رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

الإمام الشيرازي .. رائد حركة الإصلاح والتجديد

 

 شهد التاريخ الإسلامي الحديث والمعاصر مصلحين كثيرين كجمال الدين الأفغاني، ومحمد رشيد رضا ومحمد عبده والمجدد والإمام الشيرازي ومحمد تقي الشيرازي وكاشف الغطاء وشرف الدين والبلاغي، ومنهم من مارس الإصلاح بالفكر، ومنهم بالموقف ومنهم بالفكر والموقف وهم القلة من المصلحين الذين أثروا عالمنا الإسلامي بأفكارهم المضيئة الذين قرنوا العلم بالعمل فكانت مواقفهم حلقة مكملة لأفكارهم.

والإمام الشيرازي هو من المصلحين القلائل الذين وفوا لأفكارهم ودفعوا ضريبة مواقفهم من راحتهم واستقرارهم.

وربما لم نعط الحقيقة حقها لو قايسنا الإمام الشيرازي ببعض المصلحين الذين نعرفهم، لأن الإمام الشيرازي كان من نمط خاص قل نظيره في تاريخنا المعاصر، فقد جمع الفضائل والسمات وقام بالأدوار والمسؤوليات خير قيام.

فكان ملجاءا للامة في أحلك أيامها، ومرجعا لها في دينها ودنياها.

وكان المفكر الذي يكتب ويخطب ويتحاور ويتناقش.

كان الأستاذ الذي ربي تلامذته على حب العلم والتمسك بأهداب الدين.

كان القائد الذي يقود الحركات ويؤسس المؤسسات ويقيم الجمعيات.

كان السياسي صاحب المواقف في مواجهه الأنظمة المستبيحة للحرمات.

كان الأب الذي يرعى شؤون المجتمع كما يرعى شؤون أبنائه.

وفي جميع هذه الأدوار والمواقف كان ظهوره تاما بكامل صفاته وسماته.

فهو في السياسة مرجع ديني، ترجع إليه الأمة في أمور دينها ودنياها.

وفي المرجعية الفقهية سياسي محارب للظالمين.

كان يدير مجتمعه كما يدير أسرته، وكما يدير التنظيمات التي أوجدها، كان الكل الذي يتحرك أجزاءه بنسق متناغم، فلا يتقدم جزء على جزء، ولا يتخلف جزء عن جزء من هنا كان الإمام الشيرازي النموذج الوضاء لرجل الإصلاح العتيد.

وبعيدا عن الكلمات المنمقة، لنقف وقفه تأمل أمام أفكاره ومواقفه لندرس حركته الإصلاحية عن كثب، وهو ما سيجري عليه البحث في هذا المضمار.

 مكونات البناء الإصلاحي

يتكون البناء الإصلاحي في فكر وممارسه الإمام الشيرازي من ثلاث طبقات.

الطبقة الأولى : البناء الفوقي.

الطبقة الثانية : البناء الوسطي.

الطبقة الثالثة : البناء التحتي.

 البناء الفوقي حركة الإصلاح والتجديد

يتكون هذا البناء من ثلاثة عناصر هي بالفقه، الفقيه، شوري الفقهاء.

فالإمام الشيرازي يستند إلى قواعد عقليه ونقليه مؤكدا أن عمليه الإصلاح يجب أن تبدأ من فوق، لأنه إذا فسد العالم فسد العالم ـ كما ورد في المأثور ـ وبالعكس إذا صلح العالم صلح العالم ... أما كيف يمكن إصلاح العالم ؟

يجب الشروع من الفقه والسبب هو:

لما كان الفقه (الشيعي) وبسبب العزلة التي فرض عليه من الدولة، اصبح منعزلا عن الحياة، وتحول إلى فقه يدور الفرد، فاصبح يواجه تحديات كبيرة صح نمو حركه التغيير الاجتماعي. وبات من المسلم إن اكبر ما يعيق عمليه التغيير دوران الفقه حول الفرد وعجزه عن مواجهه متطالبات المجتمع المتجددة.

من هنا انبري عدد قليل من الفقهاء حل هذه المعضلة منهم الإمام الشيرازي.

 المطلب الأول : فقه المجتمع بدلا من فقه الفرد.

