![]() |
|
واشنطن تحضر ملفات محاكمة صدام ودستة الأشرار |
|
لم تقرر الولايات المتحدة حتى الآن إعلان الحرب ضد العراق، ولكن إدارة الرئيس جورج بوش تعمل لوضع الأساس لمحاكمة صدام حسين ومن تسميهم بـ(دستة الأشرار) من المسؤولين العراقيين، بتهم منها القتل على الهوية والتطهير العرقي والقتل الجماعي والاغتصاب وغيرها مما يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يحاكم عليها القانون الدولي. وتعطي قائمة المطلوبين العراقيين لارتكابهم جرائم الحرب فكرة عن الكيفية التي يحكم بها صدام. فنصف المطلوبين هم من عائلة صدام، وبينهم ابناه عدي وقصي وثلاثة من اخوته غير الأشقاء، وابن عمه. يأتي بعد صدام مباشرة في هذه القائمة اسم علي حسن المجيد الملقب بـ(علي كيماوي) لدوره في عمليات (الأنفال) عام 1988 التي استخدمت فيها الأسلحة الكيماوية لقتل عشرات الآلاف من الأكراد في شمال العراق. وهو ابن عم صدام ومسؤول مباشرة عن قمع انتفاضة 1991 في شمال العراق وجنوبه التي قام بها الأكراد والشيعة بتشجيع من إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الأب. وقتل نحو 130 ألفا على الأقل من المدنيين خلال حكم صدام الذي استمر 23 سنة. ولكن هذا الرقم يمكن أن يكون مجرد جزء ضئيل من العدد الحقيقي حسبما تفيد مجموعات حقوق الإنسان والمسؤولون الأميركيون. وبين هؤلاء راح عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، ضحايا الهجمات بالأسلحة الكيماوية. وتنفيذا لحملات التطهير العرقي، طرد حوالي 120 ألفا من الأكراد والتركمان والآشوريين، من المنطقة المحيطة بمدينة كركوك الشمالية. ولم يكن من بين المطرودين عربي واحد، لان الهدف من التطهير العرقي كان (تعريب) المنطقة الغنية بالنفط، كما كانت الحكومة العراقية والمنظمات الخاصة تعلن وقتها. هذا التطهير العرقي الذي شهدته المناطق الشمالية المعروفة بكردستان، تسارعت وتائره في الآونة الأخيرة، حسب تقارير منظمة (هيومان رايتس ووتش). وفي كل أسبوع تقريبا، يجري طرد ما بين ثلاث أسر وعشرين أسرة من مدنهم وقراهم، كما صرحت بذلك هانية المفتي، في (هيومان رايتس ووتش)، والتي عادت لتوها من رحلة تقصي الحقائق في المنطقة. وتدل الحركة النشطة حاليا لإعداد ملفات جرائم الحرب التي تشارك فيها وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون والأجهزة الاستخبارية على قوة التوجهات لإزاحة صدام والتحضير لفترة خلافته. قال بيار ريتشارد بروسبر، السفير فوق العادة بوزارة الخارجية، والمختص بشؤون جرائم الحرب والمدعي السابق بمحكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة في رواندا: (من المهم أن نقوم بواجبنا في توثيق المخالفات والخروقات، وفي جمع الأدلة التي تحدد المسؤولين عن هذه الجرائم. نحن نشعر بأهمية أن تكون هناك مسؤولية عما حدث. فلا يمكنك أن تتجاهل هكذا ببساطة موت اكثر من 100 ألف شخص). وقضية العدالة مهمة كذلك بالنسبة للعراقيين، وذلك لتضميد الجراح الغائرة، وللشروع في بناء الأمة من جديد. قال سرمد الصراف المحامي العراقي ـ الأميركي المقيم في لوس أنجليس، والذي يعمل مع وزارة الخارجية حول قضايا الفترة الانتقالية: (بالنسبة للعراقيين وللمجتمع الدولي، فان محاكمة جرائم صدام ضد الإنسانية ليست اقل أهمية من معالجة قضية ملكيته لأسلحة الدمار الشامل واستخدامه لهذه الأسلحة). وتنظر الولايات المتحدة حاليا في ثلاثة أنواع من المحاكم ليمثل أمامها مئات من قادة الجيش ومسؤولي حزب البعث الحاكم في العراق وموظفي الحكومة وعناصر الأمن والمخابرات، المتهمين بارتكاب جرائم الحرب. ويحظى هذا المسعى الأميركي بدرجات متفاوتة من التأييد من قبل مجموعات المعارضة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان. ويقول المسؤولون الأميركيون انهم سيبتدعون هذه المرة نظاما مختلفا عن ذلك الذي اتبع في يوغوسلافيا السابقة ورواندا، وانهم يفضلون نظام إنشاء محكمة تحاكم كبار المسؤولين العراقيين داخل (العراق الحرة)، بواسطة قضاة عراقيين وأجانب، وربما يكون من ضمنهم قضاة أميركيون. وستحاكم هذه