رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

مروان بن الحكم يعود عبر الأسبوع العربي!!

 

أحمد حسين إبراهيم

 

كنت أتمنى أن يكون حوار صدام مع الأسبوع القاهرية فاتحة لعهد أخف على العراقيين من العهود الدموية الماضية، لكن جلادنا آلى على نفسه المضي في ذات النهج من المكابرة والاستعداد للتفريط بالمقدرات والأرواح والسيادة الوطنية من أجل بقائه مدى الحياة خلافاً لمنطق الحياة والدول والزعامات.

وكم كنت أتمنى أن يظهر هذا (الفيلسوف) مندوب الأسبوع القاهرية بالمظهر المعتدل ويؤدي أمانته الإعلامية أمام (ضميره) وشعبه وشعبنا العراقي حين (حظي) بلفته (كريمة) من صدام عبر خصّه بمقابلة بعد (12) عاماً على الاحتجاب الإعلامي في الصحف العربية و(الاستهتار) بالإعلام العراقي وهيمنته المكرورة والمكروهة على المرئي والمسموع والمقروء.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لقد ظهر (نصّار) داعية للملكية أكثر من الملك (وصدامياً) أكثر من صدام نفسه، فبالغ في الوصف وتنطّع ببطولات (الزعيم القومي للأمة العربية) ونسي هذا المسكين (مدخرات) المباحث المصرية أيام عبد الناصر وكيف تصف صدام، وأخيراً ما كشفه أحد المعمرين في السياسة المصرية (ديب) على صفحات جريدة نداء الرافدين العدد الأخير الصادر بتاريخ 6/11/2002م وعلاقته بصدام ونشره غسيل الأخير حينما كان في القاهرة معرّجاً على مغامراته ولياليه الحمراء وتآمره على عبد الناصر وقلب نظام الحكم في مصر في الستينات.

إنني أعجب لهذا (الإسفاف الصحافي) على يد كاتب يعرف جيداً ما دونته وثائق المباحث المصرية عن هذا الدكتاتور وبشهادة ناصر الذي أكد لمسؤول عربي كبير قبل وفاته أن صدام وطبقاً لتقارير المباحث يتردد على السفارة الأمريكية في القاهرة وهو عميل لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية. أعجب فعلاً لهذا الصحافي الذي يكذّب أقوال جهازه الأمني ورئيسه الذي كان يمثل في وقته الزعامة القومية المطلقة الأولى في الوطن العربي ويصرّ على خلع صفة المناضل على (المتآمر) صدام، ومما زاد الطين بلّة كما يقال أن (نصّار) الفرح بأول مقابلة يجريها مع صدام كان يذكّر الدكتاتور بأيام القاهرة وكيف كان لاجئاً سياسياً فيها وإن مقاهي مصر وشوارعها تحنّ إليه، وكأنه الزعيم المنقذ والمخلّص ولم يلتفت هذا الصحافي الذي أخذته العزة بالإثم كما يقولون من أن هذا الكلام الخطير إهانة مكشوفة وواضحة وصريحة لزعامة القاهرة الحالية، ولا ندري السبب الذي دفع بهذا الصحافي إلى إطلاق كل هذه العيارات والعبارات النارية على زعامته الوطنية وهي على الأقل سمحت له بزيارة بغداد ونشر مقابلته مع جلادنا بكل حرية وديمقراطية في الوقت الذي يستحيل على صحفي عراقي أن يجري مقابلة مع زعيم عربي بالشكل الذي جرت فيه مقابلة (نصّار) مع (صدام).

الخطأ الجسيم والفادح الذي ارتكبه مندوب جريدة الأسبوع تركه الأكاديمية والأمانة والشجاعة الصحفية تحت مخدته في فندق الرشيد ببغداد حيث كان يقيم واستبدلها بمسوح الغانيات وتوسلات شعراء القصر الأموي وكيف كانوا يتمسحون بأحذية الخلفاء، وفي الوقت الذي يعتقد المشرف على الجريدة ومندوبه أنهما حققا أول إنجاز إعلامي عربي في العصر الحديث بإجراء مقابلة مع صدام مالئ الدنيا وشاغل الناس، إلا أن العديد من أصحاب الرأي والمتابعين يعتقدون أن الأسبوع لم تسئ لنفسها وإدارتها والمشرفين عليها بل أساءت لتاريخ الصحافة الشعرية ودنست كرامتها المهنية واعتدالها بوحل الهزيمة أمام الدولار!! والمطلوب رأي صحفي مصري وموقف مهني وسياسي قومي ووطني شريف يستنكر هذا الابتزاز المفضوح للهيمنة الصحفية المصرية التي امتازت منذ تشكلها بدايات هذا القرن بالاعتداء القومي وعدم ممالئة الحكام الظلمة وإدانة القمع والجور والعدوان.