لم يكن من السهل تدوير دفة الفقه بزاوية تسعين درجة من الفرد إلى المجتمع، لأنه من المحتم انه سيواجه تراكما من التراث الفقهي الذي يعيق هذا التدوير، لكن مما سهل للإمام الشيرازي ذلك هو:

1 ـ الجرأة الاجتهادية:

فمن نعم الله على عباده انه أعطاهم العقل يفكروا به ويدبروا أمورهم على أساسه، ومن نعم الإسلام انه طالب المسلمين بالتفكير، ومن نعم التشريع الإسلامي انه اقترن بوجود المجتهدين على مر العصور، الذين يقومون بحل المعضلات المستجدة واستنباط الأحكام لكل واقعة، لكن المجتهدين على نمطين، قسم من المجتهدين يحتاطون كثيرا، ولا يعطوا لاجتهادهم مساحة اكبر، فهم قد وضعوا لأنفسهم خطوطا حمراء يتهيبوا من تجاوزها، فأحدهم لا يحاول المساس بما اتفق عليه الفقهاء الكبار، بينما هناك مجتهدون آخرون وضعوا حتى ما اتفق عليه السلف الصالح من الفقهاء في دائرة الفحص والتمحيص، فلربما اتجه أحد الفقهاء اتجاها في الفقه وكل من جاء من الفقهاء اتجهوا هذا الاتجاه، فإعادة النظر فيما اتجهوا إليه ليس بالأمر السهل على الفقيه إذ لابد أن يمتلك الجرأة والشجاعة الكافية للاضطلاع بهذه المهمة الصعبة، وكان الإمام الشيرازي ممن امتلك تلك المقدرة الروحية والنفسية والعلمية لإنجاز هذا الأمر الخطير، فكان أول فقيه يخرج عن مألوف الفقهاء ويستنبط أحكاما في قضايا مستجدة، قضايا ممكنة الحدوث في المستقبل، ثم انه جمع هذه الأحكام وأصدرها في كتاب باسم المسائل المستجدة، وقد أثار ظهور هذا الكتاب زوبعة في وسط الفقهاء في العراق فشنت عليه الغارات الظالمة، واعتبر البعض إن هذا العمل مروقا من الدين، لكن لم يمض وقت طويل حتى اضطر بعض الفقهاء تحت ضغط الحاجة أن يسلك السبيل نفسه، وأذعنت الحوزة العلمية بان الإمام الشيرازي هو رائد التجديد، وهو أول من ابتكر هذا النهج غير عابئ باللوم والتقريع.

2 ـ الإحاطة الكاملة:

فالجرأة وحدها لا تكفي في عمليه التغيير، فلربما ستكون أية محاولة مالها الخسران إذا لم يكن الفقيه مسلحا بالأدلة القاطعة القادرة على مواجهة أدلة بقيه الفقهاء الذين يرون خلاف ذلك. وبدون الإحاطة الكاملة لا يستطيع أن يكون الفقيه قوي الحجة أمام الخصم. وقد اتصف الإمام الشيرازي، بهذه الصفة، فكان محيطا بكل العلوم الدينية والمعارف الشرعية، ملما بآراء الفقهاء وأدلتهم، ومما زاد من سعة اطلاعه وقوة حجته انه كان يأخذ بالسيرة العملية للنبي والأئمة عليهم الصلوات والسلام لتدعيم رأيه خلافا لبعض الفقهاء الذين أهملوا هذا الجانب ولم يمنحوه دورا في التشريع وكانوا يقولون عنه (حادثة في واقعة) بينما الإمام الشيرازي اهتم كثيرا بتاريخ النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) وادخل وقائعهم الحياتية والإجتماعية والسياسية في الأحكام بعد أن استدل على حجية هذه الوقائع، وبهذا أضاف مصدرا مهما إلى التشريع أهمله الفقهاء فزاد من الاستيعاب الفقهي وأعطاه قدرة اكبر على العطاء، ومتسعا من المرونة في استنباط الأحكام.

والفقه المتأتي من كلام المعصوم وفعله والذي لا يحصر نفسه بكلام المعصوم فقط هو فقه اكثر حركية وقدرة على مواجهة أعباء إدارة المجتمع، وهذا هو اقرب إلى روح الإسلام ومنهجه في إسعاد البشر، وهذا ما اتصف به فقه الإمام الشيرازي.

مواطن التجديد في الفقه الاجتماعي.

قام منهج الإمام الشيرازي في الاستنباط الفقهي على مقولة؛ إنّ التشريع هو في الأساس دستور لإدارة الدولة والمجتمع، والأحكام الشرعية ما هي إلا مواد دستورية، وكما إن القانون يعالج قضايا الفرد من خلال المجتمع والدولة كذلك عالجت الشرعية قضايا الفرد من خلال المجتمع ؛ ليس بمعنى إعطاء الفرد الرتبة الثانية وإعطاء المجتمع الرتبة الأولى، ولا بمعنى هضم حقوق الفرد لصالح الجماعة كما فعل النظام الاشتراكي، بل بمعنى إن قضايا الفرد متداخلة مع قضايا بقية الأفراد فلابد من نظرة متوازنة إلى الفرد من خلال المجموع إذ ليس من الحكمة معالجه مشاكل الفرد على انفراد لأنها ستكون حتما على حساب المجموع.

