والارهاب وعندما تركوا ، وأحيانا ساعدوا ، اللصوص على سرقة المرافق العامة كالبنوك والمتاحف وغيرها .

وقدموا الذرائع ، عندما أخروا وسوفوا في عملية إعادة بناء العراق الذي دمرته سياسات النظام البائد وحرب إزاحته عن السلطة .

وما زاد في الطين بلة ، عندما اكتشف العراقيون بأن من يدعي أنه جاء الى عاصمتهم لتحريرهم من الاستبداد والديكتاتورية ، ومن ثم مساعدتهم على بناء نظام ديمقراطي جديد ، ينعم فيه المواطن بخيرات بلاده ، إن هذا المحرر سرق قوتهم وفرص العمل ونفطهم والأموال التي قدمها له المانحون .

وواصل الأميركيون تقديم الذرائع ، عندما أميط اللثام عن فضائح سجن أبو غريب ، وتجاوزهم واعتداءهم على مقدسات الناس وحرمات بيوتهم وإنتهاك أعراضهم ، وعندما فرضوا على العراقيين قانون إدارة الدولة سئ الصيت ، وعندما راحوا يخططون لاعادة تأهيل البعثيين في الحياة العامة الجديدة ، وعندما إكتشف العراقيون أن ما سمي بنقل السلطة في حزيران الماضي ، لم يكن سوى خدعة كبيرة ، وكذبة لا تغتفر ، تشبه إلى حد بعيد خدعة أسلحة الدمار الشامل التي تذرعت بها الولايات المتحدة لشن الحرب في العراق ، فلقد إكتشف العراقيون ، أن السفارة الأميركية في بغداد هي الآمر الناهي في العراق ، حتى ميزانية الحكومة ووزاراتها وأجهزتها الأمنية ، لا تصرف قبل أن تصادق عليها السفارة ، وليست وزارة التخطيط أو المالية أو حتى مجلس الوزراء .

إن هذه الذرائع وغيرها الكثير جدا ، والتي  قدمها الأميركيون على طبق من ذهب ، مكنت الارهابيين من توظيف الظروف الملائمة التي صنعتها لهم هذه الذرائع ، لتعبئة المغفلين ممن غسل المسلحون أدمغتهم ، كما ساعدتهم على تحقيق نجاحات هنا وهناك ، ما كان باستطاعتهم أن يحققوا شيئا منها ، لو كان الأميركيون قد تعاملوا بعقل وحكمة كبيرين .

ولكن ، هل تعطي هذه الذرائع الحق للمسلحين لممارسة لعبة القتل والموت والدمار ، فيذبحوا الأبرياء تحت مسمى المقاومة ، ويفجروا السيارات المفخخة ويطلقوا الصواريخ والقذائف على الناس الأبرياء وبشكل عشوائي ، تحت مسمى الجهاد ؟ ، بالتأكيد لا ، إذ لا يطاع الله من حيث يعصى ، كما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله ـ ص ـ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة ، لا في معيار الاسلام ، ولا في المعيار الوطني أبدا .

 

السؤال الثالث ؛ـ

كيف ترى تقبل العراقيين ، لوجود قوات أميركية على أرضهم ؟.

 

الجواب ؛ـ

لا أحد يقبل بالاحتلال لأرضه وبلده أبدا ، مهما إختلفت الأسماء والمسميات ، ومهما حاول المحتل أن يقدم من مبررات وحجج لاقناع الناس بأنه جاء الى أرضهم كمحرر وليس كمحتل .

لقد اتفق العراقيون على تسمية ما شهده العراق في التاسع من نيسان من العام الماضي ، بالاحتلال ، فهذا هو الواقع ، وهي الحقيقة ، إلا أنهم ، في نفس الوقت إختلفوا في طريقة التعامل مع الاحتلال ، وكيفية إنهائه وتحرير البلاد من ربقته وتداعياته .

فبينما رأى بعضهم أن الكفاح السياسي هو الطريق الأسلم والأسلوب الأفضل لانهاء الاحتلال ، لا زالت هناك فرصة لتبني هذا الخيار ، إستعجل آخرون وحملوا السلاح معلنين عن خيارهم المسلح كأسلوب لمقاومة المحتل ، وبمرور الزمن إنزلق المستعجلون في طريق العنف الذي إنتهى بهم الى ممارسة الارهاب والقتل العشوائي للمواطنين الأبرياء ، والسبب في ذلك برأيي ، هو أنهم لم يكونوا سليمين في نواياهم ، وأنهم لم يحسبوا الأمور بمقياس وطني صحيح وسليم ، وإنما كانت منطلقاتهم ضيقة ومريضة ، إما قومية عنصرية أو طائفية مقيتة أو مصلحية أنانية ، كونهم فقدوا إمتيازاتهم التي كانوا يتمتعون بها زمن النظام الشمولي البائد .

الفريق الأول ، وهم الأغلبية المطلقة من الشعب العراقي ، يعتقد ، مثلا ، أن المشاركة في العملية السياسية الجديدة ، التي بدأت لحظة سقوط النظام الشمولي ، تساهم في تقليص عمر الاحتلال ، وأن الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه لتقدم العملية السياسية ، سيسرع من وتيرة زوال الاحتلال وتساعد على إسقاط الذرائع التي يتشبث بها للمكوث في العراق أطول مدة ممكنة ، وهكذا ، إذ في تصور هذا الفريق أن أي نجاح يحققه العراقيون ، وأي دليل يسوقونه لاثبات قدرتهم وكفاءتهم وجدارتهم في إدارة البلد على الأسس الصحيحة والسليمة ، سيساعد العراقيين على إنهاء الاحتلال ومن ثم رحيل قواته عن أرض العراق الحبيبة والطاهرة ، وإن جاءت كل هذه الخطوات العراقية في ظل الاحتلال الذي هو الآن أمر واقع لا مفر منه ، فبالعمل السياسي الايجابي يمكن إنهاءه وليس بالمقاطعة أو بالتفرج على ما يجري .

أما الفريق الثاني الذي إستعجل الأمور فتورط في دوامة العنف والارهاب ، وهم الأقلية ، فعلى العكس من ذلك ، إذ يرى بأن أية مشاركة سياسية في ظل الاحتلال تمنحه شرعية إضافية ، ولذلك لا يجوز التورط بها ، ومن أجل أن يظفوا الشرعية الدينية على قناعاتهم ، وظفوا نصوص القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة ، لخدمة أهدافهم وقناعاتهم .

ولم يكتفوا بكل ذلك ، بل تطرفوا أكثر ليصدروا فتاوى أباحوا فيها دم من يساهم في العملية السياسية ، قبل أن يرحل الاحتلال عن أرض العراق ، فعندهم ، مثلا ، أن قتل الشرطي حلال ، لأنه يساهم في تمديد أمد الاحتلال ، كما أن زرع السيارات المفخخة في الأماكن العامة المزدحمة بالناس ، يساهم في رحيل الاحتلال ، لأن ذلك يزيد من نقمة الناس عليه ، وبالتالي يحرك المشاعر الوطنية ضده ، ما يضطره لترك العراق ، وهكذا ، ومن الواضح جدا فإن مثل هذا المنطق مرفوض دينيا

ووطنيا ، بل وحتى إنسانيا ، جملة وتفصيلا ، إذ لا يطلب الحق بالجور ، كما يقول الامام علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ .

من هنا يتضح لنا بأنه لا أحد في العراق يقبل بوجود قوات  أجنبية غازية ومحتلة على أرضه وفي بلده ، إلا  أن نقطة الخلاف تنحصر في طريقة إخراجها ؟ ومتى ؟ وهذا هو السؤال المهم ، إذ ليس كل العراقيين يعتقدون بوجوب رحيل القوات الأجنبية عن العراق فورا ، ولذلك ، فليس من حق أحد أن يجبر العراقيين على إختيار طريقة ما ، تحت حد السيف وبالقتل والتدمير ونشر الرعب والخوف .

أما الذين إختاروا طريق المقاومة السياسية السلبية ، أي طريق المقاطعة للعملية السياسية التي تجري حاليا في ظل الاحتلال ، من دون أن يتورطوا بدماء الأبرياء ، فرأيهم محترم وتصورهم للامور يمكن فهمه وإستيعابه ، وهو يدخل في إطار الاختلاف والتعدد في وجهات النظر ، إذ ليس بإمكان أحد الآن ، أن يجزم بصحة أو خطأ أي من الاجتهادات السياسية ، لا زالت الأمور لم تتضح ، والصورة لم تكتمل بعد .

 

السؤال الرابع ؛ـ

هل ترى أن تأخير الانتخابات هو ما تريده أميركا لاستمرار تواجدها في العراق ؟.

 

الجواب ؛ـ

لا اعتقد ذلك ، لعدة أسباب ؛

السبب الأول ، هو أن من مصلحتها أن تتقدم العملية السياسية الجديدة في العراق ، حسب الجدول الزمني المتفق عليه ، للتخفيف من الضغوطات السياسية الدولية والاقليمية التي تتعرض لها ، والتي تزداد يوما بعد آخر .

السبب الثاني ، هو أن الولايات المتحدة الأميركية ، لا تريد أن تبدو كاذبة ومراوغة الى هذا الحد ، سواء في نظر العراقيين أو غيرهم ، فهي عندما لا تلتزم بجدول زمني إتفقت ووقعت عليه ، ثم أدرج في قرار دولي صدر عن مجلس الأمن الدولي ، يذكره ويتذكره ويذكر به أركان الادارة الأميركية في كل يوم ، فهذا يعني أنها تحفر حفرة لنفسها ، ستقع فيها إن عاجلا أم آجلا ، ولا اعتقد أنها تفكر بهذه الطريقة السيئة .

لقد بذلت الولايات المتحدة جهدا كبيرا لاقناع العراقيين والعالم ، على أنها جادة في مساعدة العراقيين على إقامة نظام ديمقراطي بديل عن النظام الشمولي البائد ، وأنها غير طامعة بالبترول العراقي ، وهي إنما ذهبت إلى حرب العراق لانقاذ العراقيين من ورطتهم مع الديكتاتورية ، وأنها ستترك العراق في أول فرصة تسنح لها بذلك ،وهي لم تبق عسكريا ، حتى لحظة واحدة أكثر من اللازم ، ولذلك وقعت مع العراقيين على الجدول الزمني لتقدم العملية السياسية ، وأصرت على إدراجه في القرار الدولي ، من أجل أن تثبت حسن نواياها للعراقيين والعالم ، فهل يعقل أن تتخلى عما إتفقت عليه لتذهب كل جهودها هواءا في شبك ؟ إلا أن تكون تلعب بالنار لحاجة في نفس يعقوب يريد قضاها .

السبب الثالث ، هو أنها جربت مدى صعوبة التلاعب بمثل هذه الاسس الاستراتيجية لبناء العملية الديمقراطية في العراق الجديد ، وكلنا يتذكر كيف أن الولايات المتحدة بذلت جهدا كبيرا جدا من أجل تأجيل الانتخابات العامة الى بداية العام القادم ، ولذلك أعتقد أن من الصعب جدا عليها أن تجازف مرة أخرى لتتلاعب بالموعد ، خاصة ، وهذا هو الأهم ، أن أي تأجيل لموعد الانتخابات ، سيؤلب الشارع العراقي عليها ، في الوقت الذي تبذل فيه جهدها لتهدئة المناطق الساخنة ، وهي تعرف قبل غيرها أن التأجيل يعني ، أولا وأخيرا ، إنتصار مجموعات العنف والارهاب ، التي يهمها جدا أن تتعرقل العملية السياسية برمتها .

نعم ، إن ما يهم واشنطن في هذه المرحلة على وجه التحديد ، هو أن لا تنتج عن الانتخابات العامة القادمة ، مفاجآت غير محسوبة تطيح ، مثلا ، بأصدقائها وتأتي بمن لا ترغب برؤيتهم على المسرح السياسي ، ولذلك فهي الآن تبذل جهودها لأنتاج مجلس وطني لا يختلف كثيرا بتركيبته عن تركيبة الحكومة الحالية مثلا ، لا من ناحية النوع ولا من ناحية الكيف ،  وإذا كان هناك في الادارة الأميركية من لا يحبذ الالتزام بموعد الانتخابات ، فإنه لا يعبر عن الموقف الرسمي العام الذي أعلن عنه الرئيس بوش مرارا وتكرارا ، وهو يستند ، في حقيقة الأمر ، إلى قراءات خاطئة ، لا أعتقد أن أحدا في واشنطن سيأخذ بها .

 

السؤال الخامس ؛ـ

هل تؤيد فكرة مشاركة العراقيين بالخارج ، في العملية الانتخابية ؟ وكيف ؟.

 

الجواب ؛ـ

إن مشاركة المواطن العراقي في العملية الانتخابية القادمة ، حق طبيعي ، يرقى في هذه الظروف إلى الواجب ، وإن مكان تواجد المواطن العراقي لا يسقط هذا الحق بأي شكل من الأشكال ، فالمشاركة حق له كمواطن ، بغض النظرعن محل إقامته ، إذ لا يجوز التذرع بمثل هذه الحجج لاسقاط حقه ، أو الحيلولة دون ممارسته لهذا الحق .

وكما نعرف ، فإن الاحصاءات تتحدث عن ملايين العراقيين المنتشرين في الاتجاهات الأربعة من الكرة الأرضية ، بسبب السياسات التدميرية التي كان ينتهجها النظام الاستبدادي الديكتاتوري الشمولي البائد ، وهو عدد كبير جدا يعادل عدد شعوب بلدان بأكملها ، فكيف يجوز أن نتغافل عن هذا العدد من العراقيين ، في عملية سياسية ، هي الأهم في تاريخ العراق الحديث ؟.

يلزم إذن أن تمنح الفرصة لكل عراقي ، أينما كان ، للمشاركة في الانتخابات العامة القادمة ، إلا إذا رفض هو بنفسه ، المشاركة فيها ، فذلك أمر آخر ، إذ لا يحق لأحد أن يجبر مواطنا على الادلاء بصوته ، فإن ذلك خلاف أصول الحرية والارادة وقيم الديمقراطية .

وفي زمن العولمة والتكنلوجيا التي حولت العالم إلى قرية صغيرة ، فقصرت المسافات وسرعت من وتيرة التنفيذ والانجاز ، فإن الطرق الفنية الممكنة التي تتيح للعراقيين في بلاد المهجر ، المشاركة في العملية الانتخابية القادمة كثيرة وعديدة ، منها الاقتراع عن طريق شبكة الاتصال الدولية ـ الانترنيت ـ بعد أن يمنح كل عراقي رمزا للمرور ، لاثبات شخصيته الحقيقية والحقوقية ، أو من خلال الحضور الى السفارات والقنصليات العراقية التي فتحت أبوابها في العديد من دول العالم ، أو من خلال توكيل من يثق به في داخل العراق ، أو أية طريقة ميسورة أخرى .

أعتقد أن مهمة البحث في أفضل وأيسر وأأمن الطرق ، تقع على عاتق وزارة التخطيط التي من مهامها الأساسية ، هو إحصاء عدد العراقيين في بلاد المهجر ، كما أن وزارة المهجرين والمهاجرين هي الأخرى ،عليها أن تتحمل مسؤوليتها بهذا الصدد ، على إعتبار أنها إستحدثت لتكون مسؤولة بشكل مباشر عن شؤون العراقيين في بلاد المهجر ، وأن توفير الظروف المناسبة والمناخ الملائم لمشاركتهم في الانتخابات العامة القادمة ، من أولى هذه الشؤون إذ تقف على رأس قمة الهرم .

 

السؤال السادس ؛ـ

لماذا لا يعود أبناء العراق لوطنهم ، بعد أن  زال النظام السابق الذي هربوا منه ؟ ليساهموا في إعادة بناء بلدهم ؟.

 

الجواب ؛ـ

بلا ، فلقد عاد الكثير منهم إلى وطنهم بعد زوال النظام الشمولي البائد ، وهم

مشغولون ، بحمد الله ، في إعادة بناء العراق ، كل حسب كفاءته وقدراته وخبراته وقابلياته ، فيما عاد الكثير منهم ليعيشوا حياتهم على الأرض التي ولدوا وتربوا وترعرعوا بها وعليها ، بعد أن أجبروا على تركها قسرا وبالاكراه .

أما الذين لا زالوا في خارج العراق ، فهناك ، حسب علمي ، عدة معوقات تحول دون عودتهم ، فقسم منهم لا يمتلك الوثيقة الرسمية التي تسمح لهم بالسفر الى العراق ، كما أن قسم منهم يسعى لتصفية إرتباطاته القانونية والاقتصادية والمالية مع البلد

المظيف ، قبل أن يعود نهائيا إلى بلده .

لقد وعدت وزارة المهجرين والمهاجرين ، بالعمل على تهيئة الظروف المناسبة للعراقيين في بلاد المهجر ، للعودة إلى بلادهم ، خاصة أصحاب الكفاءات ممن ينتظر بفارغ الصبر العودة إلى وطنه لخدمته من خلال وضع كل خبراته وكفاءاته وإمكانياته ، في خدمة البلد وأهله ، وفيهم من الكفاءات ما لا يجوز أبدا التفريط بها أو إهمالها .

إن الاستعداد للعودة موجود عندهم ، كما أن الحماس والاندفاع للمشاركة في عملية إعادة إعمار العراق ، موجود هو الآخر ، يبقى أن تبادر الوزارات المعنية لتهيئة الظروف المناسبة لعودة هذه الكفاءات .

طبعا ، ينبغي هنا أن لا ننسى الظروف الأمنية المتدهورة ، والتي تعرقل عودة الكثير منهم ، آملين أن يشهد العراق تحسنا أمنيا ملحوظا ليبدأ العراقيون ببناء بلدهم بشكل أكثر جدية وفاعلية .

أما الظروف السياسية ، فهي الأخرى عائقا لعودة بعض العراقيين إلى بلادهم ، فعندما تخيم المحاصصة على التعيين والتوظيف والعقود ، وعلى كل شئ ، يكون من الصعب جدا على العراقي خارج مدارات المحاصصة ، أن يجد له مجالا أو طريقا ينفذ منه للوصول إلى النقطة التي يراها مناسبة بالنسبة له ، للبدء بمشواره للمشاركة في بناء العراق الجديد .

أخيرا ، فإن للفساد الاداري المستشري كالارضة في هيكل الدولة العراقية الجديدة ، دور سلبي يحول دون عودة الكفاءات العراقية ، على وجه التحديد ، إلى العراق .

 

السؤال السابع ؛ـ

الطائفية في العراق ، هل تنبئ عن  الدخول في دوامة جديدة من العنف ؟ وكيف تتم معالجتها ؟ أو تقريب وجهات النظر بينها ؟.

 

الجواب ؛ـ

ليس في العراق طائفية دينية ، وإنما هناك طائفية سياسية ، توارثتها الأنظمة والحكومات بتعاقب الزمن .

فالعراقيون يفخرون باحتظانهم لكل الأديان السماوية والمذاهب الاسلامية ، بل وحتى التنوع في الانتماء القومي ، لأن التعددية ، من وجهة نظرهم مصدر قوة ، وهي إنما خلقت للتعايش وليس للاحتراب ، ولذلك ، لم يشهد العراق ، وفي كل تاريخه القديم والحديث ، حروبا قومية أو دينية أو حتى طائفية ، إنما الذي شهده العراق ، هو سعي الأنظمة المتعاقبة للتعامل على أساسين شوفينيين ، طائفي مع الأغلبية الشيعية ،  وعنصري مع الاقليات القومية كالأكراد والتركمان والآشوريين وغيرهم ، من خلال التعامل مع كل هؤلاء كمواطنين من الدرجة الثانية ، فأقصوا عن السلطة التي إحتكرتها ثلة صغيرة من الساسة وحرمت على الأغلبية العراقية المطلقة ، إما بسبب إنتمائهم المذهبي أو بسبب إنتمائهم القومي .

ما يجري اليوم في العراق ، هو أن ثلة من الطائفيين والعنصريين ، لا يريدون أن يقتنعوا بأن زمن الطائفية السياسية قد ولى وانتهى ، ولذلك فهم يحاولون بكل الطرق إعادة عقارب الزمن إلى الوراء ، وهذا أمر مستحيل ، لأنه ليس في مصلحة العراقيين ، كما أنه لا يخدم أمن واستقرار المنطقة والعالم أبدا .

لقد حاولت هذه الحفنة أن تجر العراقيين إلى الفتن الطائفية والعنصرية ، فلقد قرأنا رسائلهم ورأينا أعمالهم الوحشية ، إلا أن العراقيين ، بعلمائهم ومؤسساتهم الدينية وقادتهم ورموزهم ، أفشلوا خططهم بالوعي والحكمة وسعة الصدر ، فعضوا على الجراح ، وتحملوا التضحيات ، لافشال خطط الارهابيين وعدم الانجرار وراءها 

وهذا ما كان .

 

السؤال الثامن ؛ـ

هل أنت عضو في أي حزب عراقي حاليا ؟ وما هو ؟.

 

الجواب ؛ـ

حاليا ، لست عضوا في أي حزب عراقي .

 

 

في نهاية الحوار ، أشكر الاستاذ الاسلمي ، لاتاحته لي هذه الفرصة

الكريمة ، لأتحدث ، من خلاله إلى القراء الكرام ، متمنيا للجميع التوفيق

 والسداد .

 

13 OCTOBER 2004

 

 

أرسل ملاحظاتك حول اللقاء