رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

قرار العفو (العراقي) الأخير.. عن أي قرار للعفو يتحدثون!!

 

أحمد حسين إبراهيم

 

فجأة ودون سابق إنذار ـ أطلت سلطة بغداد من على شاشات فضائية الجزيرة ليعرب عن موقف غريب ـ موقفها من السجناء السياسيين في العراق. فقد قضى القرار بإطلاق سراح (السجناء) وخلال ثمان وأربعين ساعة وبقرار رئاسي وقعه صدام حسين شخصياً!!..

بعد هذه الصرعة المتوقعة نتسائل: كيف هبط السلام والسكينة على قلب صدام حسين كي يفرج عن عدد من السجناء (لو صحت رواية إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين في العراق)؟!! وكيف أخرج نظام إجرامي كنظام صدام الذي عرف بحقده الأسود وأساليبه البربرية في التعامل مع الشعب العراقي والمعارضة والجماعات السياسية في العراق على اختلاف مشاربها ومذاهبها الفكرية والوطنية والقومية؟؟

ثم.. هل إن الإفراج عن السجناء السياسيين في العراق وإطلاق سراحهم عبر مسرحية الجزيرة التي أعدّت لها السلطات في بغداد جيداً، سبب كاف لكي يكفّر هذا النظام الملطخة أياديه بدماء أبناء الشعب العراقي في الحروب والأزمات والمعارك الداخلية والإشكالات والحروب الخارجية عن خطاياه وذنوبه الكبيرة التي لا يمكن أن تغتفر وإذا قدّر وغفرت ذنوبه فلا يمكن غفرانها إلا بزواله وسقوطه ونهايته ورحيله عن أرض العراق؟.

إنها مهزلة سياسية حقاً أن يقوم صدّام بإطلاق سراح بضع مئات من السجناء، هؤلاء الذين شاهد العالم وجوه البعض منهم وهم يدعون (للقائد صدام) بطول العمر والتسديد!!.

إن هذه المسرحية الهزيلة لم تنطل على أحدٍ من أبناء الشعب العراقي وكل الضمائر الحية والعارفين بأساليب النظام وسياساته.

لكن بودنا أن نتساءل عن أسباب قرار النظام الاستثنائي هذا.. وعن مبرراته وخلفياته السياسية والأمنية. فإذا اكتشفنا هذه المبررات والخفايا والأسباب زالت الشبهة واتضحت الحقيقة.

فغير خاف على أحد أن النظام الفاشي في بغداد يمر بمرحلة سياسية وأمنية هي الأصعب طيلة أكثر من أربعة وثلاثين عاماً من وجوده في الحياة العراقية. فالقوات الأمريكية تحاصر النظام في كل مكان، والمحطات والحشودات والقواعد العسكرية الأمريكية التي بنيت خصيصاً للهجوم المرتقب باتت على مقربة من تهديد هذه السلطة بل إن العديد من المعلومات والتقارير تؤكد أن الحرب الأمريكية ضد النظام بدأت منذ وقت ليس بقصير وإن هناك قوات أمريكية فعلية في أماكن استراتيجية في العراق.

وفي الوقت الذي تقوم الإدارة الأمريكية بتصعيد مواقفها السياسية والأمنية والعسكرية ضد النظام سواء في مجلس الأمن وضرورة استصدار قرار دولي يلزم النظام بالكشف عن أسلحة الدمار الشامل تحولت كفة التهديد الأمريكية هذه إلى مسلمة أساسية لا يمكن لواشنطن أن تتراجع عنها، الأمر الذي يؤكد أن الرئيس بوش ماض في سياسة إسقاط النظام الفاشي في بغداد ولا مجال للتراجع عن هذا القرار.

النظام بدوره وجد نفسه أمام قرار لا يمكن للعالم كله لو اجتمع لم يستطيع أن يغير فيه من شيء.