وبقية الأمر يتطلب إيجاد انعطافه في الفقه تقوده من جادة الفرد إلى جادة المجتمع، أو بالأحرى تنقذه من حدود الشخصية والانطلاق به إلى المجتمع المطلق، وقد استخدم الإمام الشيرازي آليات فعالة في إحداثه هذه الانعطافة من هذه الآليات.

 أولا : استحداث أبواب جديدة في الفقه الاجتماعي.

كان الفقه يدور حول أبواب محدودة، حيث قسمه الفقهاء إلى العبادات والمعاملات، والعبادات صنعت إلى الطهارة ثم الصلاة والصوم ... إلى آخره، والمعاملات قسمت إلى العقود والإيقاعات. وقد أضاف الإمام الشيرازي إلى هذه السلسلة موضوعات جديدة كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والطب والتنمية والقانون والأسرة، أضافها إلى أبواب الفقه السابقة وصنفها ضمن موسوعته الفقهية . وهذه الأبواب الجديدة بعضها مستحدث لأول مرة كفقه البيئة والمرور وبعضها متناثر في أجزاء الفقه المختلفة، قام الشيرازي بجمعها وملأ فراغاتها حتى أصبحت أبوابا مستقلة كالسياسة والاقتصاد والاجتماع. ولو مد الله في عمره لواصل استحداث أبواب جديده مع تطور الحياة، وتطور الأساليب التقنية منطلقا من نظرية فقهية هي ؛ ليس في الشريعة الإسلامية منطقة فراغ، فقد ورد لكل حادثة حكم حتى ارش الخدش، إلا أنّ بعض الأحكام تبدو غير مرئية للبعض فيعتقد بان هناك منطقة فراغ، حتى المسائل المستجدة لها في الشريعة الإسلامية أحكام واضحة بحاجة إلى الكشف وهي وظيفة الفقيه.

وباستحداث الأبواب الجديدة اصبح الفقه اكثر ديناميكية لأنه تحول من فقه يعالج مشاكل الفرد إلى فقه يعالج قضايا المجتمع الكبرى كالاقتصاد والحكم ومشاكل البيئة والتلوث والتصحر والاستقلال وما شابه ذلك.

 

ثانيا : إسقاط الحيل الشرعية:

الحيل الشرعية صورة تعكس ما ذكرناه حول تمحور الفقه حول الفرد، ولما كانت مسؤولية الفقه هي حل مشاكل الفرد فقد فتح الفقهاء بابا باسم الحيل الشرعية ويقصد بها إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر لمصلحه الفرد، كما لو أراد وطء جارية الغير فغصبها وزعم إنها ماتت فقضي عليه بقيمتها فوطئها بذلك، أم أقام شهود زور على تزويج بكر برضاها فقضى الحاكم بذلك فوطئها أو أراد بيع عشرة دراهم نقدا بعشرين إلى اجل أو الفرار من الخمس بهبة المال أو إتلافه، وعلى الجملة فهو تحيل على قلب الأحكام الثابتة شرعا إلى أحكام أخر بفعل صحيح الظاهر لغو في الباطن (1) وقد تسبب سلوك هذا المسلك في إسقاط كثير من الأحكام المهمة كحرمة الربا، وإسقاط الخمس والزكاة، ونجم عن ذلك أضرار كبيرة تحملها المجتمع الإسلامي بالرغم من استفادة الفرد من هذه الحيل.

وقد انبرى بعض العلماء للوقوف قبال هذا المسلك منهم الشاطبي (ت 790 هـ) الذي قسم الحيل إلى قسمين: حيل تهدم أصلا شرعيا وتناقض مصلحة معتبرة، وأخرى عكس ذلك فأجاز القسم الثاني وحرم القسم الأول فان فرضنا إن الحيلة لا تهدم أصلا شرعيا، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها، فغير داخلة في النهي ولا هي باطلة(2).

ومن المصلحين الذين وقفوا قبال الحيل الشرعية الإمام الشيرازي الذي قسمها إلى قسمين ؛ حيل شرعية عقلائية يترتب عليها مصلحة فردية وعامة يقبلها العقل ولا تتناقض مع الشرع، وحيل شرعية غير عقلانية تلغي مصلحة عامة لمصلحة الفرد كبيع منديل بعشرين درهما لتسويغ الربا أو ما شابه ذلك من الحيل التي أجازها البعض في رسائلهم العملية. وقد أبتدأ الإمام الشيرازي معالجته للحيل الشرعية بوضع تعريف محدد لها قائلا : (لا يخفي أن ما سماه الفقهاء بالحيل الشرعية يراد بها: المعنى اللغوي ومنه قول الإمام زين العابدين في دعاء أبي حمزة الثمالي : (ولا تمكر بي في حيلتك) لا العرفي الذي هو التمايل على القانون من قبيل صيد اليهود السمك(3) (كان اليهود يحصرون السمك في أحواض في أيام السبت تم يأخذونها في اليوم التالي).

وعن القسم الأول من الحيل الشرعية العقلائية يقول الإمام الشيرازي : لا إشكال في صحة الفرار من الربا بالطرق الشرعية، فان الشارع لحكمته لم يضيق الخناق على المكلف حتى لا يضطر إلى فعل المحرم، ولذا جعل في كثير من الأحكام مخرجا فالصلاة تقصر في السفر، والصيام يبدل إلى الإفطار فيه ... مستندا إلى صحاح الحلبي، وأبي بصير وابن الحجاج (نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال)(4) ومجرد تخليص المجتمع من ربقة الحرام يتضمن مصلحة عامة وليس مصلحة فرديه، لان في إشاعة ثقافة الحلال يطهر المجتمع من دنس المحرمات.

ويستنتج الإمام الشيرازي في ختام بحثه في الحيل الشرعية قائلا : (نعم لا إشكال في لزوم أن لا يعد العمل غير عقلائي كألف في مقابل خمسمائة ومنديل مثلا، أو ما أشبه ذلك، والحاصل : انه بعد العقلائية لانصراف الأدلة عن غيرها ـ يعمل بما ذكرناه ـ (5).

 

ثالثا : العمل وفق القواعد الفقهية ذات المضمون الاجتماعي:

هناك المئات من القواعد الفقهية التي استنبطها العلماء من مصادر التشريع واخذوا بها كوسائل لاستنباط الأحكام الشرعية، بعض هذه القواعد تدور حول مصلحة المجتمع يمكن تسميتها بالقواعد الاجتماعية الفقهية لتمييزها عن القواعد الأخرى التي لا نطلع بهذه المهمة، والعمل وفق هذه القواعد من شانه أن يجعل الفقه يصب لصالح المجتمع بالإضافة إلى اخذ مصالح الفرد بنظر الاعتبار. أما تجاهل هذه القواعد فيتسبب في جعل الأحكام تدور مدار الفرد وليس المجتمع، وقد أشار الإمام الشيرازي إلى هذه القواعد في معرض استدلاله على الأحكام وهي كثيرة غطت صفحات موسوعته التي ناهزت (150) مجلدا لكن واختصارا نأتي على ذكر تلك القواعد دون الأحكام وهي:

 1 ـ لا يجوز الإضرار بالغير لرفع الضرر عن النفس، كما لا يجب تحمل الضرر لدفع الضرر عن الغير إلا إذا كان أهم في البين.

 2 ـ لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بأذنه.

 3 ـ الطرق يجوز لكل أحد التصرف فيها بما لا يتضرر به المارة.

 4 ـ يجوز تغيير الأحكام بتغيير العادات، كما في نفقات الزوجات والأقارب باختلاف الموارد والمواضع نظرا إلى اختلاف المقتضى وتعدده.

 5 ـ الأحكام الشرعية إرادات ناشئة عن المصالح والمفاسد فتختلف باختلاف الموارد والمواضع نظرا إلى اختلاف المقتضى وتعدده.

 6 ـ يجب تنبيه الغافل وإرشاد الجاهل وهداية الضال.

 7 ـ لا يجوز الأغرار بالجهل.

 8 ـ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

 9 ـ كل إسراف وتبذير حرام.

 10 ـ المضطر إلى ارتكاب أحد محذورين يرتكب اقلهما باسا.

 11 ـ قاعدة الاشتراك: حكم الله على الواحد حكمه على الجماعة.

 12 ـ يجب المبادرة إلى رد الأمانات الشرعية وان لم يطلبها المالك.

 13 ـ يقدم حق الناس على حق الله.

 14 ـ لا تقية في القتل.

 15 ـ سوق المسلمين كمسجدهم.

 16 ـ غبن المؤمن حرام.

 17 ـ من له الغنم فعليه الغرم.

 18 ـ أفعال المسلمين وأقوالهم محمولة على الصحة إلا ما علم فيه الفساد.

 19 ـ المؤمنون عند شروطهم.

 20 ـ الوفاء بالعقود.

ويلاحظ على ما تقدم، انه أما قواعد مستنبطه من القران الكريم أو السنة النبوية الشريفة أو ادله عقليه.