فهل ينكّر (نصّار صدام) معلومات المباحث المصرية التي قالت إن صدام كانت له علاقات مريبة مع السفارة الأمريكية، وأنه كان صنيعة المخابرات المركزية، ومن غير المستبعد أن تكون مؤامرة الـ(700) من جماعة البعث العراقي ومن بينهم صدام ضد عبد الناصر وعلم الأخير بساعة صفر المؤامرة تم بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية؟

وهل ينكر نصّار مفاسد وشذوذ صدام حين اغتصب خادمته ولم يدفع لها أجرها وبقيت تتابعه وتلاحق أخباره للضغط عليه بدفعه المبلغ؟

وهل يشرّف (الأسبوع العربي) ورئيسها مصطفى بكري المطبّل الأبرز بدولارات صدام في القاهرة أن يجري مقابلة مع (رئيس) يتذكر المصريون ماضيه وتاريخه وكأنهم يتحدثون عن (الملوخية بالكوارع)!!.

هذا التدنيس المريع للحقائق والوقائع وتلفيق العبارات البراقة واستخدام أكبر قدر ممكن من الأصباغ والدهونات والألوان لتلميع وجه صدام، إساءة للعقل العربي وجمهوره والشارع العربي الذي لا يتذكر من صدام إلا الكيماوي وذبح الناس واحتلال الكويت واغتصاب السيادة والنساء وتدمير مقدرات العراق وربطه بدوامة كبيرة من القرارات الدولية لا نتوقع أن العراق سينجو منها ولا بعد خمسين سنة.

ربما (يشرّف) الأسبوع العربي أن يكون صدام في الصفحة الأولى يحوز على مانشيتاتها لكي يؤكد علناً انحيازها للعدوان والدكتاتورية والإرهاب وتاريخ أسود من العمالة للمخابرات الأجنبية، ويشرّفه لأننا نتوقع أن يبرز مجموعة من المنتفعين في مقطع تاريخي ما في حركة هذه الأمة يلحقون نعال (الإرهابي) ويأكلون كبابه خصوصاً إذا كان معمولاً في فندق الرشيد!.

(نصّار) ذو الخبرة الطويلة في كتابة المقابلات يبدو أنه نال حصة الأسد في كتابة المقابلة التي نشك أنه أجراها مع صدام، فالمتتبع لمقابلات صدام وأحاديثه التلفزيونية وفي اجتماعاته بأزلامه في (مجلس قيادة الثورة) سيدرك الفرق الواسع بين ما قيل ودبّج بعناية فائقة في المقابلة وبين ما يمكن أن يصدر من صدام في مناسبات كهذه.

هذا يعني أن مصطفى بكري ونصّاره في القاهرة نالا حصة كبيرة من العطايا والمكرمات والهبات المالية من (سيد القصر الجمهوري) قبل الهجوم الأمريكي وضياع القصور والأموال والعودة إلى أيام (المزبن) - نوع من الدخان الرديء اشتهر في العراق -.

نحن متأكدون أن صدام حسين غير حريص ولا متحمس لإجراء مقابلة مع الأسبوع العربي فهو لو أراد لخصّ أكبر الصحف العربية والأجنبية بمقابلة من هذا النوع لسبب بسيط هو أن هذه الصحف ومنها الشرق الأوسط والحياة والواشنطن بوست والنيويورك تايمز تريد الدخول في عالم هذا الحاكم المجنون بالعظمة والسيادة على العالم وقهر الولايات المتحدة. لكن الذي حدث أن صدام، لو صدقت رواية الأسبوع العربي أراد أن يوحي لقراء العربية أن الصدفة قد تلعب دوراً مهماً في إخراج صحيفة عربية مغمورة إلى حيز الشهرة وهو نهج دأب صدام على إتباعه في علاقاتته بحزبه وإعلامه ومؤسساته ووزاراته، ألم يعيّن حسين كامل ذبيح السيدية وزيراً للدفاع ثم رئيساً لهيئة التصنيع العسكري وحسين كامل لم يكن إلا عريفاً في الجيش وشخص مغمور ولولا صدام لم يصبح وزيراً للدفاع، وقس على ذلك بقية المراتب والمواقع في الحزب والدولة، وصدام الذي يقوم بجميع هذه الممارسات وبعقلية السادية المريضة هل تستغرب منه أن يختار الأسبوع العربي لكي تجري مقابلة معه؟!!.

