رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

نظام صدام نزعة إجرامية وعدوانية وإزالته ضرورة ومطلوبة وملحة

 

كتب: المحرر السياسي

كم هي مقرفة الممارسات الوحشية والأفعال الإجرامية التي يرتكبها أعداء الإنسانية من عديمي الضمير والرحمة، وما أقسى أولئك الطغاة وأرباب السلطة الذين لا يتورعون عن ارتكاب أبشع وسائل القمع والتنكيل بضحاياهم من الأبرياء وصولاً إلى القتل والإبادة الجماعية، من أجل الحفاظ والبقاء على عروش الزعامة والحكم.

سجل التاريخ الإنساني والمعاصر منه على وجه التحديد حافل بجملة كبيرة من أولئك الظلمة والطغاة القساة، الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعوب الآمنة، لا لذنب أو فعل ما وإنما إرضاءاً لنزعاتهم الشريرة ونزواتهم المشينة، ومحاولة الوصول إلى مآربهم الخبيثة، وما أكثر الشعوب التي اكتوت بنار هؤلاء الشاذين عن الفطرة الإنسانية السلمية والتوجهات الايجابية التي تؤطر الحياة بالإخاء والتعايش المسالم وحب الخير للآخرين.

ولئن كان نيرون روما موسوليني وستالين وهتلر وبوكاسو وهيلاسي لاسي وتشاوشيسكو وميلوسيفيتش، نماذج سيئة وغابرة طوى التاريخ المعاصر صفحاتها السوداء وتلاحقهم إلى اليوم لعنة الشعوب والأمم، فإن هولاكو بغداد العصر صدام التكريتي هو أسوء بكثير من كل أولئك المجرمين المقبورين، بل ولربما قد يمتازون عنه في جوانب معينة، من قبيل المرونة النسبية أو امتلاك شيء من الوطنية أو الرجولة والشجاعة، لهؤلاء كما كانت ولربما مواقف إيجابية تذكر، فهتلر مثلاً لم يكن مغامراً إلا من أجل أن يكون لشعب ألمانيا السيادة والمرتبة الأعلى في السلم البشري، وكان يعتقد بأن الألمان يجب أن يكونوا وحدهم قادة العالم وأسياده، ومن هنا جاءت حربه واجتياحه العسكري الكاسح لأوروبا، في حين أن صدام حسين كان العكس من ذلك تماماً، فهذا المغامر الغبي لم يكن سوى عميل رخيص وأجير ذليل سخرته وكالات المخابرات الغربية، وفي مقدمتها الـ(سي.آي.أي) الأمريكية لخدماتها وأغراضها في المنطقة العربية، منذ أول أشواط شبابه في أواخر عقد الخمسينات، وكانت محاولته الغادرة والآثمة في اغتيال عبد الكريم قاسم، فاتحة المهام الإجرامية والدور التآمري العدواني الذي أنيط به، وحينها برز أسم صدام المراهق المتطفل على السياسة والمسرح العراقي، وبرزت معه صورة الحزب العفلقي الذي ينتمي إليه، لترتسم في ذهن الرأي العام العراقي أكثر من علامة استفهام حول حقيقة هذا الحزب وتثار الأسئلة الملحة حول هوية رموزه وارتباطاتهم بدوائر الخارج المشبوهة، وقد جاءت الإجابة على كل تلك الأسئلة سريعاً في أحداث العام 1963 الدامية حين ارتكبت سلطة انقلاب 8 شباط الأسود، تلك الوحشية البربرية والممارسات المشينة من جرائم الفتك والقتل وانتهاك الأعراض والسبي الذي تعرض له الشعب العراقي الآمن وقواه السياسية المكافحة ضد الدكتاتورية والاستبداد، وكان صدام التكريتي يومها أحد أبطال هذه الجريمة الكبرى، تشاركه فيها زمرة الرفاق (المناضلين على الطريقة الأمريكية) وباسم حزب البعث وشعاراته المنادية بوحدة أمة العرب الواحدة ورسالتها الخالدة.

العام 1968 كان مناسبة أليمة أخرى طالت الشعب العراقي الذي لم تكن جراحه ونزيف القهر والدم ينقطع عما حصل له في العام 1963 المشؤوم، حيث عاد صدام مرة أخرى إلى واجهة الساحة والأحداث، ليكون أشد عزماً واستعداداً لخدمة أسياد الغرب من أرباب نعمته، وتنفيذ كل ما هو مطلوب منه، لاسيما وأنهم مكنوه هذه المرة في من أن يكون النائب الأول في  قيادة الحزب و السلطة التي تولت الحكم في انقلاب 17-30 تموز، إلى جانب رفيقه العسكري العجوز أحمد حسن البكر، العميل القديم المعروف لبريطانيا، والذي لم يكن في حقيقة الأمر والواقع سوى دمية سياسية تتولى ظاهراً منصب الرئاسة، وهو لا حول ولا رأي له ولا فعل، فيما قول والفصل والقرار النافذ هو بيد صدام أولاً وأخيراً، وقد لا يستغرب أو يتجافى أحد، بأن معظم وقائع السياسة العراقية ومراسيمها الداخلية والخارجية، تتم وفق الرؤية والمشيئة التي يحددها جناح صدام في الحزب الحاكم، خاصة ما يتعلق بالمسائل الحساسة والهامة، من قبيل التعامل مع التيار الإسلامي المعارض والمسألة الكردية والشأن النفطي والعلاقات الخارجية مع الدول، خصوصاً سوريا في ظل حكم الرئيس (الراحل) حافظ الأسد أو إيران بعد الإطاحة بحكم الشاه البهلوي وقيام نظام الحاكم الإسلامي فيها مطلع العام 1979، وهو ذات العام الذي أوصلت فيه واشنطن صدام التكريتي إلى قمة رئاسة الحزب والدولة أثر مذبحة البعث في تموز 1979، بعد أن رأت ذلك الأمر يتماشى وحجم الأحداث والتطورات الخطيرة التي كانت تشهدها منطقة الشرق الأوسط ووقتذاك،  في ظل انعكاسات انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وتصاعد مستوى التحدي العربي – الإسلامي لإسرائيل وللسياسات الأمريكية الداعمة لها. ففي نطاق هذا الجو السياسي المتأزم وتوجيهات الإدارة الأمريكية ومصالحها الإستراتيجية، جاءت مهمة صدام في شن الحرب العدوانية الغاشمة ضد الشعب المسلم الإيراني وثورته الفتية ومن ثم التسبب في تلك الكارثة الإنسانية المفجعة التي ألمت بالأمة الإسلامية والعربية على حد سواء جراء ما نجمت عنه من نزيف دم حاد وويلات إنسانية بالغة طالت معظم شرائح وطبقات الشعبين الشقيقين العراقي والإيراني، كان من صورها المؤلمة والقائمة إلى اليوم مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعلولين، وكذلك الأسرى والمعتقلين والمفقودين والمشردين، ونفس الشيء ذاته كرره صدام جريمته بحق ماهية الشعب المسلم العربي الكويتي مطلع التسعينات، هذه أيضاً لا زالت صورها الكاريثة ماثلة أمام العيان وأذهان الرأي العام العالمي إلى الآن، وهي شهادة حية أخرى تنطق بصدق عن حقيقة صدام الإجرامية وشرور نظامه العدوانية التي لم تتوقف عند حدود وساحة الشعب العراقي،  بل ولا حتى المنطقة العربية، حين امتدت إلى سائر المنطقة الإسلامية والعالم بأسره، وهذا الشيء اتضحت حقيقته فيما حصل لمجاميع أبناء الجاليات العربية والإسلامية والأجنبية المقيمة في العراق المنددة باستبداد وقمع نظام صدام وسياساته الطائشة وتواطئه في التآمر على العروبة والإسلام، لصالح والصهيونية العالمية وربيبتها إسرائيل.

والانتفاضة الشعبية الكبرى التي تفجرت ربيع العام 1991 وعمت سائر أرجاء العراق، وما آلت إليه من نهاية مأساوية بفعل قسوة وقمع السلطة، فإن هؤلاء الرعايا من العرب والمسلمين لم يكونوا بمنأى عن انتقام وغضب النظام الحاكم، فإلى جانب من غدر بهم النظام، كانت هناك أيضاً الأعداد الكبيرة من المعتقلين والمفقودين منهم ممن لم يعرف شيئاً عن مصيرهم لغاية الآن، المحتجزون الكويتيين وبعض الخليجيين، وكذلك الأسرى والمعتقلين الإيرانيين والمصريين والأردنيين واللبنانيين وغيرهم هم جانباً من ضحايا وغدر صدام، وهم منذ العام 1991 وإلى اليوم لازالوا يرزحون في مطامير سجون وزنزانات نظام بغداد  الرهيبة ودون أي وجه حق، ورغم المناشدات والاحتجاجات والمطالبات المتكررة من جانب ذوي هؤلاء المعتقلين والمفقودين ومعهم المنظمات والهيئات العالمية المعنية بحقوق الإنسان للإفراج عن هؤلاء المرتهنين، إلا أن سلطات بغداد لم تكن ترعوي لهذه المناشدات الإنسانية، وهي بكل صلافة تتجاهل وترفض حتى مجرد الإقرار بوجود هؤلاء المعتقلين، والكشف عن مصيرهم.

قرار العفو العام والشامل (المزعوم) عن السجناء والمعتقلين في العراق الذي أصدره صدام أواخر العام 2002 المنصرم للتو، أزاح بعضاً من فضائح وخفايا النظام على هذا الصعيد، حين خرج الكثير من المعتقلين المصريين والأردنيين وآخرين غيرهم من دهاليز السجون العراقية، ممن كان ينكر صدام وجودهم واعتقالهم طيلة كل هذه السنوات الطويلة والمريرة، وكان ذلك مدعاة لئن يتحرك أهالي المعتقلين اللبنانيين على الفور من أجل إطلاق سراح أبناءهم الرازحين في سجون العراق الرهيبة، والكشف عن مصير المفقودين منهم، والاعتصام الذي نفذه المئات من ذوي هؤلاء المعتقلين مؤخراً أمام سفارة النظام في العاصمة اللبنانية بيروت، صورة من هذا التحرك الذي وضع النظام الحاكم في بغداد في حرج شديد ومأزق مخز، حين وجد نفسه محاصراً بإدانة شعوب المنطقة والعالم وضغوطها عليه بوقف الجريمة والقمع السائد في العراق وإنهاء الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، بل ومطالبتها في تقديمه للعدالة ومحاكمته دولياً والاقتصاص منه عقاباً لما اقترفته أيادي صدام وأعوان سلطته من جرائم حرب وإبادة ضد الإنسانية.

 

  أرسل ملاحظاتك حول الموضوع