هذا لا يعني أن النظام لم يستخدم ولم يتعاط العمل بالأساليب الدبلوماسية والسياسية والأمنية وتقديم نفسه كشرطي أمريكي جاهز لخدمة أغراض الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وفي المنطقة العربية. بل تشهد الوثائق ومجمل اللقاءات والدعوات التي أطلقها النظام في بغداد للحوار مع واشنطن أن صدام لم يترك باباً إلا وطرقه ولم يترك وسيلة سياسية أو دبلوماسية إلا ومارسها وأخذ بها لكي يخرج من دوامة النفق المظلم الذي وضع نفسه فيه، لكن كل الجهود والأساليب هذه لم تفلح بزحزحة موقف الرئيس بوش وتمسكه بقرار الإطاحة بالنظام. النظام - وكما يعرفه جيداً - لن يقدم أية تنازلات لصالح استقرار المجتمع العراقي، وعدم تقديم التنازلات (عقيدة) في عقلية النظام، فلا يمكن أن يتوقع الشارع العراقي يوماً خيراً من صدام وزمرته وجهازه الإرهابي المرعب، كون هذا النظام تأسس بعقيدة الصدام مع الأمة وسحق إرادتها وتدمير طاقاتها وإمكانياتها وثرواتها وذبح فقهائها وعلمائها ومفكريها ومحاربة عقيدتها الإسلامية. والتجربة السياسية السابقة ومنذ مجيء البعث العراقي 1968 شاهدة على إجرامه وإرهابه، والمعارضة العراقية تعرف جيداً أن النظام ما إن يصدر قراراً بالعفو عن (الهاربين) و(السجناء السياسيين) وخصومه من كل الاتجاهات والتيارات إلا ويتبع هذا القرار بحفلة دم كبيرة تغطي مياه دجلة وتدخل التاريخ من أوسع أبوابه الموصدة.

حدث هذا الأمر في أواسط السبعينات حين احتاج النظام لتهدئة الساحة السياسية العراقية الداخلية فعقد اتفاقاً مع الحزب الشيوعي العراقي أواسط السبعينات كي يتفرغ للصراع مع شاه إيران، وما أن تم اتفاق الجزائر بين صدام ممثلاً آنذاك نظام البعث العراقي وشاه إيران بحضور الرئيس الجزائري هوراي بومدين حتى انقضّ على كوادر الحزب الشيوعي العراقي ذبحاً وقتلاً وملأ المعتقلات بالآلاف من عناصر هذا الحزب، لقد وقع صدام اتفاق الجبهة الوطنية مع الشيوعي العراقي بالحبر لكنه عاد ونقض الاتفاق وألغاه بالدم.

بعد توقيع النظام 1975 اتفاقية الجزائر مع إيران، وبوجود صدام نفسه، عاد النظام ونقض الاتفاق 1979 وألغاه بالدم في حرب شرسة كونية ذبحت أكثر من مليون مواطن عراقي وإيراني إضافة إلى تدمير منظم لاقتصاديات هذين البلدين الإسلاميين. وعطل جهود العراق وإيران في الوقت الذي كان يكن للثورة الإيرانية وإمكانات العراق أن يحقق الكثير في طرح الأمة العربية والإسلامية ضد أعدائها التقليديين.

نذكر هنا أن النظام لم يوقع قراراً بالحبر إلا ليتبعه بقرار ملغى بالدم، ولم يوقع اتفاقاً معيناً في الداخل إلا لشعوره أن هذا القرار مقدمة أساسية للانقضاض على الضحية، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

ما يهمنا أن القرار الأخير القاضي بالعفو عن السجناء السياسيين لم يأت من فراغ، بل جاء انسجاماً مع ظروف سياسية حرجة وتطورات خطيرة يعيشها النظام ويشعر أن الشارع العراقي المحتقن ضده وضد سياساته بحاجة إليه.

