|
|
|
|
|
|
الاقتصاد الصهيوني ومسار الكارثة الراهنة في ظل الانتفاضة الفلسطينية |
|
كتب: المحرر السياسي منذ بداية نشوءها ككيان غاصب على أرض فلسطين العرب والإسلام قبل نصف قرن من الزمن لم تكن (دويلة إسرائيل) إلا وجوداً مصطنعاً وهزيلاً يفتقر إلى الكثير من مقومات وعناصر الديمومة والثبات الأساسية، كالأرض والانتماء والشعور بالوفاء والتضحية لمبدأ الوطن والهوية، بل أن الكيان الإسرائيلي ولد بفعل مخطط تآمري ومشروع استيطاني مرسوم سنحت جملة عوامل وظروف سياسية هيأت لها قوى استعمارية دولية كبرى (أوروبا الغربية وأمريكا) أسباب توافرها، فيما عمل وجهّد أقطاب رأس المال الصهيوني على تمويل هذا المشروع، وإنجاح مراحله وحلقاته المتتابعة شيئاً فشيئاً. من هنا كان عنصر المال الداعم هو الركيزة الأساسية التي استند إليها الوجود الصهيوني المختلق فوق أرض فلسطين، وكان هذا العنصر وجهاً رئيسياً للقوة التي يتوسل بها الصهاينة الغاصبين في تثبيت كيانهم وحمايته، والمرء يلاحظ بوضوح الاهتمام الاستثنائي للقيادة الصهيونية بفكرة ومسألة بناء المؤسسة العسكرية المتينة، وإنشاء جيش أسطوري قوي ومسلح لا يقهر، يلبي حاجة إسرائيل وأهدافها الإستراتيجية العدوانية، سواءاً في الحرب من أجل التوسع، أو ذريعة الدفاع قبالة مما يسمى بـ(الخطر الإسلامي والعربي). وعلى هذا الأساس اعتمدت الحركة الصهيونية العالمية في حساباتها منذ البداية على العامل الاقتصادي والمالي ليكون الدعامة الضامنة لإدامة وتقوية دويلة إسرائيل، وتسخيره بالكامل من أجل استكمال مراحل التوسع الجغرافي الاستيطاني باتجاه تحقيق الحلم الصهيوني القديم في إقامة دولة إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، حسبما أقرته بروتوكولات حكماء بني صهيون قبل أكثر من قرن، وتحقيقاً لهذا الغرض فإن سائر أقطاب الرأسمالية الصهيونية في العالم تطوعوا لرفد وضخ الأموال بشكل مفتوح ومتواصل، وتكريس مجمل فعاليات النشاط الاقتصادي لمتطلبات الميزانية العسكرية ومشاريع الحرب والتسلح، بدعوى تحقيق الأمن والحماية لشعب المستوطنين الذين جيء بهم عبر قوافل المهاجرين الوافدين من مختلف أنحاء العالم وتغريرهم بما يسمى أرض الميعاد والوطن التاريخي الموعود. وفي ظل هذه الأغراض والحسابات، صيغت بنية وهيكلية الدويلة الصهيونية ومؤسساتها الاقتصادية التي اعتمدت بشكل كبير على الأيدي العاملة الفلسطينية والعمالة المستوردة، وهو ما شكل عاملاً إضافياً يثقل كاهل المؤسسة الاقتصادية الإسرائيلية، لاسيما في الظروف الطارئة وحالات الحرب، التي تتطلب النفقات الباهضة لتغطية المتطلبات الأمنية بمختلف أشكالها، وهذا هو ما حاصل في ظل الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت قبل سنتين، وغطت مساحتها كامل مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان لها التأثير السلبي الحاد على مجمل حياة المجتمع الإسرائيلي، وخاصة القطاع الاقتصادي، بفعل الشلل الذي أصاب الكثير من المؤسسات الإنتاجية والمصانع والمعامل والمرافق التجارية، وكذلك الحال بالنسبة لمؤسسات القطاع الزراعي وقطاع الخدمات والمواصلات، هذا إلى جانب الأضرار والخسائر المادية الهائلة الناجمة عن الخراب والدمار الذي حل بمختلف المنشآت والمرافق العامة، وأيضاً الاستنزاف المالي المتواصل للخزينة الصهيونية، الذي تتسبب به قيادة جنرالات الحرب والعدوان. تفاقم التدهور الخطير في الوضع العام الرهن للكيان الصهيوني بات ينذر بانهيار تام للاقتصاد الصهيوني في غضون السنوات القليلة القادمة، كنتيجة مباشرة لعوامل الفوضى والاضطراب السياسي والأمني الذي يعصف بإسرائيل، في ظل انعدام فرص السلام الحقيقي واستمرار الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي تفجرت في الوطن المحتل منذ سنتين. ديفيد كلاين محافظ البنك المركزي الإسرائيلي كشف النقاب في حديث أدلى به الجمعة الماضية لصحيفة (معاريف) الصهيونية الواسعة الانتشار، أن الأزمة الاقتصادية –الاجتماعية القائمة هي أخطر من تلك الأزمة الأمنية التي تستقطب غالبية الإسرائيليين، منوهاً إلى أن من شأن حصول كارثة اقتصادية في الكيان الصهيوني أن يؤدي إلى فوضى سياسية واجتماعية عارمة على غرار تلك التي تشهدها الأرجنتين على حد توصيفه. وفي معرض رأيه لمعالجة الأزمة الحادة الراهنة دعا ديفيد كلاين المسؤولين الصهاينة إلى إنشاء حكومتين، واحدة تعنى بالشؤون السياسية والأمنية وأخرى تعنى بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وتعمل من أجل معالجة الانكماش الاقتصادي المتواصل، قبل أن ينهار الاقتصاد الإسرائيلي بشكل تام. وتشير التقارير المالية الإسرائيلية غير الرسمية إلى أن حجم الخسائر والأضرار المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الانتفاضة الفلسطينية، تزيد عن عشرة مليارات دولار، كما أنها أدت إلى الإطاحة بنسبة النمو التي كانت تتوقعها سلطات الاحتلال والمقدرة بـ 6%. هذا وكشفت وزارة المال الإسرائيلية في تقرير خاص لها، أن الخسائر الناجمة عن الانتفاضة الفلسطينية للعام 2002 وحده بلغت 5 مليارات دولار، وجاءت في صورة نقص الإنتاج من دون احتساب الصور الأخرى المتعلقة بالخسائر ونفقات الحرب ونتائجها على مستوى البطالة، وتعطي هذه الأرقام صورة الواقع المتردي والتخبط الذي تواجهه حكومة أرييل شارون الإرهابية في معالجة الموقف الراهن، وهو نتيجة أكيدة لسياساتها الطائشة، وسعيها المشبوه نحو حلم دولتها الكبرى الموعودة، حسبما تتعقد وتتمنى. |