خليل علي حيدر
تستعين الحركة الاسلامية في تركيا، لبناء نفوذها الاجتماعي وتحقيق الرواج
لايديولوجيتها السياسية، بمجموعة من الآليات الاساسية، ذات التأثير العميق
في المجتمع، وذلك من خلال التأثير في المؤسسات التعليمية، وتفعيل دور
المرأة، والاستفادة من النشاط الاعلامي والاقتصادي.
وقد حدث تحول في سلوك النظام تجاه الاسلام اعتبارا من منتصف الاربعينيات،
عندما ادركت مجموعة داخل حزب الشعب الجمهوري، حزب اتاتورك، حجم الفراغ الذي
لم يستطع النظام ان يملأه في المجال الديني، فاقترحت السماح من الحكومة
«العلمانية»، باجراء تعليم ديني، شريطة ان يكون تحت حكم وسيطرة الدولة.
وقد اندرجت مسألة اعادة تدريس «مادة دينية» في المدارس الرسمية، ضمن جدول
اعمال المجلس الوطني التركي في عام 1946، يقول الاستاذ طارق السيد في بحثه
عن الحركات الاسلامية في تركيا المعاصرة، كعلاج «للتدهور الاخلاقي الذي
تمثل في عدم احترام الشباب لآبائهم، وكذلك تدبيرا وقائيا من خطر الشيوعية».
وفي اكتوبر 1948، اعلن برنامج المواد الدينية التي ستدرس للصفين الرابع
والخامس الابتدائي، وفي 15 فبراير 1949، اصبحت المادة الدينية تدرس في
المدارس الابتدائية بموجب اذن كتابي من ولي الامر، بشرط ان تدرس خارج اوقات
الدراسة الرسمية.
وفي الفترة التي كانت فيها الحكومة الائتلافية مكونة من حزبي الشعب
الجمهوري والسلامة الوطني عام 1973، تم وضع المواد الدينية بضغط من حزب
السلامة الوطني في جميع الصفوف تحت مسمى «دروس الاخلاق» على ان تكون بمعدل
ساعة اسبوعية وبشكل اجباري.
وفي الحقيقة لم يكن ذلك الدرس الجديد مختلف كثيرا عن الدروس الدينية من حيث
المحتوى. ثم صدر قرار اخر فيما بعد بأن يتم تدريس هذه المواد من قبل اساتذة
العلوم الدينية، وكذلك في بعض صفوف المرحلة الثانوية.
وقد اعتقد قادة انقلاب سبتمبر 1980 بأن الاسلام سلاح ضد الايديولوجيات
المتطرفة، وعامل هام للوحدة الوطنية والترابط الاجتماعي، ويقول المؤلف انه
بعد الانقلاب، اصبح الهدف من تدريس المواد الدينية الاجبارية، «هو جعل
الاسلام المتنامي خارج ادارة الدولة تحت اشرافها». وطبقا لذلك المفهوم، فقد
تقرر التعليم الديني كمادة اجبارية بمقتضى المادة 24 من دستور 1982». وقد
ثار الجدل لدى اقرار المادة حول علمانية الدولة، «الا ان المعتقدين
بالزامية التعليم الديني دافعوا عن المواد الدينية الاجبارية، وتحركوا من
منطلق ان الاغلبية العظمى من الذين يعيشون في تركيا مسلمون».
وكانت مدارس الائمة والخطباء قد اغلقت تماما بعد عام 1930، «بسبب عدم وجود
طلاب». ولكن مع التحول لحياة التعددية الحزبية في تركيا عام 1945، تخلى حزب
الشعب الجمهوري عن نظرته للاسلام، فحزب الشعب الجمهوري كان ينظر منذ تأسيسه
الى الدين على انه عامل اعاقة امام التحديث، ومع التوجه نحو نظام ديموقراطي
في فترة التعددية الحزبية، ظهرت احزاب تنتقد سياسة الحزب هذه، وتطالب بتلمس
مشاعر الشعب الدينية. ومع بداية التنافس السياسي بدأ حزب الشعب يقدم
تنازلات عن سياسته، بهدف زيادة شعبيته في هذه المرحلة، والتأثير في
الناخبين.
ففي بداية فترة الحياة السياسية الديموقراطية، بدأ السياسيون يتزلفون الى
الناخبين من اجل الحصول على اصوات اكثر، وتوجهوا الى كتل ناخبة كانت قد
نسيت منذ اعوام طويلة. وخشي حزب الشعب، وهو المؤسس للنظام العلماني من ان
تهرب منه الاصوات نحو الاحزاب الاخرى، واخيرا وبعد تردد طويل، وافق على وضع
التعليم الديني في نظام الدولة.
وقرر حزب الشعب في 2 يناير 1947 الموافقة على الاقتراح بالسماح لتعليم
الدين الاسلامي بالحروف اللاتينية، بشكل خاص خارج المدارس الرسمية، على ان
يتم ذلك تحت اشراف وزارة التعليم الوطني.
ويضيف المؤلف، ان الدولة التركية، بعد الدخول في مرحلة التعددية هذه، شعرت
بحاجتها الى «رجل دين مثقف»، وادركت انها اهملت تربية رجال الدين خلال
العشرين عاما السابقة، وتوفرت لديها قناعة بأن رجال الدين المثقفين سيقومون
بأدوار هامة في تحقيق التجانس مع الشعب، وحماية القيم المعنوية، ومواجهة
التيارات اليسارية، ولهذا، قررت وزارة التعليم التركية عام 1951، تحويل
دورات الخطباء ذات العشرة اشهر، الى مدارس ائمة وخطباء ذات سبع سنوات.
اظهرت الاحزاب المحافظة اهمية خاصة للأئمة والخطباء حيث اعتقدت بأن خريجي
مدارس الأئمة والخطباء سيشكلون القاعدة الطبيعية لها. وقد بدأ عدد هذه
المدارس بالارتفاع ابتداء من عام 1965، حيث كان عددها 45 مدرسة، لتصل الى
333 مدرسة مع انقلاب 1980، وفي اواسط الستينيات، تم قبول الطالبات لاول مرة
في مدارس الائمة والخطباء. وقد زادت اعداد مدارس الائمة والخطباء في
الاعوام التي تولت فيها حكومة الجبهة الوطنية شؤون البلاد. والسبب الهام في
عمل الاحزاب اليمينية على زيادة عدد هذه المدارس، يقول المؤلف، «هو تربية
كوادر يمكنها ان تقف في وجه اليساريين والماركسيين».
واصبحت جهود كل من حزبي العدالة والسلامة الوطني في استجلاب الاوساط
الدينية في تنافس مستمر، خاصة وان حزب السلامة الوطني كان يجعل من فتح هذه
المدارس اهم انشطة حزبه ويؤكد على ذلك دائما اثناء العملية الانتخابية،
وبذل حزب السلامة الوطني جهودا كبيرة في الفترة التي كان فيها في الحكم من
اجل السماح لخريجي ثانوية الائمة والخطباء بالالتحاق بالمدارس العسكرية.
وتحولت مدارس الائمة والخطباء في الثمانينات من مدارس لتخريج موظفين دينيين
الى نظام تعليمي بديل. وحصل خريجو هذا النظام البديل على حق الالتحاق
بالاقسام المختلفة من الجامعات، وكذلك حق الحصول على الوظائف الحكومية
المختلفة، «وفضلا عن ذلك فقد وجدت الصحف، والمجلات الاسلامية الراديكالية
التي بدأت في الانتشار في الثمانينات من يحررها ومن يقرأها. واصبحت هذه
المدارس مصدرا من مصادر تغذية الحركة الاسلامية».
ورغم زيادة عدد هذه المدارس وافتتاح مدارس للفتيات للامامة والخطابة ـ حيث
يعملن في مراكز تحفيظ القرآن بعد التخرج ـ فبلغ عدد هذه المراكز النسائية
عام 1991 نحو 2858 مركزا، الا ان الجماعات الاسلامية لا ترى في مدارس
الائمة والخطباء النموذج الجيد لتعليم الاسلام، لذا تقوم هذه الحركات
بإنشاء مدارس خاصة بها.
ويهتم الاسلاميون كذلك بمراكز تحفيظ القرآن، بعد ان صدرت عام 1971 لائحة
للاشراف عليها حكوميا، وتحولت السبعينات الى ساحة لتزايدها بتأييد من حزب
السلامة، وقد وصل عددها عام 1995 الى 5483 مركزا يدرس بها نحو 185 الف طالب.
أرسل ملاحظاتك حول
الموضوع