رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

أهداف حزب الحرب الأمريكي كما كشف عنها خطاب حالة الاتحاد

 

علاء بيومي*

خطاب حالة الاتحاد الأمريكي الذي ألقاه الرئيس يوم الثلاثاء الموافق الثامن والعشرين من يناير له دلالات عديدة على رأسها – من وجهة نظري – انتصار ما يمكن تسميته بحزب الحرب داخل دوائر صنع السياسة الخارجية الأمريكية خلال الفترة الحالية.

وأقصد بحزب الحرب هنا مجموعة المستشارين الذين يملون على الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش سياسته الخارجية الراهنة، والذين قد ينتمون إلى الجماعات اليمينية المتشددة أو الجماعات الموالية لإسرائيل أو غير ذلك من الجماعات المتشددة أيدلوجيا، ولكنهم في النهاية يؤيدون سياسة أمريكا الحالية بما في ذلك الحرب ضد العراق.

وأقصد بالحرب هنا ليس فقط الحرب ضد العراق ولا الحرب ضد الإرهاب، ولكنها الحرب كما يتصورها هؤلاء. ومن خلال قراءتي للعديد من الكتابات حول تصور صناع السياسة الخارجية الأمريكية للحرب - ولما يسمى بالحرب ضد الإرهاب - بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المؤسفة يمكنني أن أقول أن حزب الحرب داخل إدارة بوش يتبنى تعريفا معينا واسعا لمفهوم الحرب ضد الإرهاب، وأن هذا التعريف يتعدى ما يتمناه كثير من المعتدلين داخل وخارج أمريكا.

فالواضح أن حزب الحرب داخل الإدارة الأمريكية الحالية بات يرى الحرب ضد الإرهاب كفرصة لإعادة سياسات الحرب الباردة والحرب العالمية الثانية، وإعادة بناء عدو دولي كبير يصيغون سياستهم ضدهم، ويوفر عليهم عناء التفكير في سبل صياغة أجندتهم الخارجية بشكل إيجابي أو جديد وعناء إقناع الشعب الأمريكي بأنهم يحاولون الحفاظ على أمنه في بيئة دولية متطورة ومتجددة، أو عناء إقناعه بالأموال الباهظة التي يفضلون إنفاقها على ميزانيات التسلح وبناء ترسانات الأسلحة الضخمة كلما تولوا - أو تولوا نظرائهم - الحكم في الولايات المتحدة.

وأهم ما في مفهوم الحرب كما يتصوره هؤلاء ثلاثة عناصر أساسية:

أولها: أنها حرب كبرى، حرب عالمية على مستوى الحرب الباردة والحرب العالمية الثانية بغض النظر عن ضعف وصغر العدو الجديد وحقيقة أن التعامل معه يتطلب أسلوبا مختلف – إلى حد كبير - عن أسلوب التعامل مع ند عالمي قوي مثل الاتحاد السوفيتي السابق أو قوات هتلر النازية في الحرب العالمية الثانية.

فالواضح أن التعامل مع جماعات مثل القاعدة لا يتطلب ترسانات ضخمة من الأسلحة بقدر ما يتطلب بناء شبكة تعاون دولية ضخمة لتضييق الخناق على هذه الجماعات، وأهم من ذلك السعي لحل الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور هذه الجماعات المتطرفة على المستويات الوطنية والإقليمية الدولية والعالمية.

العنصر الثاني: من عناصر الحرب كما يتصورها حزب الحرب الأمريكي هو العدو، وأعني بذلك ضرورة وجود عدو يحل محل الاتحاد السوفيتي السابق أو ألمانيا النازية بغض النظر عن حجمه أو أيدلوجيته أو ربما حتى سلوكه واستعداده للحوار، وأسوأ ما في مفهوم العدو هذا هو قضية صناعته، وأعني بذلك أن حزب الحرب سوف يتعمد صناعة العدو بالشكل الذي يبرر محاربة أمريكا له بكل قدراتها وإمكاناتها ومواردها، وتكون صناعة العدو من خلال شيطنته أو إضفاء جميع ومختلف صفات الشر والشيطان عليه، وذلك على مستوى إعلامي وسياسي واسع النطاق، بحيث يتم تكريه الشعب الأمريكي في العدو الجديد والذي سوف يصور بصفات غير آدمية و غير قابلة للإصلاح.

ثالثا: ولما كانت القاعدة هي أصغر وأضعف من أن توفي بكل متطلبات العدو المطلوب فمن المنطقي أن يتم توسيع الحرب لتشمل أعداء جدد مثل ما يسمى بالدول المارقة وعلى رأسها - في أجندة حزب الحرب الأمريكي - العراق ثم إيران، ثم ما يليهم من الدول العربية والمسلمة التي تزعج قوى اللوبي الموالي لإسرائيل وحلفائهم بين المحافظين الجدد في واشنطن.

وللأسف سوف يصبح من الصعب - وربما من المستحيل - أن يميز المواطن الأمريكي العادي بين أعداء الولايات المتحدة في الحرب العالمية الجديدة (كما يراها حزب الحرب الأمريكي) وبين الفرد المسلم أو العربي العادي في الولايات المتحدة أو في خارجها، وذلك لأن الأطراف المستهدفة من قبل حزب الحرب الأمريكي جميعها أطراف مسلمة إن لم تكن عربية.

ولأن حزب الحرب الأمريكي سوف يسعى بكل طاقته لشيطنة أعدائه الجدد لأقصى حد، ولإنجاح الحرب لابد وأن تشمل الشيطنة كل الصفات السيئة وأن تغطى كل خصال العدو الجديد وأن تشمل جميع أبنائه المعتدلين منهم أو المتشددين، وبغض النظر عما إذا كانوا يعيشون في الشرق الأوسط أو في الولايات المتحدة.

لذا نجد حديثا متزايد عن العدو الداخلي وهو مفهوم بات يستخدم بشكل متزايد للتعبير عن احتمال وجود حلفاء أو طابور خامس للعراق أو للقاعدة أو للعدو الجديد في الولايات المتحدة.

عموما خطاب بوش عن حالة الاتحاد الأمريكي يوم الثلاثاء ثم خطاب نائبة ديك تشيني أمام لجنة العمل السياسي المحافظة (وهي جماعة سياسية محافظة معروفة) يوم الخميس 30 يناير يؤكدان على انتصار حزب الحرب داخل الإدارة بمفاهيمه السابقة وعلى أن الحرب ضد الإرهاب باتت بمثابة الاسم المستعار الذي يستخدمه حزب الحرب داخل إدارة بوش للحديث عن حربه العالمية الجديدة، وذلك لأن الخطابين - من وجهة نظري – اشتملا على رسالتين أساسيتين، أولهما سعي الإدارة الحثيث إلى الربط بين حربها المحتملة ضد العراق والحرب ضد الإرهاب والذي أراه تطبيقا لقاعدة توسيع دائرة الحرب التي تحدثت عنها في السابق، وذلك من خلال الربط بين صدام حسين والقاعدة، ومحاولة تخويف الشعب الأمريكي من العراق بربطه في عقلية المواطن الأمريكي بأحداث سبتمبر المؤسفة وإمكانية أن يقوم العراق بالتحالف مع جماعات إرهابية بمهاجمة الشعب الأمريكي على أرضه بأسلحة غير تقليدية.

وثانيهم أن أهم ما جاء به الخطاب هو أن أمريكا باتت عازمة على السير في سياستها وفي حربها ضد العراق حتى لو اضطرت للسير إلى العراق بتحالف دولي صغير، وقد عبر جورج دبليو بوش عن هذه الفكرة بقوله أن (طريق (أو فعل) أمريكا لن يعتمد على الآخرين)، وقد عاد نائب الرئيس ديك تشيني وكرر نفس الفكرة مركزا عليها في خطاب الخميس.

وفي النهاية أحب أن أعبر عن خيبة أمل الكثير من المعتدلين ( في أمريكا وخارجها) في سلوك الإدارة الأمريكية الحالية وما آلت إليه من مواقف متشددة وارتماء في أحضان لوبي الحرب الذي لا يراعي مصلحة أمريكا ذاتها.

وعلى الرغم من قتامة الصورة فأني أدعو جميع المعتدلين إلى التمسك بالأمل والسعي لفرض أراهم المعتدلة الخيرة والتواصل مع نظرائهم في أمريكا وخارجها لسببين أساسيين، أولهما أن المعارضة الداخلية لسياسات وأهداف حزب الحرب الأمريكي هي في تصاعد وازدياد بمرور الوقت وبادرك أعداد أكبر من الشعب الأمريكي لحقيقة أهداف لوبي الحرب، وذلك لأنه كلما فهم الشعب الأمريكي طبيعة سياسات وأهداف حزب الحرب في الإدارة الحالية وأدرك أنه يخطط لحرب كبرى عالمية كلما صمم الشعب على أن تكون معارضته هي أيضا بدورها كبرى وعالمية.

أما السبب الثاني فهو أن المعتدلين في أمريكا وخارجها اختاروا اعتدالهم هذا بناء على قناعتهم به - وبغض النظر عن من يسيطر على البيت البيض – وإيماننا منهم بأهداف أسمى من الأهداف الدنيوية بحساباتها المادية.

*كاتب عربي مقيم في واشنطن

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع