ملف عاشوراء 1426 هـ

 رجوع

ارشيف الأخبار

مسرح الاحتفال وركضة طويريج

 

كربلاء المقدسة: إباء

حين جاء الليل في مدينة كربلاء المقدسة..ازدادت الجموع..وازداد بريق الأضوية..النساء أخذن حافات الطريق ليلطمن على صدورهن مع مواكب العزاء..مجاميع ثلاث لكل موكب..كل مجموعة يرفع أحد الشباب لافتة كتب عليها مقطع من القصيدة..ينظر إليها المنشدون ويرددون ما كتب عليها..وما أن يصل إلى مقطع متفق عليه حتى تتوقف المجموعة الأولى لتبدأ المجموعة الثانية بالإنشاد بمقطع آخر مرتبط بالمقطع الأول وهكذا للمجموعة الثالثة..إيقاع موحد ترتفع فيه الأيادي مؤشرة إلى السماء ثم في نهاية كل مقطع تهوي الأيادي على الصدور..مئات المواكب بمجاميعها حملتها شوارع كربلاء المقدسة إلى صباح العاشر من محرم ذكرى يوم عاشوراء الحزين وكأن المدينة لم تنم على الإطلاق وقيل إن الأحياء البعيدة تمارس نفس الطقوس من خلال الاستماع إلى أصوات الرواديد عبر مكبر الصوت.

كان فجر عاشوراء اكثر ازدحاما.. الناس تأتي من كل شارع وزقاق..ليقفوا ويتجمهروا على باب قبلة الإمام الحسين (عليه السلام) مرددين ( ابد والله ما ننسى حسينا ) وكأنهم يقولون للطغاة مهما فعلتم لن نحيد عن ممارسة شعائرنا ..كانت بعض الردات تحمل هما وطنيا وتدعو إلى الوحدة والانتباه إلى المستقبل فيما كانت اغلب الردات تحكي مظلومية معركة الطف التي انتصر فيها الدم على السيف. كان الفجر قد شعشع على الساهرين اللاطمين لتبدأ رحلتنا مع ضاربي السيوف على الرؤوس والتي تسمى ( القامة ) رجال من مختلف الأعمار لبس بعضهم رداء ابيض وراح يضرب رأسه بحافة السيف الصغير الحادة ليخرج الدم صابغا ملابسه.. مشهد لا يمكن لك أن توصفه بغير إن الإنسان إذا أراد أن يحقق هدفه فلا تهمه السبل.. والإنسان الذي يريد أن يعبر عن حزنه فانه يتخذ الطريق الذي يبغيه ليصل إلى المبتغى ومرضاة الله وكأنهم يحتجون على فاجعة كربلاء ..لم يكن المشهد قد انتهى بعد.. ساعات الصباح تتسارع..ومواكب ضرب الرؤوس تركت مواقعها ليبقى المتفرجون على مسرح الشعائر أمام مواكب العزاء بانتظار ركضة الطويريج المعروفة..بعد صلاة الظهر وما أن أذن المؤذن حتى بدأت المواكب بالركض ما بين الحرمين.. من ضريح الإمام الحسين إلى ضريح أخيه العباس (عليهما السلام) ومن هناك إلى مفترق طرق متفق عليه مع اللجان المسؤولة..ركضة كأنها تريد أن تنصر المنتصرين بدمهم على المهزومين بسيفهم فيما كانت الأيادي ترتفع إلى الأعلى لتهوي على الرؤوس وهي تركض.. كان مشهد المتطوعين يثير الإعجاب..فقد مر اليوم دون حوادث كما حدث في العام الماضي وكان على هؤلاء أن يواصلوا تفتيشهم..ولان الجموع غفيرة تعد بالمئات لكل موكب..فقد كان حدسهم هو الذي شغلوه في هذه اللحظة فكانت عيونهم تراقب وأياديهم تصطاد من يشكون بهم.. يقومون بمسح كامل لملابسه ثم يتركونه.. وكان الأجمل من شباب المواكب انهم لا يعاندون الموقف فكانوا يرفعون أيديهم للمتطوع لينهي تفتيشه.

كانت ركضة الطويريج قد انتهت واخذ الراكضون يتنفسون بعمق رحيق القباب الذهبية.. عندها قال رجل كبير.. مثلما نجحنا في الانتخابات وخيبنا ظن الإرهابيين ها هم العراقيون يخيبون ظنهم مرة ثانية ويمارسون طقوسهم بكل حرية وشجاعة فقد مات زمن الخوف والرعب.

 جانب مصور :