رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

كَردي نَكردي

 

* محمد الرميحي

 

هذه العبارة الموضوعة في رأس المقال أخذت من الفكر السياسي العربي ما لم تأخذه عبارة أخرى من شدّ وجذب، تصديق وتكذيب، تأصيل وتشكيك، بل قامت عليها فلسفات ثم بنيت حولها دول إسلامية، وتدفقت لنصرتها أو لدحضها انهار من الدماء ولا تزال تفعل، بمعناها الفكري، فعلها في حياتنا السياسية.

نُسبت العبارة إلى سلمان الفارسي، أحد صحابة الرسول المقربين، عندما أبلغ بعد دفن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، أن القوم في اجتماع سقيفة بني ساعدة قد اختاروا أبو بكر (عبد الله أبن أبي قحافة) لخلافة الرسول، فنُقل عنه قوله (كَردي نَكردي)) أي لقد فعلوها ولم يفعلوها، أو لقد أصبتم ولم تصيبوا.

ربما قالها سلمان الفارسي وقتها، وربما قيلت نيابة عنه بعد ذلك بعشرات السنين، فليس لدينا توثيق كامل ودقيق معتمد ومتفق عليه حول تاريخ الإسلام الأول. وربما هي مقولة من صناعة أشياع سلمان، وأشياع أهل البيت، الذين اعتقدوا أن الخلافة لا بد أن تكون في هذا البيت ولا تخرج منه، كل ذلك هو في ذمة التاريخ.

إلا أن للعبارة صداها اليوم في حياتنا السياسية والثقافية، فالانتساب لـ (أهل البيت) من جهة هو توق يرنو إليه الكثيرون من أهل الحكم في عصرنا، خصوصاً إذا كان الحكم غير مؤسس على رضا الناس بالمعنى الحديث للعبارة. ومن جهة أخرى فإن العمل السياسي العربي يؤتي في الغالب بنصف حل، لذا فإن ذلك القول ليس بجديد، وفي التاريخ العربي الحديث سلسلة من محاولات الانتماء إلى ذلك الفرع من العرب (أهل البيت) تأسيساً على أحقيته في الحكم، ولم يعد التاريخ بكل أحداثه التي نعرف يؤكد أن هذا ما حصل، وفي الوقت نفسه يتضمن ذلك القول لجوءاً إلى أنصاف الحلول.

ليس المقام هنا ذكر التاريخ القديم، ولو أن تأثيره ماثل بشكل ما في ممارستنا العربية الحالية، فهو يطل علينا برأسه كل يوم تقريباً مستفيداً من تجهيل بالغ الأثر في جماهيرنا. ولكن، للتذكير، نتحدث عن التاريخ المعاصر، ففي السادس من أيار (مايو) 1952 وقبل شهرين فقط من قيام الثورة المصرية، نشرت جريدة (الزمان) القاهرية خبراً مفاده: تشرف فضيلة السيد محمد الببلاوي (نقيب الإشراف) وسعادة حسين الجندي (باشا) وزير الأوقاف (السابق) بلقاء جلالة الملك، رافعين لجلالته تقريراً عن تحقيق نسب جلالته، وثبوت صحة نسب (جلالة الملك المعظم إلى السلالة النبوية الشريفة)... وبعد شهرين أطيحت الملَكَية بكاملها من مصر.

لم يكن ذلك هو الرمز الوحيد في حياتنا السياسية المعاصرة ولا هو الأخير. ففي العراق توق للانتساب إلى السلالة الشريفة وتحديد رموز دينية بإسقاطات سياسية لها، ففيصل الأول نصب ملكاً على العراق في يوم الغدير، اليوم المعظّم لدى طائفة كبيرة من المسلمين. ويحاول البعض من الحكام، منهم من جاء إلى الحكم على رأس عائلة أو على أسسها، أو من جاء على متن دبابة في فجر يوم انقلابي، أن ينتسب ولو جبراً إلى تلك السلالة، وآخرهم بالطبع السيد صدام حسين الذي اجتهد بعض مؤرخي العراق، ربما مجبرين، لجعل نسبه ينتمي إلى الإمام علي (عليه السلام).

فعلوها و لم يفعلوها، أو بعبارة أخرى (فعل وكأنه لم يفعل) لا تلتزم فقط خلافاً على السلالة، بل خلافاً أيضاً على السلوك السياسي، فتلك العبارة القديمة الجديدة لا تزال بيننا في عشق الانحياز إلى أنصاف الحلول، والقول العلني مع نقيضه العملي. فهل أطلق صدام حسين حقاً كما يقول نظامه ويؤكد كل المساجين العراقيين من السجون والذين جند للإعلان عن إطلاقهم كل القدرات المتوفرة في المؤسسة الإعلامية للدولة العراقية، أم انه أطلق القتلة والنصابين والمزورين والمغتصبين، واحتفظ بالسياسيين وأهل الرأي، أو تمت ربما تصفية الأخيرين منذ زمن طويل?

بل أن المفارقة الأكبر أن الإعلان الرسمي يتحدث عن مساجين سياسيين، في الوقت الذي نفى بقطعية شديدة السيد طارق عزيز، في دمشق الأسبوع قبل الماضي، وجود مساجين سياسيين في العراق، بل قال للسائل غاضباً: (هات قائمة بأسماء أي معتقلين سياسيين، وأنا أعدك باسم السيد الرئيس القائد صدام حسين، وباسمي وباسم القيادة أن يتم إخلاء سبيلهم فوراً). وصمت الأستاذ لحظة ثم أضاف: (انه لتدجيل رخيص أن تطرح قضايا كهذه في فترة كهذه، من اجل إحراج قيادة العراق)!! ترى هل القيادة العراقية وأمثالها تحرج? هل حقيقة انه يريد أن يعود المعارضون من الخارج إلى الوطن من اجل بناء العراق، أم انه يريد عودتهم من اجل البناء على جماجمهم. هل تخلص من أسلحة الدمار الشامل، أم لا يزال يحتفظ ببعضها في أماكن بعيدة وسرية لاستخدامها في الوقت المناسب، هل سلّم كل أرشيف الكويت الوطني، أم - كما أتضح - وبعد اثني عشر عاماً من الاحتفاظ به أن ما سلمه بتلك الوثائق هو عبارة عن مجموعة من الأوراق الباهتة التي ليست لها فائدة تذكر البتة. بل هل تمت الانتخابات الأخيرة في العراق بنسبة مئة في المئة كما أعلن، وعليه كيف صوت المئة - ألف أو أكثر - من السجناء، وهل حُسبت أصواتهم من ضمن أصوت المقترعين أم اكتفت السلطة بموافقتهم الشفهية خلف الأسوار العالية.

كل هذه وغيرها تدخل في نطاق (فعلها و لم يفعل)، نُوي ولم يحقق، الذي يقال أن سلمان الفارسي قد أطلقه في عبارته منذ ذلك الزمن البعيد في تاريخنا السياسي، عندما انقسم الناس حول أمر سياسي بالغ الأهمية، ولم تكن هناك أية آلية حقيقية لجلبهم إلى الصف الواحد أو التوافق غير السيف، الذي تحول اليوم إلى سجون وطرق حديثة في التعذيب المهين للإنسان.

أكثر ما راعني من جملة قضايا أخرى، أن يصوت العراقيون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بدمائهم، حتى إن واحداً منهم أو أكثر وعلى مرأى من وسائل الأعلام، غرس عود كبريت في إبهامه ليتدفق الدم من أجل أن يوقع به على ورقة الاستفتاء. مثل هذا العمل لا يؤكد الولاء الكامل بل الخوف المطلق، ويؤكد هزء الأنظمة بالبشر الخائفين والمروعين. أما الذين هتفوا وهم يخرجون من السجون وعيونهم زائغة وكأنهم - حقيقة - قادمون من الموت، فإن الرسالة التي تصل عبرهم واضحة وغير مشوشة، وهي: كم من القهر والتهميش غير المسبوقين قد وقعا على شعوبنا في الفترة الأخيرة من الزمن متعاكسين مع كل ما حققته الشعوب الأخرى في العالم، وكم أن هذا القهر والتهميش والدونية هي التي أطلقت كل هذه القوى الرافضة من جهة وهي التي جعلت من الإنسان العربي قريباً إلى الحيوان، فاقد الصلة بالتأثير في مستقبله، غير متيقن بما يمكن أن يكون عليه في الساعة القادمة، وليس في اليوم القادم.

(فعلها ولم يفعلها)، ظاهرة واسعة في بلادنا العربية، وهي صنو ثقافة تأملية وليست مسلكية، مفادها قل ما تشاء ولا تفعل شيئاً، ويبقي (كردي نكردي) هو السائد: ديموقراطية مشوهة، ووضع اقتصادي متردٍ، ولن يستقيم الأمر إلا بوعي جديد، ولكن متى يأتي هذا الوعي، إذا كانت القيادات القديمة والجديدة تبحث عن خيط ولو رفيع ولو مضلل يربطها بـ (أهل البيت) من دون أن تنتمي أو تحاول الانتماء إلى أهل الوطن!!

 

*كاتب كويتي.

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع