|
|
|
|
|
|
أثر مبادرة المرجع السيد صادق الشيرازي: وحدة علماء ومراجع الدين دعامة أساسية لوحدة أمة المسلمين |
|
المحرر السياسي من الواضح والأكيد أن التزام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالمنهج الرباني الذي جاء به الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وأرسى قواعده في الأمة، بالإضافة إلى ما حباهم الله تعالى من خصال كريمة، وصفات حميدة، أفشل قواعد اللعبة التي أتقن أعداء الإسلام أداء أدوارها، مما أسقط في أيديهم ما كانوا يرومون القيام به من كيد وتآمر وعدوان للنيل من الإسلام والمسلمين، ولذلك سعى أهل البيت (عليهم السلام) جادين في الحفاظ على جهاد الرسول (صلى الله عليه وآله) وصفوة الصفوة من صحبه الأبرار وصيانة الشريعة والسيرة المحمدية، وتطبيق النظام الإسلامي وإرساء قواعده في حياة مجتمع الأمة المسلمة وفي كافة المجالات والنواحي الإيمانية والعبادية والأخلاقية قولاً وسلوكاً وممارسة، ولقد شدد الأئمة الأطهار على خلفاءهم ووكلائهم من الصحابة الأبرار، ومن المراجع العلماء العاملين بالسير على ذات النهج وذات السلوك، والتعامل مع أوساط الأمة، بل وطبقاتها الدنيا بالذات، بكل ما أمكن من سبل التواصل والتعايش الواقعي والميداني مع الرعية، وأداء مهامهم الرسالية في كافة الميادين الاجتماعية والتربوية والسياسية والثقافية، وفق ما تمليه الشريعة المقدسة وقيم ومثل الأخلاق والفضائل، بحيث يكونوا خير دليل وأسوة للإنسان الصالح الساعي من أجل الخير والسعادة. المرجعية الدينية التي تتمثل بجمع العلماء الفقهاء والمراجع العاملين المتصدين لحمل المسؤولية الكبرى، بصفتهم الوريث الشرعي والامتداد الطبيعي لخط النبوة والإمامة، هذه المرجعية تعتبر الموقع المتقدم في حياة الأمة المسلمة والكيان الشيعي بالذات لعصر ما بعد غيبة الإمام الحجة المهدي (عليه السلام) وإلى اليوم الحاضر، وهي الحصن العقائدي والمعنوي في مواجهة التحديات المفروضة ضد الإسلام والمسلمين منذ زمن بعيد من جانب اللوبي – الاستكباري – الإلحادي – الصهيوني المعادي وفي المرحلة المعاصرة الراهنة، والمرجع الديني هو الأمين على مبادئ الإسلام والمضحي من أجل الأمة والكيان الشيعي بالذات، والموقع الذي يمثله المرجع في المجتمع الإسلامي، لا يتحدد في ساحة الشأن الديني المجرد والمحدد بأمور التعبد والفقه والإفتاء، بل حتى في الشؤون الاجتماعية والتربوية والسياسية مما يضفي عليه قيمة ومكانة هامة ذا أثر واضح ومؤثر في طبيعة حياة الأمة، نظراً لحاجة الأمة في جميع شؤونها ومجالاتها الدينية والاجتماعية والسياسية الرجوع إلى القائد، والذي لا بد أن يكون القدوة والأسوة الحسنة لها، وإلا فإن المرجع الديني إذا لم يكن بهذا المستوي والشكل من النمط والسلوك المحمدي –العلوي، والالتزام المبدئي بالنهج والخلق الإسلامي فإن ذلك سيكون بمثابة الطامة الكبرى والكارثة الخطيرة التي تهدد وجود الدين والأمة، لما يصيبهما من ضعف وتراجع وتفكك في أواصر التلاقي والتواصل والتعاضد، وبالتالي تباعد وانعزال حلقات مجتمع الأمة بعضها عن البعض الآخر، لاسيما بين كتلة الأمة والمرجعية الدينية التي هي الرأس والمصدر الموجه والمصدر المعين والحصن الآمن. من هنا وجد الاستعمار الحديث نفسه أنه أمام موقع منيع لا ثغرة فيه، لكنه اكتشف ثغرة في البناء الشيعي، يمرق منها السهم فيصيب مقتلاً، أنها آلية العلاقة بين المرجعية وجماهير الأمة ومن كون هذه العلاقة لا تقوم على التخطيط والمنهجية، وإنما هي عاطفة كبيرة يكن إخماد جذوتها في نفوس الأتباع بسبل وأساليب معينة إذا ما طبقت ونفذت بحيل ذكية وطرق مناسبة، وهذا ما حصل بالفعل من خلال السياسة التي انتهجتها السلطات الاستعمارية بمختلف واجهاتها ومؤسساتها حينما تمكنت من غزو واحتلال أقاليم البلاد الإسلامية طيلة المائة سنة المنصرمة ولغاية اليوم، حين شهرت سياسة (فرق تسد)، ودق أسفين الخلاف والاختلاف والتنافر والتناحر، وإثارة نعرات التفرقة العنصرية والطائفية والفئوية والإنقسامات والصراعات الحادة في ساحة الأمة، بل ونقل ذلك إلى كيان المؤسسة الدينية ذاتها، عبر إثارة الخلاف والانقسام في صفوف علماء الدين والقيادات المرجعية والمعنيين بإدارة الشأن الديني أولاً، ومن ثم خلق هوة فاصلة بين العلماء وسائر طبقات الأمة ثانياً، من خلال التحريض والتأليب الطائفي البغيض، وخلق العداوات التي من شأنها النيل من تماسك ووحدة الأمة المسلمة، والأضرار بالعلاقات القائمة بين قياداتها وقواعدها الجماهيرية، بغية تفتيت جبهتها وتمزيق حلقاتها الواعية والعاملة ومنها حلقة مراجع الدين. ومن المؤسف يبدو أن قوى اللوبي الاستعماري – الصهيوني، نجحت بعض الشيء وفي مواقع معينة، في بث سمومها وتحقيق الأغراض التي ترجوها في مسعاها العدواني الخبيث، حين تمكنت من تمرير معزوفة (فصل الدين عن السياسة)، ومحاولة علمنة المجتمع الإسلامي، وأبعاد العديد من علماء الدين المسلمين سواءاً من السنة أو الشيعة عن ساحة واقع الأمة، وإيجاد فواصل نفسية ومكانية بين أولئك العلماء والمراجع أنفسهم وكذلك بينهم وبين أبناء الأمة، وهو خطأ وقع فيه للأسف الشديد بعض المراجع والعلماء ممن عزلوا أنفسهم عن التكوينات الاجتماعية من الأفراد والجماعات المختلفة، وتقوقعوا في دائرة ضيقة لا يتعدى نطاقها مكتب المرجع أو منزله أو الحاشية المقربة منه لا غير، مما كان له الأثر والانعكاس السلبي البالغ على الدور والعلاقة المطلوبة بكل صور التواجد الحقيقي والتواصل العملي والتنسيق والتلاحم الوثيق بين العلماء والأمة، بين المراجع والجماهير المؤمنة، وبين العلماء والمراجع أنفسهم أيضاً، على أن هذا الحال المؤلم من الواقع الذي يعيشه عالم الإسلام والمسلمين اليوم، لا زال قائماً ومتجسداً في مظاهر عدة، رغم اشتداد الهجمة الاستعمارية الصهيونية، واتساع جبهاتها مما يهدد مستقبل ومصير الأمة بالكامل. البعض من القيادات المرجعية الواعية والملتزمة في أداء مسؤوليتها، ومراعاتها الأسس التي أكد عليها الإسلام في التواصل والتشاور والتحالف وصيانة وحدة الأمة، دأبت على إدامة القيم والآداب التي كرسها الخلق الإسلامي وتأطير الصورة المثلى للحياة الإسلامية التي تتناسب وطبيعة الظرف العصيب والمرحلة المصيرية التي يمر بها المسلمون كافة، والمرجع الديني المجاهد آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) أحد القيادات الإسلامية العاملة والمخلصة، فبمبادراته القيمة وخطواته الرشيدة التي ترسمها سياسته الحكيمة الرامية إلى تجسيد مبدأ الأخوة والمحبة والرغبة في التواصل والتنسيق المشترك لما فيه خير الأمة الإسلامية ورفعتها، إضافة إلى حرصه من أجل تعزيز فرص اللقاء والتزاور المشترك بين العلماء والمراجع وتوحيد الرؤى والمواقف إزاء كل ما يهم شأن المسلمين ومستقبل الإسلام، فقد جسد بالقول والفعل مبدأ الوحدة الشاملة للأمة، وعقيدته بكون وحدة علماء ومراجع الدين هي الدعامة الأساسية والخطوة الأولى باتجاه تحقيق وحدة الأمة، وأن طي صفحة الخلافات والجفاء القائمة بين بعض المراكز والشخصيات المرجعية، إنما هو ضرورة ملحة من شأنها تفويت الفرصة على المستعمر الخارجي المتربص للكيد بالرسالة والعقيدة الإلهية. المبادرة الأخيرة للمرجع الشيرازي في اهتمامه متابعة حال المرجع الديني الميرزا جواد التبريزي أثر تردي حالته الصحية، وتفقد سماحته شخصياً له من خلال زيارته وعيادته في داره، وقبلها البرقية التي بعثها إليه وهو في المستشفى، للاطمئنان على صحته وسلامته، كانت عملاً نموذجياً وسلوكاً أخلاقياً عظيماً، جسد بصدق ذلك الشعور بالمسؤولية والخلق الإسلامي الأصيل، وهو ذات الشيء الذي احتذى به من قبل المرجع الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) الذي حرص طيلة عمره الشريف في تكريس مبادئ الأخوة والمحبة والتسامح والتواصل والوحدة، ومقابلة الإساءة بالإحسان والتنازل عن الأنا والتوجهات الضيقة والمصلحة الشخصية لجهة مصلحة الإسلام العليا ومصلحة الأمة، وتلك دعوة ومبادرة إيجابية متاحة لكل علماء وأبناء الأمة وطبقاتها.
|