![]() |
|
مستقبل العراق السياسي في ضوء التوجه الأميركي |
|
* محمد بحر العلوم
لم تنجح (المسرحيات) التي لجأ إليها الرئيس صدام حسين في الآونة الأخيرة في تغيير قناعة العراقيين بماهية هذا النظام الديكتاتوري ولا إصرارهم على تغييره، كما لم تبدل من النظرة الغربية عن خداعه المستمر وعدم احترامه المواثيق الدولية. وأولى (المسرحيات) قبول النظام العراقي عودة المفتشين للإيحاء بالتزامه بقرارات الأمم المتحدة على رغم سجله الحافل بعدم التعاون مع المفتشين واستهانته بالقرارات الدولية. والمسرحية الثانية كانت ما سمي بـ(الاستفتاء) والثالثة (العفو العام) عن السجناء. وإذا كانت مسرحية استفتاء المئة في المئة أسخف من أن يتناولها المرء لسقامتها ودرجة الاستهانة بعقول الناس، فان المسرحية الثالثة، وبعد أيام على بدء عرضها اتضح خواءها وكذب مزاعمها، إذ لم تطلق السلطات أي سجين سياسي، فضلاً عن استمرار غموض مصير مئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين. وإذا نجح النظام العراقي، بقبوله عودة المفتشين من دون قيد أو شرط، في عرقلة الضربة العسكرية الأميركية المتوقعة له لكنه لم يكسب في المقابل أي أرضية جديدة، خصوصاً مع تشكيك الإدارة الأميركية بصدقية القرار العراقي وجديته، واعتباره (تكتيكاً)، مستندة في ذلك إلى مواقف سابقة للنظام في مثل هذه الأزمات الخطيرة. لسنا الآن في صدد تصديق أي طرف أو تكذيبه، فلكل منهما حجته ورأيه. ويستمر في غضون ذلك الواقع المر الذي يعيشه الشعب العراقي بوتيرة متصاعدة، على وقع طبول الحرب التي تقرعها الولايات المتحدة من جهة والسياسات المتلاعبة والعبثية التي يمارسها النظام من جهة ثانية. وزادت هذه التعقيدات حال الشعب العراقي اضطراباً. فهو ما زال يعاني من قمع النظام وبطشه، ولا يرى في الأفق أي ضوء يؤشر إلى إنهاء محنته، مع غياب أي منقذ له في إنهاء هذه المحنة، خصوصاً مع الضبابية التي تطبع الأفق الخارجي - سواء على المستوى العربي أو الإسلامي أو الدولي - في التعامل مع هذه القضية المصيرية، فضلاً عن تهالك دول عربية وغير عربية لإنقاذ نظام صدام حسين من السقوط. وما يؤلم الشعب العراقي المغلوب على أمره تغييبه عند جرد معطيات المصالح العربية والإقليمية والدولية، وعدم النظر إلى استمرار بطش النظام وسطوته وقمعه اليومي للمواطنين الأبرياء، بل وتلمس بعضهم تبريرات باتت سقيمة الدلالة لفرط تردادها، التي تعبر بوضوح عن موقف صارخ معاد للشعب العراقي، كالقول إن التغيير في العراق (قد يفتح أبواب جهنم)، كما نقل عن أحد المسؤولين العرب، متناسياً ما يكابده الشعب العراقي من موت ودمار يومي على يد هذا النظام الديكتاتوري. وما يهمنا اليوم هو البحث في المستقبل السياسي للعراق في ظل التوجه الأميركي الحالي. من الأمور التي لا تحتاج إلى بيان أن العراق يعيش منذ وصول الحكم العسكري للسلطة إلى هذا اليوم ظروفاً استثنائية إذ غُيبت عنه الديموقراطية والعدالة السياسية والدستور. وبقيت السياسة الأميركية تجاه العراق تتسم منذ تحرير الكويت بـ(احتواء) النظام إلى حين إصدار الكونغرس الأميركي في 1998 (قانون تحرير العراق) الذي يلزم الإدارة بانتهاج سياسة تتطابق مع هذا القانون الذي يدعو إلى تغيير النظام. ودأب البيت الأبيض على إطلاق تصريحات بين الحين والآخر يعلن فيها تصميمه على تغيير نظام صدام من دون أن نلمس جدية في الجهود لتنفيذ ذلك، إلى أن جاءت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) العام الماضي وتصاعد الحديث الأميركي عن ضرورة تغيير النظام العراقي بحجة تشكيله خطراً على أمن المنطقة واستقرارها فضلاً عن تهديد الأمن القومي الأميركي، فيما جرى تجاهل معاناة العراقيين في الداخل الذين أصابهم نصيب كبير من القمع والقتل والتعذيب والسجن، فيما تجاوز عدد اللاجئين في الخارج أربعة ملايين يبحثون عن ملجأ آمن من بطش النظام وظلمه، حتى وصل به المطاف أن اتهم غالبية الشعب العراقي - وهم شيعة العراق - في جريدته الرسمية بأنهم (أولاد زنى). وما يجب التشديد عليه دائماً هو أن الشعب العراقي قدّم منذ مجيء هذا النظام تضحيات جسام، في الأنفس والإمكانات، في سبيل تغييره، فقتل منه وسجن عشرات الآلاف وشُرد مئات الآلاف، ولم يستطع على رغم ذلك تحقيق هذا الهدف. ومن جهة أخرى، لا يساورنا شك ولا شبهة في أن الدول العربية والإسلامية عاجزة، حتى وإن أرادت، عن تغيير النظام الحالي. وفي تقديرنا فان الدولة الوحيدة القادرة على التغيير هي الولايات المتحدة لأسباب عديدة، أهمها قوتها العسكرية الضاربة وقدرتها على التنفيذ منفردة إذا شاءت. أما الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة لإسقاط نظام صدام فعديدة أهمها اثنان: أولاً - يعتبر العراق أغنى بلد في المنطقة إذ يمتلك ثاني اكبر احتياطي نفــطي في العالـــم. ثانياً - موقع العراق الاستراتيجي في المنطقة إذ تحيط به ست دول مهمة: إيران وتركيا والسعودية والأردن وسورية والكويت، وهي دول تزخر بمنابع النفط والثروة المعدنية. وبذلك يشكل العراق مفتاح المنطقة. وهذان الأمران مهمان للغاية في حسابات الولايات المتحدة، ويدوران في ذهنها منذ زمن، لكن الظروف السياسية لم تكن تساعد واشنطن على تحقيق أهدافها. ولا شك في أن تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول أحدثت منعطفاً تاريخياً، دفع الأميركيين إلى رسم معادلة سياسية جديدة أسدل من خلالها الستار على سياسة (الاحتواء) لمصلحة تبني سياسة (الهجوم الوقائي) تحت شعار (محاربة الإرهاب). وبدأت أميركا بتنفيذ استراتيجيتها في رسم معالم النظام العالمي الجديد مستفيدة من المقومات التي تمتلكها وهي التفوق العسكري والقدرة الاقتصادية والكفاءة التكنولوجية والمعلوماتية. وليس خافياً أن الهدف الأول في الاستراتيجية الأميركية الجديدة السيطرة بشكل كامل على منابع الطاقة في العالم خصوصاً النفط، لا سيما إن الدراسات أثبتت إن ليس هناك بديل من النفط خلال العقدين المقبلين. ومستفيدة من أحداث أيلول، واتهام حركة (طالبان) وتنظيم (القاعدة) بالوقوف وراءها بدأت الولايات المتحدة تطبيق المرحلة الأولى من استراتيجيتها الجديدة، فتمت السيطرة على أفغانستان وتغيير نظام (طالبان) المتخلف، والتمركز قرب منابع الطاقة في جمهوريات آسيا الوسطى، ولمواجهة أي خطر استراتيجي صيني، فضلاً عن إحكام الطوق حول منطقة الخليج. كما تحركت لمواجهة الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بدعمها السياسات العنصرية لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون تجاه الفلسطينيين وتقويض السلطة الفلسطينية، والعمل على تغيير الرئيس ياسر عرفات، وصولاً إلى إذلال الزعماء العرب، بعد تجميد احتمالات اللجوء إلى استخدام المقاطعة النفطية كسلاح. مما تقدم يظهر جلياً إن أميركا لن تعمد لتغيير النظام العراقي من اجل عيون العراقيين، أو من اجل كرامتهم التي أذلها صدام حسين على مدى أكثر من ربع قرن، وإنما من اجل تأمين مصالحها الاقتصادية، وفي رأسها السيطرة على أغنى مناطق ومنابع الطاقة في العالم. السؤال الملح الآن: ما هو موقف الإنسان العراقي، خصوصاً المعارض، من هذا الاندفاع الأميركي? قبل الإجابة أود أن أعيد التذكير بأن معارضة الشعب العراقي للأنظمة الديكتاتورية، خصوصاً النظام البعثي الحاكم، تعود جذورها إلى فترة تشكيل ما سمي وقتها بالحكم الوطني، وتصاعدت المعارضة مع وصول صدام حسين إلى السلطة، علماً بأن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا يقفون إلى جانب الأنظمة الحاكمة، بل ويساندونها حينما كانت مهددة بالسقوط. ولا تزال ذكرى انتفاضة آذار (مارس) 1991 ضد نظام صدام ماثلة في الأذهان حيث تم تحرير 14 محافظة من أصل 18 لولا تدخل واشنطن وسماحها للنظام باستخدام الأسلحة الثقيلة خصوصاً المروحيات لقمع الانتفاضة. والآن تعلن الولايات المتحدة عن رغبتها بإسقاط النظام، لتقترب بموقفها هذا من موقف المعارضة، وليس العكس. وهنا، وفي هذه اللحظة، التقت مصالح الولايات المتحدة مع مصالح الشعب العراقي بتغيير النظام الحالي، كل لأسبابه. ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الاستفادة من التقاء المصالح، واستثماره وتفعيله باتجاه مصلحة الشعب العراقي والوطن في مرحلة التغيير وما بعدها? ويتحتم علينا هنا التركيز على النقاط الآتية: أولاً - رفض أي مساومة على مبدأ تغيير النظام، ولن نحيد عن هذا المبدأ بحجة ترتيب الأولويات. ولا بد في هذا الإطار من تشجيع كل حوار بناء مع القوى والدول ذات الشأن بالقضية العراقية، شرط توفر الجدية والاحترام المتبادل، والتشديد على كل عمل إيجابي مهما كان حجمه يساهم في دفع عملية التغيير للإمام، وتثمين كل المواقف المتضامنة مع محنة الشعب العراقي. وستحتفظ ذاكرة الشعب العراقي بكل المواقف، وسترد الجميل مستقبلاً. كما نشدد على رفض التغيير في وجه النظام فقط، ورفض استبدال ديكتاتور بآخر. ونؤكد رفضنا تحديداً تسلم أي ضابط الحكم مهما كانت الحجج، كالحفاظ على استقرار الأوضاع وحفظ الأمن. ثانياً - إن استقرار العراق واستتباب الأمن في المنطقة يتطلبان بناء عراق تتوفر فيه مقومات الديمومة، وهذا يستدعي التشديد على عدة نقاط: - الحذر من استسهال مصادرة قرار الشعب أو تجاوز إرادته، والعمل بحزم على استقلال العراق وسيادته. - تأكيد حق الشعب في اختيار نوع الحكم عن طريق الاستفتاء الشعبي وتحت إشراف الأمم المتحدة، واحترام الوعود المعلنة المتعلقة بهذا الأمر. ثالثاً - في المقابل، على فصائل المعارضة العراقية بكل أطيافها واجبات ومسؤوليات تتطلبها المرحلة الراهنة، ومن أهمها: 1 - توحيد الخطاب السياسي الذي يعكس آمال الشعب في مستقبل الوطن، وكيفية التعامل مع المستجدات الخارجية واستثمارها لمصلحة الهدف المشترك وهو تغيير النظام وإقامة نظام ديموقراطي يحترم حقوق الإنسان. وللوصول إلى ذلك نركز على ضرورة مشاركة كل الطيف العراقي في إقرار الخطاب السياسي، ورفض سياسة الإلغاء، واحتضان كل الجهات والشخصيات - مهما اختلفت الأيديولوجيات وأساليب العمل - التي عملت على مواجهة صدام ونظامه. إن الشعب العراقي في الداخل والشتات في المنافي يرنو إلى اخوته في الخارج نحو تحرك سياسي واع يساهم في ردم الفجوات، والابتعاد عن المصالح الذاتية، وتحقيق الحد الأكبر من الوحدة السياسية. 2 - إن تتبنى المعارضة العراقية شعار التسامح والمصالحة، ونبذ سياسة العنف والتعصب، والتحلي بروح العفو والصفح، بخاصة مع المغررين والسذج ممن عملوا مع النظام. 3 - إن الحال المزرية التي يعيشها شعبنا اليوم في ظل ثلاثة عقود من الديكتاتورية تتطلب جهداً استثنائياً لاستثمار كل الطاقات والكفاءات العراقية، لوضع الخطط الضرورية لإعادة بناء العراق وضخ الحياة فيه بإيمان وجدية. رابعاً - إن المعارضة العراقية، بشقيها الداخلي والخارجي، مسؤولة بشكل أساسي عن عملية تغيير النظام، وهي على استعداد، من أجل تحقيق هذا الهدف النبــــيل، للتعاون مع أي قوى خارجية - ما عدا إسرائيل - على أساس مشروع وطنــي واضح قائم على الاحترام المتبادل واحترام استقلال قرار المعارضة. ونناشد خصوصاً مجلس الأمن، تفعيل قراره 688 المتعلق بضمان حقوق الشعب العراقي، كما نطالبه بتضمين أي قرار جديد بشأن عمليات التفتيش عن الأسلحة فقرة تشدد على ضرورة تطبيق هذا القرار. أخيراً، بودي أن اهمس في آذان هؤلاء المتهالكين على بقاء صدام، من عرب وغير عرب، مسلمين وغير مسلمين: هل فكرتم للحظة، وبقدر ما تفكرون ببقاء النظام الحالي، بالوضع المزري للشعب العراقي في الداخل والخارج، الذي عانى، ولا يزال، الويلات من هذا النظام ما لم يعانه أي شعب آخر? هل تذكِّرون صدام بقرار مجلس الأمن رقم 688 الذي يطالب النظام باحترام حقوق الإنسان، ولا نقول لكم إلزامه لأنكم أعجز من ذلك? إننا نؤكد أن ذاكرة العراقيين ستحتفظ بكل المواقف، كما نذكر بأن الشعب لن يفنى والنظام زائل لا محالة.
*معارض عراقي
|