رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

بمناسبة الذكري السنوية الأولى لرحيله

 

 

الحرية.. الركيزة الأساسية في البناء الفكري للإمام الشيرازي

ما من كلمة قيل فيها وعنها وكتب حولها مثل كلمة الحرية، تلك الكلمة التي تشعر الإنسان عند سماعه بها أو قراءته عنها، بلظى يحرق جوانبه ونار تشتعل في داخله لظمأ لها وعطش إليها.

وليس هناك من قائد أو مفكر أو رجل دولة لم يتحدث عن الحرية ويبحث فيها، وليس هناك من شاعر ألا وله أكثر من قصيدة عنها، متغزلاً فيها أو داعية إليها.

ولم يقتصر ذلك على دعاة الحرية الحقيقيين ولا على عشاقها الأمينين أو طلابها المخلصين بل تعداه حتى إلى الطغاة والمستبدين، فهم أيضا قد غازلوها وادعوا الوصل بها، والتعلق بمعانيها والسعي والعمل على تحقيقها على ارض الواقع.

وفي هذا الزمن الذي أطلقوا عليه تسمية زمن العولمة، وفي هذا العالم الذي اتسم بالشركات المتعددة الجنسية، حيث يسود قانون السوق بمفاهيم الليبرالية والتي تدعو وتعمل على أن تشيع كل شيء وتحويله إلى سلعة تباع وتشترى، وحيث يكون فيه كل شيء في هذا الوجود له ثمنه الذي يقدر بالدولار الذي أضحى السيد الذي لا ينافسه في سيادته على العالم أي أحد.

في هذا الزمن القسري وفي عالم الإذعان هذا، الذي يفرض عليك وبالرغم منك كل شيء له علاقة بحياتك ومصيرك ومستقبلك ومستقبل أطفالك، اعتباراً من رئيس الدولة وحتى ملابسك الداخلية وصبغ حذائك ومحتويات وشكل ولون غرفة نومك، مروراً بأفكارك ورغباتك ومعتقداتك وصولاً إلى مفرداتك اللغوية، غير وسائل القسر والإذعان المختلفة: التي تتوزع ما بين القوة العسكرية الغاشمة إلى الإعلان التلفزيوني، غير ناسين السينما ومسلسلات التلفزيون والصحافة اليومية والمجلات الأسبوعية والدورية.

في هذا العالم الذي أضحت فيه الحرية بكل معانيها أو صورها شيء من التاريخ وأمر من عالم انتهى وانقضى ولم يبقى منها سوى تمثالها الذي يطل على سواحل نيويورك.

نقول في هذا العالم وهذا الزمن، يأتي صوت يحمل صدى نداء السماء لأهل الأرض، الذي كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، قد أوصلوه للناس منذ بدأ الخليقة، وحتى جاء الرسول الصادق الأمين محمد (صلى الله عليه وآله) ودعى بذلك النداء، وحيث كانت رسالته هي خلاصة كل تلك الرسالات والدعوات، في الرسالة الإسلامية السمحاء، التي كانت أولى دعوتها هي دعوة الإنسان للإنعتاق والحرية، وان لا عبودية بعد اليوم إلا لله سبحانه وان الله العلي العظيم الذي جعل الإنسان خليفته على هذه الأرض وكرمه على بقية خلقه لا يرضى أن يكون ذلك " الخليفة المكرم" عبداً لأحد آخر سواه.

ذلك الصوت كان صوت الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي، كان مفهوم الإمام الراحل يتسم بالبساطة والشفافية والوعي العالي وأيضاً و(هنا) عقدة المسالة وجوهر المعرفة، كان مفهومه ممتلئ ويفيض إنسانية، معبراً بذلك وعاكسا ً عن شخصية الإمام الراحل نفسه، تلك الشخصية التي كانت ينبوعا يتدفق منه الحب والرحمة والإنسانية، لم تكن تحد عطائه حدود الدين أو القومية أو اللون، بل كان من شدة ذلك التدفق يفيض ليغمر الإنسانية كلها والعالم بأجمعه، مقتحماً وكاسراً كل الحدود الجغرافية المصطنعة منها ( السياسة)، وحتى الطبيعية !.

ومفهوم الحرية لدى الإمام الراحل " رحمه الله" ليس عبارات لغوية منمقة ولا هو خطاب معقد في النطق والفلسفة والأبستمولوجي، بل كان بسيط كبساطته لأنه لم يكن موجهاً للنخبة من الناس، لكنه كان يهدف إيصال ذلك الصوت إلى العامة من الناس، والى المستضعفين منهم والمحرومين من الحرية على وجه الدقة والتحديد.

" لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً" بهذا القول البليغ والبسيط في نفس الوقت، يبدأ الإمام الراحل كلامه عن الحرية، وعلى ضوء هذه القاعدة العامة يبني أسس مفهومه.

كون العامة ولما قلنا وليس الأسياد هم الغاية وهم الهدف وهم أصحاب القضية والمصلحة في فهم الحرية ووعيها..

ثم العمل والكفاح في سبيلها، فالإنسان، والإنسان العادي والبسيط هو من يوجه له الإمام خطابه، وهو من يكتب له بيانه، ويخط له واجبه الشرعي، ويوضح له طريقه ومساره. فهو يقول في كتابه ـ الفقه- كتاب السياسة "ج2- ص213 ما يلي: " الأصل في الإنسان الحرية، في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على إنسان آخر وهو مثله، كما إن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه"... ثم يضيف مؤكداً كلامه:" وكيف كان، فيدل على أصالة حربة الإنسان قول " علي أمير المؤمنين" (عليه السلام)المشار إليه أعلاه.

وحيث إن الحرية والإنسان والإسلام هي كلمات ذات مدلول واحد، ويرتبط أحدهم بالآخر، ارتباطاً لا انفصام فيه، ولا يبتعد عنه حتى لقيد أنملة، بل ولا يمكن أن يكون أو يوجد أحدهم من دون وجود الآخر، وكما يقول الإمام الراحل في كتابه- كتاب الفقه- كتاب السياسة (ج1) ص 271 ما يلي:

( فالأصل في الإسلام " الحرية " فأنها المستفاد من " الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم، ولذا فلكل إنسان أن ينضم إلى الآخرين لبناء الحياة وتقدمها ولا يحد هذه الحرية، إلا ما يوجب الضرر على الآخرين أو على النفس).

والحرية أيضاً كما يرها الإمام الراحل: (الحرية.. منحة آلهية، وحق طبيعي للإنسان في إبداء رأيه، وممارسة أعماله، ومعارضة حكامه).

غير إن الحرية التي يبحث عنها الإمام الراحل ويدعو لها هي ( الحرية المسؤولة) حيث يقول في كتابه ( الحرية الإسلامية)، ص 36 ما نصه:

" ليس معنى الحرية الفوضى في النظام أو في القائمين بالنظام، كما وجدناها في أول الانقلابات التي حدثت في مصر و العراق وباقي البلدان، فأن الناس اخذوا يعملون ما يشاءون من الأمور الفوضوية،... بل الحرية معناها إطلاق تصرف الناس في إطار المعقول فاللازم جعل إطار للحريات، وليس ذلك بمعنى الكبت بل بمعنى أن لا يضر الإنسان نفسه وغيره ".

هذا القول للإمام الراحل لم يأت من فراغ بل جاء مستنداً ومتطابقاً إلى القاعدة الفقهية في الإسلام، والمبنية على الحديث الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله):

"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " وهي القاعد التي اسماها فقهاء القانون في زماننا هذا بقاعدة " منع التعسف باستعمال الحق".

ولذلك وبناء على كل ما ذكرناه..، فأن الحرية كانت وظلت هي الركيزة الأساسية التي بنا وأشاد وأسس عليها الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي ( رحمه الله) بناءه ورؤاه الفكرية كلها، وهو ما أكده بنفسه حيث قال وفي الصفحة "10" من كتابه الرائع ( العراق.. ماضيه ومستقبله)، ما يأتي:

( إن من أهم العوامل التي ساعدت الغربيين في السيطرة على العراق المسلم هي إزالة الركائز الأساسية للحرية، وذلك عن طريق استخدام كل وسيلة ممكنة للسيطرة على بلادنا، كي نتحول إلى أمة لا وزن لها، تدور في فلكهم بلا إرادة ولا اختيار).

موسى جعفر محمد

مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية ـ واشنطن

مركز الإمام الشيرازي للبحوث والدراسات

 

 

 أرسل ملاحظاتك حول الموضوع