 رابعا : الآيات الستة

من إبداعات الإمام الشيرازي استنباطه ست قواعد عامة حاكمة على الفقه والفكر والأخلاق والسياسة والاجتماع وهي:

 1 ـ قاعدة وجوب الشورى والزاميتها ومستندها (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شوري بينهم ومما رزقناهم ينفقون) الشورى / 38.

يقول عن هذه القاعدة (فقد جعل الله الشورى بين الصلاة والإنفاق، والصلاة هي ركن العبادة وعمود الدين وهي السبيل لبناء الشخصية الإسلامية أما الإنفاق هو السبيل لتقدم المجتمع وإقامة نظام اقتصادي أساسه العدل، وبين الواجبين ـ واجب الصلاة وواجب الإنفاق هناك واجب ثالث هو الشورى.

ثم يقول : والشورى قاعدة بين حلقتين لا يبنى المجتمع الإسلامي إلا بهما: وللمجتمع ثلاث أبعاد، بعد روحي يتحقق من خلال العبادة، وبعد سياسي يتحقق من خلال الشورى، وبعد اجتماعي يتحقق من خلال الإنفاق(6).

 2 ـ قاعدة الحرية: ومستندها (يضع عنهم أصرهم والأغلال التي كانت عليهم) يقول الإمام الشيرازي عن هذه القاعدة: (الحرية في كل شيء إلا المحرمات، ومن مصاديق الحرية، حرية تكوين الأحزاب وإقامة المؤسسات الدستورية وسن القوانين المتناسبة مع أهداف المجتمع الإسلامي، وحرية التجارة وحرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة من زراعة وصناعة وعمارة وطبع ونشر، واستفادة من المباحات أرضا كانت أو غيرها.

كذلك الحريات الشخصية التي لا تتعارض مع الأحكام الشرعية كحرية السفر والإقامة والعمل(7).

 3 ـ قاعدة السعي: ومستندها (وان ليس للإنسان إلا ما سعى وان سعيه سوف يرى) النجم / 39 ـ 40.

يقول عن هذه القاعدة : (فلابد أن يكون اهتمام الإنسان بالإنتاج، الفلاح في مزرعته يفكر بالإنتاج في الجانبين الكم والكيف والعامل في مصنعه يفكر بالإنتاج في الكم والكيف وهكذا كل إنسان يعيش في المجتمع الإسلامي رائده الأول هو الإنتاج، وعندما يزداد الإنتاج ينتعش المجتمع، وعندما يتحسن الإنتاج يحصل الاكتفاء الذاتي، والحصيلة هي التقدم في كل المناحي وعدم الاحتياج إلى الأجانب)(8).

 4 ـ قاعدة الأمة الواحدة: ومستندها (إنّ هذه أمتكم أمة واحدة) الأنبياء: 93.

يقول عن هذه القاعدة : (وهكذا أراد الله للبشرية أن تكون أمة واحدة كما لها رب واحد(9) هذا على النطاق العام أما على النطاق الخاص فان الدعوة إلى قيام الأمة الإسلامية الواحدة ومقتضى ذلك كما يقول الإمام الشيرازي : (رفع الحدود الجغرافية والحواجز النفسية وتوحيد اللغة والتاريخ والعملة وما شابه ذلك على أن تكون اللغة المشتركة لغة القرآن والتاريخ الرسمي تاريخ الإسلام الهجري القمري والعملة الدينار والدرهم)(10).

 5 ـ قاعدة تملك الرأسمال: ومستندها (لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) سورة البقرة / 279، وهي نتيجة السعي حيث يحصل الإنسان العامل على رأسمال هو ملك له لا يحق لأحد أن يستولي عليه تحت أية ذريعة، ويسمي الإمام الشيرازي هذه الآية (آية عدم الضريبة إلا في أربع: الخمس، الزكاة، الجزية، الخراج)(11) واستنادا لهذه الآية يحرم وضع الضريبة على المال باستثناء الأمور الأربعة التي ذكرها.

 6 ـ قاعدة إعمار الأرض: ومستندها (خلق لكم ما في الأرض جميعا) البقرة / 29 و (الأرض لله ولمن عمرها) (12) و (في سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له) (13) واستنادا لهذه القاعدة يوجب الإمام الشيرازي على الدولة ضرورة توزيع الأرض على الناس بلا ثمن لإحيائها أما في السكن أو العمل أو الزراعة كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) (ورد أن علياً (عليه السلام) بنى في الكوفة دكاكين وأعطاها للناس مجانا حتى لا يغلى ثمن البضائع، وقال (عليه السلام) ما من شخص إلا وأعطيته دارا)(14).

هذه القواعد الستة يمكن إضافتها إلى القواعد الفقهية التي ذكرها الفقهاء واستنتجوها خلال بحوثهم الفقهية، وقد سمى الإمام الشيرازي الآيات التي استند إليها في استخراج تلك القواعد بالآيات المنسية التي نساها المسلمون فتراجعوا بدل أن يتقدموا (فساد الاستبداد عندما ترك المسلمون الشورى، وشل المجتمع عندما ترك المسلمون العمل بالحريات وانخفضت إنتاجية المجتمع عندما ترك المسلمون السعي، وتشتت المسلمون وتمزقوا عندما قطعت بلادهم، وأضحوا في ضنك عندما تركوا قانون (لكم)(15).

وقد تركت هذه الآيات أثرها في التشريع وأصبحت في مصاف القواعد الفقهية التي أعطت للشيرازي فسحة أخرى من الحركة نحو قيادة الفقه من المقاصد الفردية إلي المقاصد الجماعية.

وهذه هي أهم الإصلاحات التي أوجدها الإمام الشيرازي على صعيد الفقه الإسلامي.

 المطلب الثاني: الفقيه المتصدي

الصورة التي رسمها الإمام الشيرازي للفقيه تختلف عن الصورة المتعارف عليها، فقد تعارفت الحوزات العلمية إن الفقيه هو القادر على استنباط الإحكام الشرعية وحسب، بينما أضاف الإمام الشيرازي إلى هذه القدرة الكفاءة الإدارية والاستعداد النفس للتصدي وتحمل قضايا الأمة.

وهذا جانب مهم من جوانب الإصلاح في فكر وحركة الإمام الشيرازي، لأنه بدون فقيه متصدي لأمور الناس لا يمكن القيام بأي عمل تغييري في المجتمع.

وقد رسم الإمام الشيرازي هذه الصورة عن الفقيه الواعي والفاعل في المجتمع من خلال ممارساته لأمور المرجعية فقد أعطى عن نفسه صورة مشرقة للفقيه الجامع للشرائط، ومن الشرائط بالطبع التصدي لقضايا الأمة.

وأيضا من خلال النماذج التي يطرحها في كتبه عن المرجعية الصالحة.

فقد ذكر عددا من الفقهاء كنماذج لعالم الدين المتصدي والواعي لزمانه ولمسؤولياته.

من هؤلاء السيد البروجردي الذي وصفه الإمام الشيرازي (من أعلام قم وشخصياتها، تصدى لزعامة الحوزة العلمية فيها، وذلك اثر دعوة كبار العلماء له، وبقدومه إلى قم المقدسة ازدهرت الحوزة العلمية وتقدمت تقدما كبيرا وتطورت تطورا عظيما، حيث استطاع السيد البروجردي أيام مرجعيته تقوية الاعتماد على القران والحديث، وتضعيف الحكمة والفلسفة وحذفها من مناهج الحوزة العلمية، وفي هذا المجال قام بتأليف الموسوعة الحديثية الضخمة والجامعة ويقدم الإمام الشيرازي نموذجا آخرا من الفقهاء المتقدمين وهو نصير الدين الطوسي الذي أوقف الزحف المغولي وحدَّ من غطرسة هولاكو، بالإضافة إلى ما قدمه من خدمات علميه يقول عنه: (إن الخواجة نصير الدين لم يكن موفقا فقط في الحد من همجية المغول وبربرية هولاكوخان كبير المغول، بل سعى رغم الصعوبات والمشاكل التي كانت تعصف به إلى حفظ التراث العلمي والكيان الإسلامي حتى لا تندثر المفاهيم الإسلامية ولا تنطفئ شعلة حضارته الوهاجة وحفاظا على ذلك فقد انشأ مرصد مراغة المعروف واشتغل بالتدريس وتتلمذ على يديه ما لا يحصى من طلاب العلوم الدينية، واشتغل بالتأليف أيضا، وألف كتبا قيمة وغنية)(17).

أما اتجاهه الآخر في طرح فكرة الفقيه المتصدي ؛ هو عمله الدؤوب لتربيه نماذج فريدة من المراجع المتصدين والفقهاء الرساليين، وقد برز الكثير من تلاميذه من كان فقيها ومتصديا انتشروا في مختلف الآفاق ليؤكد الإمام الشيرازي من خلالهم انه لم يترك كتبا وأفكارا إصلاحية وحسب بل ترك مسيرة متواصلة تختزن الفقهاء والكوادر والمؤسسات.

وهكذا استطاع الإمام الشيرازي بمنهجيته وبسلوكه، وبتراثه، وبتلاميذه أن يغير الصورة عن الفقيه، من فقيه يقوم بوظائفه الفقهية في استنباط الأحكام إلى فقيه يجمع الجانب التخصص الفقهي استعداده الكامل لتحمل مسؤوليته وهو ما تتطلع إليه الأمة الإسلامية اليوم، تتطلع إلى فقيه يتفاعل مع قضاياها الحياتية اليومية، ويقود مسيرتها إلى الخير والسعادة ويكون هو في مقدمة الركب يجري عليه ما يجري على الأمة سواء في الرخاء أو الشقاء.

وعندما تجد الأمة هذا الفقيه تبذل له الدم والمال كما كانت هكذا مع الإمام الشيرازي ومن قبله مع الشهيد الصدر الثاني ومن قبله مع الميرزا محمد تقي الشيرازي زعم ثورة العشرين.

 المطلب الثالث : شوري الفقهاء.

ويكتمل البناء الفوقي لعملية الإصلاح بإيجاد منظومة تجمع الفقهاء المتصدين تقوم على قاعدة الشورى. وشورى الفقهاء هو عصارة الفكر السياسي للشيرازي ولا عجب أن نجد في اكثر كتبه بحثا يتناسب وموضوع الكتاب عن شوري الفقهاء المراجع، حيث يعتقد الإمام الشيرازي إن جميع مشاكل الأمة من فقر وجهل وتخلف وتراجع في الحقل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي منشأه عدم وجود مجلس يجمع الفقهاء في منظمة واحدة.

ويبسط الشيرازي بكلمات مبسطة وواضحة نظريته في شوري الفقهاء المراجع قائلا : (من مشاكل المسلمين في الحال الحاضر انفراد المراجع في العمل على رغم إخلاصهم وصدقهم وتفاعلهم في سبيل الحق والهداية ـ وإنما هي مشكلة الدنيا الحاضرة، ففي السابق كانت الدنيا انفرادية حيث اعتاد الناس على العمل الفردي والتفكير والتخطيط والتنفيذ الانفرادي، فلم يكن باس بالانفرادية في الجانب المرجعي، أما اليوم وقد نظمت كل الفئات جهودها وإمكاناتها يهودية كانت أو نصرانية أو غيرها من الأديان والمذاهب التي لها اصل سماوي أو لا اصل سماوي لها.

ثم يأخذ على العمل الفردي قائلا: (والعمل الذي يقوم به الإنسان على انفراد مهما كان ناجحاً وجيدا إلا انه لا يتمتع بتلك الجودة إذا لم يكن متكاملا مع الأعمال الأخرى.

من هنا كانت مسؤولية المراجع حفظهم الله تعالى هي توحيد طاقات العمل وصبها فيما هو خير وصلاح للامة حتى تأخذ الأمة عدَّها التصاعدي بعد سقوط دام عقودا من الزمن.

ويقول في معرض استدلاله على حجية شورى الفقهاء المراجع: (وبالجمع بين أدلة الشورى الأمة وأدلة الأمة نجد من الضروري جدا إقامة مجالس للشورى ابتداء من المراجع وانتهاء بعامة الناس).

ويعلل سبب هذه الدعوة: (إن الانفرادية في المرجعية هي سبب تغلب الغرب علينا ليس دينيا فقط بل ودنيويا، فاصبح العلماء والمراجع يتعرضون للاعتقال والتعذيب والقتل ومصادرة الأموال ... ولا من منقذ ولا من مجير إلا الله سبحانه وتعالى)(18).

ويقدم لنا التاريخ تجارب ناجحة عن شورى الفقهاء، ففي ثورة العشرين عندما تشاور العلماء وشكلوا المجالس لهذا الغرض انتظم المجتمع، والتحق بهم كافة الأصناف والطبقات حتى السنة واصبح القرار قرارا واحدا فاجتمعت كلمة الأمة فكانت ثورة العشرين.

وعلى العكس لم تتحقق هذه الظاهرة في ثورة الدستور في إيران فقد اختلف العلماء فيما بينهم، وانقسم الرأي بين مؤيدٍ ومعارضٍ فانشطرت الأمة بين الآخوند الخراساني وبين السيد كاظم اليزدي، الأمر الذي أدى إلى فشل ثورة الدستور.

فاجتماع الفقهاء فيما بينهم وإقامة مجالس الشورى سيسرع من وتائر العمل والتقدم في المجتمع الإسلامي من خلال:

 1 ـ تعزيز وحدة الأمة: فاتفاق المراجع فيما بينهم في قضايا المجتمع السياسية والاجتماعية والدينية سيكون سبيلا لوحدة الكلمة، بينما نجد في تاريخنا المعاصر كلما تفرقت الأمة كان أحد أهم أسباب تفرقها هو اختلاف الزعماء الدينيين فيما بينهم.

 2 ـ تجميع الطاقات، فكل مرجعية من المرجعيات الدينية هي قوة بحد ذاتها على الساحة الإسلامية فتكاتف هذه المرجعيات سيؤدي إلى تجميع هذه القوى المتفرقة وصبها في مصب واحد.

 3 ـ مواجهة المعضلات والمشاكل الصعبة، فلربما وجدنا مرجعا غير قادر على مواجهة معضلهَ ما فوجود مراجع آخرين إلى جانبه سيمكنه من حل اكبر المشاكل، ولنا مصاديق عديدة في التاريخ المعاصر حيث استطاع المراجع بتكاتفهم من حل اصعب المشاكل فمثلا اشترك مراجع العراق في تخليص الإمام الخميني من معتقل الشاه وكان للشيرازي دور رئيسي في التنسيق بين المراجع العظام وهم: الإمام الحكيم والإمام الشاهرودي والإمام الخوئي وكانت حصيلة اجتماع المراجع في النجف الاشرف إصدار بيان طالبوا فيه من الشاه محمد رضا بهلوي إطلاق سراح الإمام الخميني، فاُجبر الشاه على ذلك مضطرا.

 4 ـ توحيد الموقف الفقهي: من الفوائد الكبيرة التي تجنيها الأمة من التئام المراجع فيما بينهم هو تشاورهم في المسائل الفقهية واتخاذ مواقف مشتركة في القضايا المستعصية ففائدة التشاور هي إغناء الجانب الفقهي بطرح كل مرجع لأدلته الشرعية والانحياز لصالح الدليل القوي، وبهذا الموقف الفقهي الموحدُ يحلُّ الكثير من المشكلات ويزيل الكثير من المعوقات.

 5 ـ إنشاء صندوق مُوحِّد، ومن ثمار قيام مجلس للفقهاء تجمع الحقوق الشرعية والنذور والتبرعات في صندوق مشترك تشرف عليه لجنه مشتركة تضم ممثلين عن هؤلاء المراجع وباستطاعة هذا الصندوق أن يحل الكثير من مشكلات الأمة كالفقر والعوز، وبمقدوره إقامة مشاريع ومؤسسات كبيرة تدر على الأمة بالنفع الكبير.

ويضطلع شورى الفقهاء بمسؤوليات كثيرة في المجتمع الإسلامي اقلها المسؤولية الاجتماعية وأكثرها إقامة الدولة الإسلامية.

ففي حديثه عن أسباب العزة والقوة يقول الإمام الشيرازي: (نعم لو غيرنا أنفسنا ورجعنا إلى أسباب عزتنا، غيَّر الله تعالى ما بنا وأعاد علينا عزنا وسؤددنا وذلك لا يكون إلا بثلاث أمور: الأمر الأول شورى المرجعية، وذلك بان يكون المراجع كلهم وبصورة شورى هم الذين يحكمون الأمة الإسلامية وبلاد الإسلام لأنهم هم وحدهم بعد الأئمة المعصومين الحكام الشرعيين وغيرهم لا شرعيه له بحسب القران الكريم والروايات الشريفة)(19).

هذا ما قرره الإمام الشيرازي في حقل الإصلاح الفوقي أما بقيه أجزاء حركة الإصلاح فسيأتي تباعا في الحلقات القادمة إنشاء الله تعالى.

 


1 ـ الشاطبي : الموافقات 2 / 288.

2 ـ المصدر نفسه : 2 / 293.

3 ـ الموسوعة الفقهية : كتاب التجارة ص 111.

4 ـ وسائل الشيعة 2 / 466 ح 1.

5 ـ الموسوعة الفقهية ـ كتاب التجارة ص 112.

6 ـ شهر رمضان شهر البناء والتقدم ص 35 ـ 36.

7 ـ المصدر نفسه ص 36.

8 ـ المصدر نفسه ص 37.

9 ـ لماذا يحاربون القران ص 22.

10 ـ المتخلفون ص 41.

11 ـ شهر رمضان ص 37.

12 ـ الكافي 5 / 279.

13 ـ وسائل الشيعة 17 / 328.

14 ـ لماذا يحاربون القرآن ص 30.

15 ـ شهر رمضان المبارك ص 38.

16 ـ قم المقدسة رائدة الحضارة ص 180.

17 ـ المصدر نفسه ص 163.

18 ـ شهر رمضان : شهر البناء والتقدم ص 57 ـ 58.

19 ـ المتخلفون مليار مسلم ص 71.

 

 أرسل ملاحظاتك حول الموضوع