|
|
|
|
|
|
تعليق أحكام الرجم في إيران.. مطلب سياسي أمام ماذا...؟ |
|
المحرر السياسي الإسلام ليس حكماً ديكتاتورياً، كما لا يمكن أن يطلق عليه حكماً ديمقراطياً وفق المعنى الذي يفهم أو يريد الغرب به الديمقراطية، ذلك أن الإسلام هو دين الله تعالى، والحاكم في الإسلام هو الله تعالى، حيث الآية القرآنية الكريمة (أن الحكم إلا الله)، وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً)، وعلى ضوء هذا المعنى فإن هناك ثلاثة أنواع من الحكم (حكم الله –حكم الشعب –حكم الفرد)، والإسلام إنما يعترف بحكم الله، ويرى أن حكم غير الله، سواء كان الحاكم الفرد أو الشعب، أو جماعة من الشعب، ضلال وباطل، ما لم يستند على مبادئ الدين وأحكام الشريعة، أي الدستور الإلهي (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). وفي الإسلام طائفتان من التشريع: الطائفة الأولى التشريعات الخاصة، والطائفة الثانية التشريعات العامة، وتشمل كل حاجات البشر إلى يوم القيامة، ولذا فإن الإنسان المسلم لا يجد مسألة حديثة يريد السؤال عنها من الفقهاء، إلا وذكروا حكمها الواضح والصريح، وهذا هو السر في أبدية الإسلام وخلوده، فإنه ما من واقعة إلا ولله فيها حكم، وقد ذكر ذلك الحكم في القرآن الكريم أو في السنة الشريفة، بصيغة خاصة أو بصيغة عامة كلية، تشمل الواقعة وغيرها من الأفراد المندرجة تحت تلك الصيغة العامة. الغرب والشرق بقواه السلطوية ونزعاتها وأغراضها الاستعمارية، عملت ومنذ وقت بعيد على مناصبة الإسلام الكراهية والعداء، والتربص بشعوب أمته للإيقاع بها في كل ميدان ومناسبة، ولذا جهد المستعمر ليل نهار لهذا الغرض والمسعى العدواني، وجند له كل قواه ووسائله الإعلامية الدعائية والسياسية والاقتصادية والعلمية، بل وحتى العسكرية، ولقد استغل الغرب الاستعماري ومن وراءه الصهيونية العالمية مسألة العقوبات الإسلامية، للتنكيل والتشهير بالإسلام، وتشويه صورته في أذهان الرأي العام العالمي، ونعته بشتى الصفات والاتهامات الظالمة ووصمة بالإرهاب والوحشية والتخلف والرجعية وما إلى ذلك من الأقاويل المزعومة، في حين إن الإسلام لا يعترف بأكثر ما يسمى في القانون بجرائم، ومن لاحظ كتاب الحدود والقصاص والديات في الإسلام، ثم لاحظ كتاب القانون يلمس الفرق الشاسع بين الأمرين حتى أن الجرائم في الإسلام أقل من الثلث، بل من الربع من الجرائم القانونية، فالدين الإسلامي لا يعترف بالتغريم، إلا إذا كانت الجناية على النفس أو المال، ولا يقر التعذيب لأجل أخذ الإ0عتراف ممن يشتبه بأنه مجرم أم لا، ولا قتل في الإسلام إلا نادراً، كما أنه لا يقر العقوبة إلا بعد تنظيف المجتمع، ولا يطبقها إلا على العالم بالتحريم المختار في الفعل، فالجاهل والمكره والمضطر والناسي والغافل ونحوهم لا عقوبة عليهم، والإسلام جعل العقوبة على من لم تكن لديه شبهة، ولم يكن عند القاضي والشاهد شبهة، كما ورد (الحدود تُدرأ بالشبهات). وفي نطاق مكافحة المفاسد والجرائم يلاحظ القانون الإسلامي حالة المجتمع في إقراره العقوبات فالعقوبة واردة في المجتمع الموبوء كما في المجتمع النظيف وفي حق المذنب ومرتكب الجريمة تعدياً لحدود الله تعالى عمداً وتقصداً، حيث الآية القرآنية الكريمة: (ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب)، وتلك أحكام الله ونصوص دستوره العظيم القرآن الكريم التي لا تلاعب ولا تحريف فيها، لذا ذكر المؤرخون أن الإسلام، لم يقطع يد السارق في طيلة قرنين من الزمان، إلا ست مرات فقط، مع العلم بسعة الرقعة الإسلامية، ثم أليس القانون يبيح قتل المجرم في حالات منها القتل المتعمد والزنا بامرأة شريفة ذات بعل (المحصنة) وغير ذلك حفاظاً على نظافة وأمن المجتمع، ومنع تفشي الرذيلة والفساد وكل ما هو مناف للعفة والأخلاق، فالزاني والزانية بارتكابهما الجرم المشهود يكونان قد خرقا حدود الله وتحديا أحكام دستور الإسلام، كما أنهما خرقا أمن مجتمع الأمة وأضرّا بنفسهما، فاللازم أن يعاقبا عقاباً صارماً، إذ واضح أن الزنا خطر على كل الأعراض وعلى صحة أفراد المجتمع بالعدوى والمرض من الزناة إلى سائر الناس، وهذا ما هو شائع اليوم بمرض (الإيدز)، كما أن زنى الرجل المحصن أو المرأة المحصنة من أبشع الجرائم، وعقاب السجن أو التغريم لهما ليس رادعاً، فلنفرض أن امرأة ذات بعل يشبعها زوجها إشباعاً جنسياً، يصل بها الاستهتار إلى حد أن تزني برجل غريب، مع العلم والعمد، أليس من حقها أن ينزل القانون بها أشد العقوبة حتى تكون عبرة للآخرين، وحتى تلاقي جزاء عملها البشع؟ كل ذلك مع لزوم توفر سائر الشرائط. لقد كانت الحدود الشرعية التي تضبط فكر الإنسان وسيرته وسلامة جسده وأمنه الشخصي واحدة من أهداف الشرعية، وروح التشريع تتمثل في القيم والغايات النبيلة التي يستهدفها، وهذا هو شأن دين الإسلام قديماً وحاضراً ومستقبلاً، ومع انبعاث الحركة الحضارية في الغرب، واقتحامها حريم حضارتنا وتراثنا ومكونات شخصيتنا الداخلية، تغيرت الظروف الموضوعية تغييراً كبيراً فكان الفصام بين الواقع اليومي المعاش، وبين جملة الحدود والرسوم، وكانت المأساة التي لا زالت تدور اليوم في حلقاتها المغلقة، والتي لا يمكن الخروج منها بتغييرات فوقية كالذي مضى عليه المتأثرون بالثقافة الغربية، وهذا الشيء قد ينطبق في جوانب منه على ما يجري في أوساط إيران اليوم والتي يحكمها النظام الإسلامي منذ 23 عاماً، حيث يحتدم الجدل والخلاف بين الأجنحة الأصولية المحافظة والليبرالية المنادية بالانفتاح بشأن أمور عدة منها ذات صلة بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها المثتبة في نصوص دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لاسيما ما يتصل منها بنظام العقوبات الشرعية من قبيل معاقبة مرتكبي جرائم السرقة واللواط والزناة من الرجال والنساء وسائر الجنايات والمفاسد الأخرى التي تمس أمن وسلامة المجتمع، ففي ظل بروز المطالبات العديدة من جانب بعض القوى السياسية الإيرانية التي تنسب نفسها لجهة دعاة الإصلاح والانفتاح والتغيير، وكذلك الضغوط الدولية من جانب بعض حكومات ومنظمات الغرب، المنضوية تحت غطاء حماية الحريات والدفاع عن حقوق الإنسان، راحت السلطات العليا الإيرانية تعكف في البحث عن حلول ومعالجات ممكنة لبعض أزمات المجتمع والمظاهر الراهنة للواقع المعاش، والخروج من دوامة الجدل الساخن بشأنها، والقرار الذي اتخذه مؤخراً رئيس السلطة القضائية السيد محمود الهاشمي والقاضي بتعليق أحكام الرجم، إنما يأتي ضمن هذا المسعى والتوجه الحالي، على أن ذلك لم يكن موضع رضا وقبول جميع الأطراف المعنية على الصعيدين الرسمي والشعبي، فيما تبرز الاعتراضات القوية على هذا القرار ممن جانب القوى المحافظة التي تعتبر أن أحكام الشريعة الإسلامية وعقوباتها المنصوصة إنما هي أحكام الله وحدوده وأنه لا يمكن تغافلها أو تجاهلها تحت أي سبب ومبرر كان، وإن كانت من باب مسايسة العامل الدولي وتلافي ضغوطات الغرب المغلفة بعنوان حقوق الإنسان، وما تطلقه من اتهامات وإدانات لإيران تحت لافتة الانتهاكات ومخالفة المواثيق الدولية ذات الشأن الإنساني، فيما قوى إيرانية أخرى تنتمي إلى التيار المطالب بالانفتاح والتغيير ترى في قرار تعليق أحكام الرجم بأنه إجراء صحيح ومفيد وفي محله وأنه يساهم في تحسين صورة إيران لدى المجتمع الدولي ويساير متطلبات العصر الحديث. النائب حسين أنصاري راد ممثل أهال مدينة نيشابور (شرق إيران) في مجلس الشورى الإسلامي ورئيس لجنة المادة 90. كان أحد المؤيدين البارزين لمبادرة رئيس القضاء الإيراني بتعليق أحكام الرجم، إذ وصفها بأنها نابعة من المصلحة المنشودة، وتطرق إلى ضرورة رعاية الزمان والمكان في الأحكام الشرعية، أي بمعنى أن المجتمع يقبل في مقطع زمني العقوبات، إلا أنه لا يقبل ذلك في ظرف آخر نظراً للظروف الاجتماعية والثقافية. وبين كفتي الرفض والقبول ينظر الجميع إلى النتيجة التي سيؤول إليه الحال والوضع المستقبلي في إيران. |