إن النظام يشعر بأن كل الدبلوماسية (الحديثية) ودبلوماسية روسيا والصين وفرنسا لم تنفعه لمواجهة غول الهجوم الأمريكي القادم لذا يعتقد أن إطلاق السجناء وهم وعوائلهم الشريحة الأوسع والأعرض من أبناء الشعب العراقي وإطلاق قرارات العفو عن الهاربين والموقوفين والنشطاء السياسيين في الداخل والخارج سيخفف من (الفورة الهائجة) والغضب الجماهيري الواسع، بل والأهم من ذلك كله الخوف من انتفاضة شعبية عارمة تطيح به وبنظامه ربما تترافق مع عمليات نوعية واستراتيجية تقوم بها القوات الأمريكية وفصائل من المعارضة العراقية، وإلا فإن المعارضة العراقية لم تنظر لهذه القرارات ولمسرحية استعراض السجون وهتافات عوائل المسجونين إلا بكونها سياسات ترقيعية لم يستهدف النظام عبرها إلا تنفيس الحالة الداخلية المحتقنة مع يقين مطلق بأن النظام لو استعاد حيويته وابعد شبح الحرب والإسقاط عن ساحته فإنه يعاود ذات أساليبه الإرهابية عبر الاعتقالات الأشد شراسة تترافق مع مشاريع لا نهاية لها من إعدام الآلاف من أبناء العراق الذين تمتلئ بهم سجون الرضوانية والخاصة وسجون تحت الأرض بنيت عليها أسواق شعبية وبنايات لمؤسسات حكومية.

إننا نعتقد جازمين أن النظام لم يطلق سراح بعض السجناء ويتحفظ على القسم الأهم من السجناء السياسيين وسجناء الرأي وأبناء الحركة الإسلامية من الذين يمثلون (بقية السيف) بعد شوط طويل من الإعدامات في السجون الرهيبة طوال أكثر من أربعة وثلاثين عاماً، لم يطلق سراحههم إلا لشعوره بالضعف والهزيمة أمام السياسة الأمريكية وحملتها العسكرية وإلا لمَ لم يطلق سراح هؤلاء في السنوات الماضية يوم كانت الساحة العراقية بحاجة إلى إنعاش أمل الإصلاحات السياسية وإمكانية التوصل إلى (حل ما) يفضي إلى تجنيب البلاد كوارث الذبح والتصفيات والهجرات المليونية؟.

إن نظام صدام يخشى من دخول لجان مفتشين دوليين يطالبون النظام بفتح السجون والتحقيق في حالات انتهاك حقوق الإنسان في العراق وفق القرار 688 ولو أمكن للأمم المتحدة الكشف عن جرائم النظام وإباداته وما يجري في السجون والمعتقلات من أهوال لكان القرار 688 وحده كاف بإدانة النظام وتقديمه لمحاكمة دولية باعتباره ضد الإنسانية.

لذا نعتقد أن النظام سارع إلى إطلاق سراح بعض السجناء في مشهد صوري لكي يقول للمنظمات الإنسانية والأمم المتحدة أن العراق خال من المعتقلين السياسيين والحقيقة هي أن السجون السرية كالأسلحة المحرمة دولياً. لا يعرفها إلا صدام وبطانته.

نحن نعتقد في نهاية المطاف، إن هذا النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن يدّعي أن صدام بدأ يتحول وإن ما تم صحوة ضمير. فنحن نقول لهم بأن الذين يذبح بين ليلة وضحاها (180) ألف مواطن عراقي بالسلاح الكيماوي في عمليات الأنفال ويطلق الرصاص على مرجع في الشارع ويصفي بيديه الصدر الأول ويعدم مئات الآلاف من أبناء الحرية الإسلامية والوطنية في العراق ويدخل البلاد في أنفاق الحروب والمواجهات والحصار لا يمتلك ذرة ضمير حي.

إنها مسرحية ساذجة لا تنطلي حتى على السذج...

وكان الله بعونك يا شعب العراق..

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع