|
القبر تحيط به الزراعات من كل جانب، مع
ذلك فإن العالم ينتهي عند هذه الحفرة العملاقة، عويل النسوة المتشحات
بالسواد لا يتوقف، كل يبحث عن الأخ، الزوج الابن وأحياناً الابنة أو
الشقيقة، الجنود الأمريكيون يحيطون بالمقبرة، يقول أحدهم إنه سوف يتم
تطويقها بالأسلاك الشائكة لحمايتها.
يقول أحمد أحد الحاضرين في المكان: (إن بعض
الناس كانوا يعلمون بسر هذه المقبرة من حارس المنطقة الزراعية إلا أنهم كانوا
لا يستطيعون الكلام طوال اثني عشر عاماً). تشير الدلائل إلى أن كل هذا الكم
من المفقودين قتل بعد انتفاضة (مارس ـ آذار) التي أخمدها نظام صدام. ويقول
أحمد: (إن نحو 60 جثة تعرف عليها أصحابها من خلال الهويات وبعض
الأوراق الثبوتية الدالة على شخصيتهم). كل الدلائل تشير إلى أن هؤلاء أخذوا
عشوائياً بعض الجثث لنساء أيضاً، شباب، رجال كلهم أتوا لهذا المكان لآخر مرة
في حياتهم عقب حرب الخليج الثانية ليرحلوا إلى العالم الآخر مقتولين غدراً.
يقول أحد الباحثين (إن هؤلاء تمت تصفيتهم على مراحل بإشراف اثنين من رموز حزب
البعث في المدينة هما (محمد جواد عنيفص، وقيس عنيفض) واللذين كانا يكافآن
بمبلغ 1000 دينار عن إعدام كل شخص.
يبحث كاظم عن رفات أحد أقربائه ويشير إلى
وجود جثث لـ 25 أو 30 مصرياً وعند سؤاله عن هؤلاء، أين كانوا قال: كانوا
يعملون في فندق الحلة (بابل) وقد تعرف البعض عليهم وأخذوا بعض الجثث لدفنها.
ويشير أيضاً إلى أن المغدورين عسكريون
ومدنيون وأطفال وشباب قتلهم صدام وجماعته. إضافة إلى أن معظم القتلى من
محافظات قريبة ويعتقد أيضاً أن في كل محافظة مقبرة وهناك العديد لم يكتشف
بعد.
طالب من مواليد 1975 من (إعدادية الفيحاء)
بالحلة، فقد منذ انتفاضة (مارس ـ آذار) الشهيرة تبحث عنه أخته وتقول أن اسمه
خالد حسن حمزة. وتضيف (خالدة) أنها لم تتعرف على أخيها فالعائلة تريد أن
تترحم عليه.
آخر يدعى إبراهيم يبحث عن أبيه وعمه وابن
عمه، الثلاثة مفقودون ولكنه لم يعثر على أي منهم مع أنه يبحث منذ سبعة أيام،
أب آخر يبحث عن ابنه (علي)، الرفات مازالت تحمل بعض الإشارات، يشك الأب فهو
غير متأكد(!).
أخرى تبحث عن أخيها محمد معصوم علي
الهاشمي، تدقق النظر في الرفات تبحث عن رقم عن أمل... ويؤكد الكولونيل لونغ
القائد الأمريكي المسؤول عن المنطقة أنه لا توجد جثث لأسرى كويتيين والطبيب
المسؤول يفيد إن هذه الجثث لعراقيين ومصريين. وعن حضور الصليب الأحمر لهذه
المقبرة يقول: إننا ننتظرهم لتنظيم هذه الرفات الكثيرة ومحاولة مساعدة كل
هؤلاء الباحثين عن أهلهم وذويهم.
رحلة الرعب إلى مقبرة الحلة ليست الوحيدة
ففي العراق آلاف المقابر الجماعية التي لم يكشف عنها النقاب بعد وآخرها كانت
داخل الكرخ بمنطقة خان (ضاري) القريبة من سجن أبو غريب الذي أعدم فيه الآلاف
حيث عثر على رفات طيار أمريكي أعدم أثناء حرب تحرير الكويت عام 1991 عند
وقوعه في الأسر وأعدمته القوات الصدامية(!).
كذلك في محافظة النجف في ناحية الشفانية
حيث تم اكتشاف مقبرة جماعية عثر فيها على هياكل عظمية لأكثر من (15) ألف جثة،
ووجدت الملابس كلها بالزي الكردي، ويعتقد أحد شهود العيان أن هؤلاء الضحايا
سقطوا في أعقاب عملية الأنفال الإجرامية عام 1990 التي راح ضحيتها نحو 182
ألف مواطن ومواطنة كردية تم دفن معظمهم أحياء في قبور جماعية وجدت في محافظتي
الديوانية والنجف وتشير الدلائل والأحاديث أن المشرف على إبادة معظم هؤلاء
محافظ النجف والديوانية خلال حكم البعث.
هذا هو حقيقة أرض نبوخذ نصر وحضارة بابل
وقد أضاف صدام حسين إلى تاريخها صفحات تقطر بالدماء وربما تمسح بوحشيتها كل
ما سبقها. |