المحكمة كبار المسؤولين، الذين يتجاوزون (دستة الأشرار) المشار إليها، وذلك لخرقهم القوانين العراقية والمعاهدات الدولية. قال بروسبر، المدعي السابق في منطقة لوس أنجليس والذي شارك في إدانة عصابات قوية هناك: (عندما يتم تغيير النظام فان المنبر القضائي المناسب سيكون داخل البلاد. في عراق حر ديمقراطي). وتدعم هذا المبدأ جمعية الحقوقيين العراقيين التي يوجد مقرها في لندن وتضم عددا من المحامين العراقيين المقيمين في المنفى. كما يدعم هذا المبدأ أربعون من القضاة والخبراء القانونيين وأساتذة القانون العراقيين المقيمين في المنفى. وقد التقى هؤلاء في إيطاليا في الشهر الماضي لمناقشة إنشاء نظام عدالة انتقالي في العراق بعد إسقاط صدام حسين. وهذا النموذج للمحاكمة المفترضة لكبار المسؤولين العراقيين اقترح نتيجة لمعارضة إدارة بوش للمحكمة الجنائية الدولية، حسب ما تقوله بعض منظمات حقوق الإنسان. إذ ستبدو واشنطن في موقع المنافق إن هي طلبت تفويضا من الأمم المتحدة لتشكيل محكمة تتعلق بجرائم الحرب في العراق. ويستعمل حاليا تشكيل مهجن مماثل يضم محامين وقضاة للتعامل مع جرائم الحرب التي نجمت عن الحرب الأهلية في سيراليون في غرب أفريقيا، على الرغم من أن خبراء حقوق الإنسان قلقون بشأن السابقة التي سيفرضها هذا التشكيل إذا تم استخدامه في العراق. وقال تشارلس فوريست المدير التنفيذي لـ(إندايت) (توجيه الاتهام): (إنه إجراء عملي، لكن المجتمع الدولي يحب أن يرى هؤلاء الناس وقد حوكموا وفق القانون الدولي الخاص بالجرائم ضد الإنسانية خصوصا أن هذه الجرائم أكثر بشاعة من أي جرائم وقعت قبلها). و(إندايت) هي منظمة دولية مقرها لندن وتقوم بتجميع المعلومات حول جرائم الحرب العراقية. وبعد محاكمة القادة الكبار، سيُترك المستوى الثاني من الجرائم التي قد تصل إلى مئات أو آلاف القضايا إلى المحاكم المحلية لاحقا حسب ما قاله المسؤولون الأميركيون. أما بالنسبة للمستوى الثالث من القضايا التي تحتل الجزء الأكبر فقد لا تمر بأي محكمة بل يتم التعامل معها من خلال لجنة للحقيقة والعدالة بطريقة تشبه ما جرى في جنوب أفريقيا، حيث سيمنح العفو مقابل الاعتراف بكل الجرائم التي اقتُرفت. وفي هذا الصدد قال بروسبر: (هناك شيء واحد يجب تعلمه من جرائم الحرب التي جرت في شتى أنحاء العالم وهو أنه من المستحيل محاكمة كل مسيء، لأن العدد سيكون كبيرا جدا. عليك أن تتعامل مع القادة لإرسال إشارة قوية تعزز فكرة أن العدالة ستنتصر. لكن طريقة التعامل مع القضايا يجب أن تكون مرنة، حسب متطلبات المجتمع). ولتجنب وقوع عمليات انتقام بعد تغيير النظام في بغداد أصدرت جمعية الحقوقيين العراقيين في المنفى نداء إلى العراقيين في الداخل طلبت فيه منهم عدم أخذ القانون بأيديهم. وقال الصراف الذي شارك في اجتماع إيطاليا في الشهر الماضي إن (هناك مئات الآلاف من أعضاء حزب البعث الذين انتموا إليه بشكل رئيسي من أجل تحسين مواقعهم الوظيفية أو حفاظا على حياتهم ولكنهم ليسوا مذنبين في أي جريمة... كذلك هناك الشخص الذي قتل شخصا آخر بناء على أوامر صدرت إليه رغما عنه فالأفراد الذين قتلوا بدون إرادتهم تحت خطر فقدانهم لحياتهم يجب أن يُسمح لهم باستخدام هذا المبرر للدفاع عن أنفسهم). ويأتي قرار التهيؤ لإجراء محاكمات جرائم الحرب العراقية بعد مرور أحد عشر عاما على وقوعها، على الرغم من توفر معلومات غزيرة حولها، وشهادات شهود العيان وأكثر من ثمانية عشر طنا من الوثائق العراقية التي تم الاستيلاء عليها حسب بعض قوى المعارضة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان. وقال مايكل أميتاي مدير المعهد الكردي في واشنطن إن وقتاً طويلاً فشلت فيه الولايات المتحدة في أن تلعب دورا قياديا في محاكمة هذا النظام، وكان بالإمكان القيام بذلك. كان بإمكان الولايات المتحدة أن تشكل جهازا يكشف عن الطابع الإجرامي للنظام العراقي ثم عزله عن طريق إلزام الآخرين باعتقال وتسليم أي مسؤول عراقي يقوم بزيارة إلى الخارج... لا بدّ أننا كنا في غير المكان الذي نحن فيه الآن لو اتُخذ إجراء ما في الوقت المناسب).
|