هذا هو التهافت (الثقافي) العربي في زمن الإرهاب الصدامي والكباب العراقي في فندق الرشيد وهذا هو دور (المثقف) الذي يرتدي قفازات القاتل ويكتب بالرصاص عن دموع أبناء العراق!!.

لقد اطّلعت على المقابلة و(الخرط) الطويل العريض الذي قدّمه صدام للأزمة. وأستطيع القول أن ما قدمه هذا الجلاد وهو يرتدي دموع العراقيات اللواتي ذبح أبنائهن ويتحدث باسم التضامن العربي والحال الأفضل للعراق بعد (12) عاماً من الحصار والتدمير المنظم، لم يكن سوى همروجة جديدة من همروجاته التي لطالما تشتدق بها في ليل العراق الطويل.

هل يستطيع نصّار أن يقول لنا من الذين تسبب بكل هذا الدمار والخراب العظيم الذي حلّ بالعراق وأهله؟ ومن الذي جنى على شعب العراق وأدخله في دوامة طويلة عريضة من المناكفات والجوع والذبح وتجفيف أهم منابع الثروة الحضارية (الأهوار) وأباح العراق للسياسات الكبرى وقلص السيادة ودفع بالقاصي والداني في التطاول على وحدة البلاد، ومن الذي جعل العراق ريشة في مهب الرياح الدولية العاتية؟!.

هل يستطيع نصّار أن يفلسف دوافع حرب صدام ضد إيران التي استمرت ثمان سنوات حصدت خلالها هذه الحرب زهور البلدين - أكثر من مليون قتيل وجريح-؟ ألم تكن حرباً صدامية بالنيابة عن الولايات المتحدة وبريطانيا؟! فلماذا كل هذا التطبيل لعميل مخضرم بالعمالة للدوائر الأجنبية والنفخ بجثته واعتباره (البطل القومي للأمة العربية)؟

من ذبح الكويت من الوريد إلى الوريد؟ ومن الذي غيّب في دهاليز الموت خيرة أبناء العراق، من كل طوائفه وتياراته وشرائحه الاجتماعية والقومية والدينية؟ من الذي دفع بأكثر من أربعة ملايين مواطن عراقي إلى الهرب في هذا العالم؟ إذ لا زالت أسماك القرش تنهض أجساد أطفالهم وشبابهم في أعماق المحيطات والبحار بعد أن قضوا غرقاً في الطريق إلى أستراليا وغيرها؟!!.

وفي النهاية أقول:

حين يسقط صدام ستتحول المعارضة المتهمة سلطة وفي مانشيتات (الأسبوع العربي) إلى سلطة وطنية تدافع عن حق الشعب العراقي في الحرية وسيأتي نصّار ومصطفى بكري إلى بغداد كما يأتون اليوم وسيتملقون لقادة المعارضة ويتوسّلون بهم كما يتوسلون بطارق عزيز والصحاف وعزة الدوري.

اليوم نحن متهمون وصدام هو الوطني الأوحد وزعيم الأمة العربية، وغداً سيأتي هؤلاء النفاخون وبأيديهم أقلام العهر والدعاية.. لكن هل سيفتح أهالي بغدد أبواب الزوراء وشارع الرشيد والسعدون لهم؟!!

لقد طرد النبي (صلى الله عليه وآله) الكريم مروان بن الحكم لنفاقه وخطورته على الدعوة والإسلام ودولة الناس الفتية وقد سمي بعد ذلك بطريد مكة..

وهانحن نعلن قبل قيام الدولة أن بكري ونصّاره طريدا بغداد إلى يوم القيامة، لأننا لا نريد تكرار تجربة المروانية في صدر الإسلام، ولا نريد أن يعود مروان بن الحكم بثياب مصطفى بكري ورفيقه بالرضاعة (نصّار).

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع