رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

الرئيس العراقي يزداد خطورة عندما يحاصر.. وسيستخدم أسلحته كلها

 

واشنطن: كريغ زورويا*

 

عندما أخذ الهجوم العراقي ضد إيران في الانهيار أوائل الثمانينات، صعق مجلس الوزراء العراقي عندما تقدم إليه صدام حسين بطلب غير متوقع منه. كان يطلب منهم أن ينصحوه وان يتحدثوا بحرية وهم يفعلون ذلك. صدق وزير الصحة، رياض احمد ما سمعته أذناه، واقترح أن يتنحى صدام بصورة مؤقتة إرضاء للزعيم الإيراني آية الله الخميني، حينها يمكن الوصول إلى اتفاقية سلام، كما يمكن لصدام أن يعود بعدها إلى السلطة. شكر صدام وزيره رياض احمد وأمر باعتقاله. وأرسلت جثة الوزير إلى زوجته بعد ذلك قطعا من اللحم محشوة داخل جوال من القنب.

كان ذلك حدثا نموذجيا يوضح طريقة إدارة صدام للدولة: أي خداع أحد الاتباع وإغراؤه بالتعبير عن الشك والتردد، ثم توصيل الرسالة المرعبة للبقية من المسؤولين، وهي إن شيئا اقل من الولاء المطلق لن يسمح به. وقد توصل العراقيون والأجانب الذين عرفوا صدام، 65 سنة، أو درسوا شخصيته لعدة عقود، إلى أن ابرز مواهبه هي الانتصار في معركة البقاء والاحتفاظ بالسلطة مهما كان الثمن. ويقول هؤلاء إن طموحه بلا حدود، فهو يرى نفسه بطلا من طراز نبوخذنصر، الملك البابلي الذي حكم في القرن السادس الميلادي والمعروف بأنه استولى على القدس. وكانت هذه الطموحات هي التي دفعته للتسلح بأسلحة الدمار الشامل، الكفيلة بجعله قوة مهابة ومحترمة في كل المنطقة.

وجاء قرار الأمم المتحدة الأخير لإجبار العراق على التخلي عن أسلحة دماره الشامل، وهو يحتوي على جدول زمني صارم للكشف عن هذه الأسلحة والتفتيش اللاحق عما خفي منها، كما احتوى على إمكانية مفتوحة لحرب تخوضها الولايات المتحدة ضد العراق. وربما يؤدي هذا القرار إلى إجبار صدام على الاختيار بين نزع الأسلحة أو الموت، بين النهاية البطولية أو البقاء وفق شروط الآخرين. وسواء اختار صدام هذا أو ذاك فان حياته أو سيرته ستطرأ عليها تغيرات جذرية. ولكن الخبراء يختلفون حول ما إذا كان سيختار البقاء أم السيرة البطولية.

يقول البروفسور العراقي عديد دويشة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ميامي، بولاية اوهايو، انه في حالة مواجهة صدام لاحتمالات الإبادة، سيتخلى عن أسلحته. وقال البروفسور: البقاء مسألة حرفية. أما أن تبقى أو لا تبقى. لا توجد خيارات هنا.

ولكن آخرين، مثل ساندي بيرغر، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كلينتون، يعتقدون إن صدام سيتمسك بأسلحته للدمار الشامل حتى النهاية. قال بيرغر «إلى الحد الذي يتمتع فيه صدام بشرعية ما داخل العراق، فان هذه الشرعية مستمدة من روح التحدي. وبالنسبة إليه فان الاستسلام للغرب في هذه اللحظة، وللمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة، يعتبر شاهدا غير محتمل على الضعف». ويقدم ماضي صدام إشارات هامة لنوع الاستجابة التي سيقابل بها التفتيش الذي تبدأه الأمم المتحدة اليوم. وبناء على التحليل النفسي الذي قامت به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. اي. ايه) فان القائد العراقي سيتراجع عندما يجبر على المحافظة على سلطته، مثلما فعل الأسبوع الماضي عندما قبل على مضض قرار الأمم المتحدة. ولكن تقرير التحليل النفسي يقول في موضع آخر انه يمكن أن يكون متهورا، خاصة إذا تحرك العالم لتجريده بالقوة من أسلحة الدمار الشامل التي يعتقد انه يخفيها في مكان ما. ويمكن أن يلجأ إلى عرقلة عملية التفتيش والانحراف بها. ولكن التكهنات تصبح صعبة جدا إذا شعر بأنه لم يعد يملك فرصة للمناورة. قال الجنرال وفيق السامرائي رئيس الاستخبارات العسكرية العراقية السابق، وهو يتحدث من منزله بلندن من خلال الترجمة، انه يعرف انه اصبح الهدف هذه المرة. وهذا وضع بالغ الخطورة، ويقول جيرولد بوست، الذي شارك في تنفيذ برنامج السي آي ايه، لدراسة القادة العالميين الأكثر خطورة، ويرأس حاليا برنامج علم النفس السياسي بجامعة جورج تاون: «هذا الرجل يجيد فن البقاء. إن خطورته تزداد عندما يحاصر في ركن ما. حينها يمكن أن يسدد ضرباته القاسية».

ويقول بعض المحللين إن صدام إذا وجد نفسه محاصرا فانه سيستخدم الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ضد قوات الحلفاء. كما انه يمكن أن يرسل مدنيين ليقوموا باستخدام هذه الأسلحة ضد الأهداف المدنية بالولايات المتحدة أو إسرائيل أو غيرهما من البلدان التي يعتبرها من الأعداء. ومن المعروف انه عندما طردت قواته من الكويت خلال حرب الخليج عام 1991، أمر بإشعال النيران في آبار البترول الكويتية مما أدى إلى خلق كارثة بيئية إشباعا لأحقاده. وقال حسن العلوي، المسؤول السابق بوزارة الإعلام العراقية والذي هرب عام 1979، إن صدام عندما يسقط سيأخذ معه الكثيرين من الأميركيين والإسرائيليين، بل حتى العراقيين. انه سيستخدم أسلحته كلها.

ولم يتردد الرئيس العراقي في سحق أي مظهر من مظاهر المعارضة الداخلية. وتنتشر الروايات عن الاعدامات الجماعية والسجون الممتلئة. وكان صدام قد قال لصحافي غربي إن هذه الأعمال ردود أفعال طبيعية ضد أولئك الذين يعارضون حكومته. وقد أمر باستخدام القوة الفظة لقمع الشيعة والأكراد داخل العراق. وفي ما يتعلق بالأكراد استخدم الأسلحة الكيماوية لمسح إحدى القرى من الوجود.

الاستخدام المنهجي للقوة هو الذي مكن صدام من الاحتفاظ بالسلطة طوال 23 سنة. وخاض حربا طويلة وباهظة التكلفة ضد إيران يقدر عدد القتلى فيها بمليون شخص. وفي عام 1990 قامت قواته بغزو الكويت واحتلالها ونهبها. ومنذ أن استولى على السلطة عبر عن مزيج مدهش من الفظاظة التي لا يصاحبها شعور بالذنب، والطموحات الخاصة بالمنقذين. وبعد أن استولى على السلطة مباشرة، عزز صدام قبضته بخطوة محسوبة وماكرة، ففي أحد المؤتمرات السيئة الذكر لقيادة حزب البعث العراقي، عرض صدام أحد معارضيه السياسيين بعد أن خضع للتعذيب، وقام هذا الأخير بذكر أسماء عشرات المتهمين بالتآمر من الجالسين داخل القاعة، وقد سحب كل الذين ذكرت أسماؤهم ليواجهوا المحاكمة والإعدام، أما الذين بقوا في القاعة، فقد سالت دموعهم فرحا لمجرد بقائهم على قيد الحياة.

وقال البروفسور دويشة: «جنون العظمة الذي يمثل جوهر شخصية صدام، لا يسمح مطلقا بوجود شخص سواه». ويقول بيرغر الذي يعتقد إن العراق يحاول صنع قنبلة نووية: «إن هدفه الاستراتيجي يبقى كما هو منذ عقود، وهو أحكام سيطرته على تلك المنطقة من العالم». ومع ذلك، فان صدام اختار الحذر والتروي في بعض الحالات بدلا من العدوان. ويعتقد كثير من المحللين انه لم يستخدم الأسلحة الكيماوية والبيولوجية أثناء حرب الخليج لان ذلك كان سيترتب عليه رد فعل أميركي هائل. ويقول بعض المحللين إن نقطة ضعفه الأساسية هي نظرته الضيقة التي قادته إلى كثير من الحسابات الخاطئة. وربما لم يكن يتصور أن الولايات المتحدة يمكن أن تهاجمه بعد غزوه للكويت. وهو يعتمد بصورة كاملة على دائرة ضيقة من إقربائه وأهل ثقته من المستشارين، الذين يعرفون تبعات الاختلاف معه ويتفادونه بالتالي بكل السبل.

قبيل قصف قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة للعراق عام 1991، قام أحد قادته العسكريين بتقييم الاحتمالات التي ينطوي عليها الموقف، وهي إن عددا كبيرا من الضحايا سيسقطون في بغداد إذا لم يسحب صدام قواته من الكويت. ولكن صدام تجاهل نصيحة الجنرال العراقي. وبدلا من الانسحاب أرسل جيشه المكون من 400 ألف جندي، وكان من أقوى الجيوش بالمنطقة، ليخوض الحرب ضد 700 ألف من قوات التحالف الدولي. وقد سبب ذلك القرار صدمة قوية للعسكريين العراقيين، وكانت نتيجته أن فقد صدام السيطرة على أجزاء كبيرة من بلاده.

قال عالم النفس بوست، في تحليل سابق لشخصية صدام: «مع انه من الناحية النفسية على اتصال بالواقع، إلا انه من الناحية السياسية فقد تلك الصلة بالواقع. إن منظوره للعالم ضيق ومشوه، وخبرته ضئيلة جدا خارج العالم العربي». الفيلم الذي أخرجه مؤخرا السينمائي الفرنسي جول سولر، يصور صدام كطاغية مهوس بصورته النرجسية ووضعه الصحي، وهو يحب أن يقبل بالقرب من كتفه ويستمتع بصيد الأسماك بالقنابل اليدوية. ويقول الخبراء إن صدام دموي ولكنه ليس مجنونا من الناحية الإكلينيكية. وجاء في تحليل عالم النفس بوست، إن صدام كتفه «ذو ميل قوي للبارانويا، واستعداد دائم للانتقام، وهو يرى نفسه محاطا بالأعداء وربما يكون محقا في ذلك. ولكنه ليس مجنونا».

وقال ستانلي كروسيك، الخبير العراقي ومدير مركز السياسة الأوروبي ببروكسل: «لا أرى في مسلكه ما يشير إلى انه رجل مجنون. تأمل كيف استطاع هذا الرجل أن يبقى في الحكم. انه رجل بارع. ولكن حساباته كانت خاطئة». ويصفه المراقبون بأنه قائد لا يصيبه الإرهاق، يعمل 14 ساعة في اليوم، ويتمتع بذاكرة فوتوغرافية. لم يعزز صدام من سلطته بمداهنة الأصوليين الإسلاميين في بلاده، بل حاول بدلا من ذلك أن يكون قوة اقتصادية عصرية في العالم العربي. وكان العراقيون في يوم من الأيام من بين الأكثر تعليما والأعلى أجورا في العالم العربي. وقد شيد صدام الشوارع والمدارس وأوصل الكهرباء إلى عدة مدن. ولكن الحرب ضد إيران وبعدها حرب الخليج وضعتا حدا لعملية التحديث.

 

* خدمة «يو. اس. ايه توداي» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»

 أرسل ملاحظاتك حول الموضوع