![]() |
|
مؤتمر المعارضة العراقية الموسّع: اجتماع الفرصة.. الأخيرة |
|
عمار البغدادي
كل الوقائع واتجاهات التحليل العملي للمشهد العراقي تؤكد أن المؤتمر الموسع المزمع عقده في بروكسل في 22 تشرين الثاني من هذا العام.. هو اجتماع الفرصة الأخيرة!!. فلا أحد سيمنح المعارضة العراقية لو فشلت في مؤتمرها فرصة دولية كبيرة كهذه وفي واحدة من دول أوروبا التي تعيش فروض الديمقراطية المستحقة وما تتطلبه من واجبات إزاء الشعوب المقهورة وتحدث مناقشة ما يسمى بالحملة الدولية على الإرهاب وإمكان انسجام أوروبا مع واشنطن في مشروعها هذا. ولا أحد سينظر في وجه المعارضة لو لم تفلح في الارتفاع لدرجة التحدي الوطني وغلياناته في الداخل ودرجة استيعاب الهجمة الشرسة ضدها، ودرجة امتصاصها لزخم التوجهات الأمريكية الساعية للإطاحة بصدام والتعامل مع المعارضة العراقية بوصفها البديل القادم بعد صدام، فلو لم تفتح وبقيت تتأرجح في خلافاتها الداخلية وانشقاقاتها اللافتة. فإن الشعب العراقي سيفقد الثقة بإمكانية وجود مشروع وطني معارض وقد لا يستبعد أن ينسجم مع الدكتاتور ويجد فيه أمرّ الحلول وأقساها ما دام أهل الحق لا يعرفون الطريق إلى تلمس الحق وما دامت المعارضة تلهث وراء الحصص والنسب من دون الشعور بضغط العامل الزمني ولهاث صدام لتنفيذ أي شيء لكي يبقى في الحكم، وإذا بقيت المعارضة بهذا الانقسام المرير فإن إقناع أو محاولة إقناع الآخر الغربي والأمريكي بصحة مطالب الشعب العراقي بالإصلاحات الجذرية والديمقراطية وإيقاف نزيف الدم والحرية بعد ظلام السنوات سيكون أصعب من المستحيل. فلا مكان للخلاف والتنابز بالألقاب واللهاث وراء الزعامات الوهمية وإيهام النفس بالتطلعات الجامحة والأهداف المستعجلة والأماني الرازحة في قصر الشعور بالسيادة السياسية قبل استرداد السيادة الوطنية كاملة من عبودية (أهل المؤامرة) وزعاماتها القابعين خلف أجمل فتاة شرقية عرفها التاريخ.. بغداد. إن المطلوب من المؤتمرين الذين أكد جلال الطالباني أنهم سيمثلون غالبية طيف المعارضة العراقية التعويل على جاهزية المشروع السياسي البديل والقيادة السياسية الحكيمة لا التركيز على حصة فلان ونسبة تيار فلان في المؤتمر. فالأولى تقديم المعارضة العراقية كمؤسسة سياسية وطنية صاحبة برنامج إنقاذي وطني يخدم شعب العراق ويخرجه من إطار العنف والقمع والإرهاب إلى الأمن والحرية والاستقلال، والثاني يقدمها قوة ضعيفة ومجموعات متصارعة والأولى بطومي فرانكس أن يجهز عليها مع دخول الدبابات وطلائع القوات الأمريكية بغداد!!. نقول هذا الكلام ونحن على يقين من أن إخواننا في المعارضة العراقية يعرفون قيمة الخروج بنتائج وأهداف كبرى يستأهلها شعب كبير في الجغرافيا والتاريخ كالشعب العراقي ومطمئنون أن القوى العراقية خبيرة ولديها الوعي التاريخي الذي يميز المشروع وقيمته الوطنية والسياسية العربية والدولية وبين اللهاث وراء الأمنيات الكاذبة التي لن تمنحها أمريكا بسهولة لأحد ما لم يفرضها بالمشروع أولاً قبل أن يفرضها بالتنظير المعسول والادعاء الكاذب باستيعابه لطيف الشعب بمذاهبه واتجاهاته وشرائحه المختلفة. لا نريد للمعارضة العراقية - صاحبة أكبر رقم من الضحايا والسجون والمعتقلين والهاربين والمغيبين في تراب العراق - أن تهزم. لا نريد لها أن تخرج من بروكسل إلى بيوتها وشققها في المنفى، ويعود المقاتلون إلى الأهوار ويعود معها الجلادون ثانية إلى السجون ليمارسوا طريقتهم المعهودة في تعذيب إخواننا - وهم أشرف أهل الأرض جميعاً - وذبحهم ودفنهم في مقابر جماعية مجهولة، لا نريد أن يسخر صدام منا ومن شعبنا ويعود ليستهزئ من مسيرتنا التي عبّدناها بالدم المقدس، لهذا أعتقد أن المسؤول الأول عن عدم سفك هذا الدم وعودة صدام ثانية للحكم هو المعارضة العراقية، هي المسؤولة عن إما أن نكون أو لا نكون. وهي المعنية بإمكانية قيادة المعركة السياسية مع العربي والدولي والإسلامي - وهي معركة قديمة - وحقيقية ومهمة وإذا استطاعت المعارضة حسم صراعها مع هذه المكونات فإنها بالتأكيد ستكون أقدر على مواصلة العمل لإسقاط صدام. إن صدام حسين بكل ما يمثله من موبقات وخطايا وجرائم وتجهيل متعمد للأمة والشارع، هو المرآة العاكسة لعدم ارتفاع المعارضة لمستوى الأهداف الوطنية وتحرير شعب العراق من قبضة هؤلاء المستوطنين الذين نزلوا إلى (المدينة) من أعالي الفرات، من (القرية) الحاضرة على المعمارية العباسية والمأذنة الحيدرية والحسينية المحمدية والكوفية العربية، والأسواق والشوارع والعادات والتقاليد المتسالم عليها في البيئة العراقية. فإذا لم تتخلص المعارضة من أخلاقيات الظاهرة الصدامية وتطرد كل تقاليده التي أرساها في البيئة العراقية من أجوائها وتفرض أن الحكم قرار أمة وليس قرار جماعة فإن صدام قد يسقط بيد طومي فرانكس لكنه سيبقى في ثياب بعض اتجاهات المعارضة وأنا أدعو إخواني في المعارضة العراقية ما دعى القرآن الكريم دعاته القادرين على التغيير بقوله تعالى: (وثيابك فطهّر والرجس فاهجر)؟ لقد مرت القضية العراقية بمراحل مهمة وعقدت مؤتمرات للمعارضة العراقية طيلة عشرين عاماً الماضية، لكن المرحلة الراهنة تتويج لجهود كل المراحل السابقة وإدراك أهمية هذا المعنى سيجعل العمل العراقي المعارض أوضح وأنجع وأنجح وأكثر استمراراً وإذا كانت الجهود السابقة أطلقت يد المعارضة في موضوعات الدفاع عن صدقيتها وسمعتها ووزنها وثقلها الداخلي والدولي فإن جهودها الحالية يجب أن تنصبّ على حماية المصداقية من الانهيار على وقع خطايا البعض وهم يتوهمون السراب ميزة والحضور إلى بروكسل إنجازاً ولم يدركوا أن المؤتمر سيتحول إلى محاكمة علنية لجميع الزعماء والقيادات إن هم لم يرتفعوا لدرجة تمثيل كفاح الشعب العراقي وتحقيق طموحاته وأمانيه في الحرية. في المؤتمرات الوطنية الكبيرة وفي المراحل التاريخية الحاسمة والمصيرية ليس هناك أساسي ولا آخر لا أساسي، جذري وغير جذري (فهمان) وآخر (جاهل)، مسيطر وهامشي، وليدرك الأخوة الذين سيذهبون إلى المؤتمر أنهم أمام امتحان عسير ودرجة النجاح لا تمنح لمثيري المشاكل والأزمات الباحثين عن الامتياز بكل وسيلة وإن كانت قسرية وغير مشروعة تحت غطاء الشرعية (الثورية)، بل تمنح للذين يتنازلون عن الذات للوطن والحزب للأمة والإطار للأهداف الكبيرة والعنوان السياسي، لعنوان بقاء الأمة حية رغم كيد المعتدي المتمرس بقتل الطفولة في مهد كردستان وإعدام النخيل الجنوبي على ضفائر شط العرب. نحن بحاجة إلى جماعة وطنية تتنكر لخلافاتها لصالح تطهير البلاد من الجماعات الهاربة من الخدمة العسكرية (صدام) ولصالح الدعوة لقيام وطن يتسع لجميع أبنائه وأهله، لوطنٍ تكون فيه بغداد الإطار والرؤية والمشترك والحقيقة التي تشع بالحضارة والمدنية ومعماريات العصور، ونحن بحاجة إلى مؤتمر يذكّرنا بالوجوه العراقية السمراء القادرة على استعادة الوطن من سيوف المغول الجدد والنازحين من (العوجة) ليخربوا المدن والمصابيح ويطفئوا كل شيء أمامهم يذكرهم بالمدنية وعصور الإشراق الأولى. فهل سيكون المؤتمر القادم - مؤتمر المعارضة الأخير - وهل سيحملها بثوابته إلى العراق أو ستحمله مع نعوش ضحاياها إلى حيث تسكن في الشتات؟ سؤال برسم المعارضة.
|