رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

مأساة المرأة العراقية نسخة مكررة من رفحاء وشوشتر

 

سوسن تتحدث عن إعدام ميسون وتروى عن أم رغدة والدكتورة ساجدة

الصحفي: محمد المرسى

كلفني السيد محمد الدريني أمين عام المجلس الأعلى لرعاية آل البيت أول أمس بالتوجه إلى السيدة العراقية سوسن هادي في الفندق الذي تقيم لا تعرف على موضوع دراسة أطفالها في مصر وتوفير أشياء تخصها هي وأولادها والتي ستكون عندها مع زميل آخر من المجلس في نفس اليوم لكني للأسف فشلت في مقابلتها رغم كثرة محاولاتي مع عمال الفندق والأمن .. ثم عرفت بالأمس أن زميلتنا خادمة الزهراء (عليها السلام) قابلتها في الصباح وسلمت لها ما هو مرسل إليها.

وبعد ظهر اليوم الجمعة أخبرني السيد محمد الدريني أن سوسن انتقلت للإقامة في مكان آخر هو جمعية السنابل للخدمات الاجتماعية وكلفني بالتوجه إليها مع الزميلة مهجة منصور (بجمعية الحوراء التابعة للمجلس) .. وعلى الفور توجهنا إليها، وبدأ اللقاء أمام مدخل كافيتريا الجمعية حيث كانت قد انتهت لتوها من احتساء الشاي .. وجدت امرأة شابة حامل على وشك الولادة يبدو على وجهها علامات القهر والظلم الذي تعرضت له رغم أنها لا زالت في أواخر العقد الثالث من العمر، وحولها أولادها الأربعة (لينه ومحمد وشرف الدين وعلي) وأعمارهم 9 و7 و5 وأقل من عامين على التوالي .. رحبنا بها في مصر ورحبت هي بنا في الجمعية المصرية، وخيرتنا ما بين الجلوس في حديقة الجمعية أو المكان الذي تقيم فيه بداخلها، فاخترت الثاني لأشاهده على الطبيعة وأعرف كيف تعيش وما هو متوفر لها وما ينقصها حيث عرفت منها أنها حضرت للجمعية منذ الصباح فقط .. ودخلنا المكان الذي تعيش فيه والذي يطلقون عليه في الجمعية (الفيلا) وصعدنا السلم ودخلنا غرفتها الموجودة في الدور الثاني! فوجدتها غرفة كبيرة بها ثلاثة أسرة للنوم يسع كل واحد منها لفردين وعدد كبير من البطاطين ومنضدتين وطعام كانت قد فرغت لتوها من تناوله قبل احتساء الشاي بالكافيتريا.

وجلسنا في الغرفة وعرفناها بأنفسنا أكثر وأخبرناها أننا جئنا لها من المجلس وجمعية الحوراء الخيرية لنتابع معها ونتعرف على ما تريده لنوفره لها .. ثم طلبت منها أن تقص حكايتها فبدأت في سرد مأساتها مع الحياة وسط بشر لا يعرفون الرحمة طيلة ما يقرب من عشرين عاما وأكثر بدءا من تعرضها للسجن حتى قدومها إلى مصر .. فكل ذنب سوسن أن والدها هادي عبد الحسين كان عضوا في حركة العلماء المجاهدين فطارده النظام الحاكم بالعراق وهرب الرجل إلى سوريا في عام 1983 من حكم بالإعدام، فما كان من النظام إلا أن أخذ سوسن وكل أفراد العائلة وطبقوا عليهم أحكام المادة 156 من القانون وهي الأشد قسوة في مواد قانون العقوبات العراقي ـ كما قالت سوسن ـ وفي نفس العام نفذ حكم الإعدام في أم سوسن وشقيقيها علي وهيثم بينما نالت سوسن وشقيقاتها حكما بالسجن 20 عاما قضين منه عشر سنوات ثم خرجن وكذلك شقيقها حسين المفقود منذ خروجه من السجن ولا تعرف عنه أي شيء .. ولم تسلم سوسن من الملاحقة الأمنية وابتزاز رجال الأمن بعد خروجها وزواجها حتى ضاقت وقررت مغادرة العراق.

وروت لنا سوسن المآسي التي تعرضت لها في سجن العراق هي وبقية رفيقاتها، من تعذيب بالكهرباء وغيره مما لا يصدقه عقل من بشاعة الإنسان نحو أخيه الإنسان .. لا أدري كيف يقوم إنسان بتعذيب النساء والرجال عرايا أمام بعضهم البعض واغتصاب النساء أمام نزلاء السجن من الرجال والنساء.. روت لي قصص كثيرة مثل ميسون الفتاة الجميلة التي تبلغ من العمر 19 عاما وكان مصيرها الإعدام هي وخطيبها لماذا؟ لأن خطيبها الذي كان نابغة ويدرس التكنولوجيا توصل لاختراع مهم لا يعلم بأمره سوى خطيبته .. وروت لي قصة سناء وهناء وأم زينب وأم رغده وابنة انتصار وابن الدكتورة ساجدة، والفتاة التي اغتصبها أربعة على التوالي أمام الجميع فساءت حالتها النفسية وأصبحت كالخرساء وبعدما خرجت من السجن طردها أهلها لأن عرضها انتهك وهذا عيب عندهم(!!) .. وأمل التي أجبروها على تقديم الشاي وهي عارية للمساجين الرجال وبينهم شقيقها الأكبر(!!) وفاطمة ونضال ومحمد ونهلة وعلية إلى غير ذلك من المآسي التي تعرضت لها نساء عراقيات من النظام الحاكم ..(لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ما ذنب هؤلاء حتى يرتكب ما ارتكب ضدهن من أفعال وحشية).

لا أود الإطالة عليكم في سرد تفاصيل المآسي الكثيرة التي روتها لي سوسن عن أخواتها العراقيات.

وبعد أن سمعت حكايتها وحكاية مآسي العراقيات، سألتها عن ما تريده لنوفره لها فتحدثت عن ما ينقصها في الغرفة ومستلزمات المعيشة، فقمت بنقل هذه الطلبات للقائمين على رعايتها بالجمعية وهما (نادي وزينب) وتجولت معهما في الغرفة ودخلنا المطبخ والحمام وطلبت منهما سرعة توفير كل مستلزمات المطبخ والحمام وتليفون بالغرفة حتى لا تضطر وهي حامل الذهاب مسافة في الجمعية لإرسال أو استقبال المكالمات الهاتفية، وأخبرتها أنني سأتحدث أيضا في هذا الأمر مع مدير الجمعية وسيتوفر لها كل شيء في الصباح بإذن الله تعالى.

ثم طلبت سوسن إدخال لينه ومحمد مدرسة لاستكمال العام الدراسي حيث يدرسا في الصف الرابع والثالث الابتدائي، فطلبت منها أوراقهما واضطلعت عليها وأخبرتها أن السيد محمد الدريني يضع هذا الأمر في اعتباره وأن هناك اتفاق مسبق بيني وبينه على أن أتوجه في صباح السبت لوزارة التربية والتعليم بخطاب من جريدة (صوت آل البيت) لإدخال البنت والولد مدرسة في القاهرة.

ثم سألتها عن حالتها النفسية الآن فقالت أنها تشعر بالقلق ولا تستطيع النوم .. فحاولت إدخال الطمأنينة إلى قلبها وقلت لها لا داعي للقلق فنحن كلنا معك وحولك والناس الطيبين بخير وكل من يستطيع مساعدتك لن يبخل عليك بشيء، فلا تخافي واتركي مشكلتك لنا وسنقوم بإذن الله بحلها وضعي ثقتك في الله وفينا واخلدي إلى النوم في سريرك مطمئنة وهدئي من روعك وكل الأمور ستسير إلى خير بإذن الله. وتحدثت مع القائمين على رعايتها بالجمعية فعرفت أن المدير أعطاهم تعليمات بتوفير ما تطلبه وتوفير سبل الراحة لها ولأولادها، ونقلت لها هذا الكلام كي يطمئن قلبها.

وبعد جلسة استمرت نحو ساعتين معها بدأت الابتسامة تعرف طريقها إلى شفتيها والضحكات تخرج من فمها المتعطش لها مع الأخت مهجة، وهنا اطمأننت عليها وأدركت أن حديثنا معها ظهر تأثيره عليها .. وعندما استعددنا للرحيل سألتها الزميلة مهجة عن ما تريده لتوفره لها حيث ستعود إليها بعد ساعتين لتقديمه لها .. وطلبت لينه ومحمد الخروج معنا ليلعبا مع شرف الدين وعلي في حديقة وحضانة الجمعية فقلت لسوسن دعيهم يلعبون ولا تخافي عليهم، ونزلنا بصحبة الأولاد وأمسك علي الصغير بمهجة رافضا مغادرتها فقالت له أنا عائدة إليك بعد قليل .. وتركنا الأولاد يلعبون وغادرنا الجمعية على أن تعود مهجة إليهم بعد ساعتين وأذهب أنا في الصباح لوزارة التربية والتعليم وتوفير ما يلزمها ثم المرور عليها في الجمعية مساء السبت لمتابعتها والاطمئنان عليها.

من ناحية أخرى حصلت على رسالة من احد العراقيين المهاجرين أرسلها للسيد محمد الدرينى بشأن السيدة سوسن هادى وفيها يؤكد انه يعرف سوسن من أيام المعتقل وسلط الضوء على ما شهدته من تعذيب وسوف أقدمها إلى لطفي جلطقى مدير الحماية بالمفوضية حيث من المقرر أن تنعقد الجلسة بسوسن الأسبوع القادم وكنت قد سلمت المفوضية كتاب شكر لمدير المفوضية ومندوب متابعة حالة سوسن.

مأساة المرأة العراقية نسخة مكررة من رفحاء وشوشتر

*لله أياما يقف فيها التاريخ منكس الرأس من هول ما يرتكب ضد الإنسانية جمعاء بغض النظر عن دياناتهم أو جنسياتهم أو ألوانهم، وما يحدث لأشقائنا العرب المسلمين من أهل العراق يشهد على واقع ما بعد الانحطاط الذي تعيشه الأمة.

لقد فجرت المرأة العراقية وأطفالها المصريون عشرات الأسئلة عن حقيقة ما يتعرض له أهل العراق عموما والشيعة تحديدا سواء داخل العراق أو في المخيمات المفترض فيها أنها تمثل لهم ملاذا من القهر والموت والتنكيل.

فبالأمس تفجرت قضية مخيم (شوشتر) في إيران وما حدث لأهلنا هناك وقدم مجلسنا هذه المسألة للرأي العام المصري من خلال الصحافة، ومن قبله يعلم القاصي والداني بما حدث ويحدث في مخيم (رفحاء) وما خفي كان أعظم مما يعانيه أبناؤنا العراقيون في بلدان كثيرة عربية وأجنبية وكأن أهل العراق قد لحقوا بالشعب الفلسطيني.

إن المجلس الأعلى لرعاية آل البيت ‍‍إذ يدعو لانتفاضة الأوفياء لله ونبيه وآله (عليهم الصلاة والسلام) من أجل نصرة هؤلاء المظلومين فإنما يؤكد على أن أتباع نهج آل البيت (عليهم السلام) أينما وجدوا لابد وأن يتحملوا مسئولياتهم لإنهاء هذا الوضع الظالم ودعوة العالم الحر أينما كانوا إلى التعرف على هذه المآسي ووضع المؤسسات الدولية أمام هذا الواقع الذي يعتبر سبة في جبين العالم وما يسمى بالشرعية الدولية.

إن قضية المرأة العراقية وصرختها التي أطلقتها وبكاؤها هي وأبناؤها حتى كتابة هذا البيان لابد وأن تكون بمثابة صرخة شيماء العرب والمسلمين تستصرخ الضمائر الحية ليس في الوسط العربي المسلم فقط وإنما للضمير الإنساني عموما .. أي: أفيقوا رحمكم الله وانتبهوا إلى ما يحدث من جرائم ضد الإنسانية في الألفية الميلادية الثالثة ‍‍‍‍‍‍‍.. عصر العولمة وحقوق الإنسان الشاملة كما يدعي العالم المتحضر.

ويا أيها العراقيون الاماجد: أنتم لها وما يقع عليكم جزء مما وقع على آل بيت محمد (عليهم السلام) من ظلم تشيب له الولدان وهذه المظالم التي تحدث لكم وسط هذا الصمت العربي ـ الإسلامي- المريب يفرض على الجميع أن ينحى قناعته السياسية وانتماؤه الحزبي ومصالحه الخاصة لينظر إلى تلك المآسي التي سيحاسب عليها أمام الله ولو بصمته .. إنها سبة في جبين الدهر لن تمحى مثل غيرها من المظالم التي تشهدها الإنسانية إلا بمجيء الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) لتعانق أيام الله الشمس في كبد السماء ويواصل! السيد المسيح (عليه السلام) رسالة المحبة والسلام فوق ارض الله وحيثما يوجد الإنسان.

وينتهز المجلس هذه الفرصة لتوجيه الشكر والتقدير للأستاذ لطفي بلجلطي مدير الحماية بمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين مؤكدين له وما يمثله أن حالة المرأة العراقية محك لاختبار جدية المؤسسات العاملة في هذا الحقل وقد كانت المفوضية على مستوى الحدث، كما نشكر الأستاذ أحمد محسن الذي أنهى إجراءات الأخت العراقية سوسن هادي عبد الحسين محمد.

وقد وجه المجلس رسالة شكر إلى الأستاذ لطفي بهذا المعنى باسم الملايين من أحفاد إمام المظلومين الإمام علي بن أبى طالب (عليه السلام)، والمجلس ينتهز الفرصة أيضا لتوجيه الشكر للأمم المتحدة على ما ورد في تقريرها الأخير في الفصل السابع (الحكم الصالح) والذي دعت فيه إلى الإقتداء بالإمام على لنبذ الظلم وتحقيق العدل وتقديم الإسلام المتسامح في مواجهة الملتحفين بالإسلام الذين ملأوا الدنيا هلعا باسم الإسلام والإسلام منهم براء.

 

عندما تسير المأساة على أقدام خادمة الزهراء تلتقي السيدة العراقية وتستصرخ ضمائركم

*لم أكن أتوقع أنني سألتقي الأخت العراقية صباح اليوم حتى آخر لحظة فقط، فالذي كنت أعرفه أن جمعية الحوراء (عليها السلام) رشحتني للإشراف على أولاد السيدة سوسن عند ولادتها واستضافتهم بمنزلنا .. إلا أنني فوجئت عند وصولي المكتب مبكرا بمن يبلغني باستعدادي للتحرك في مشوار هام وعلمت من الإخوان أن ثلاثة محاولات للقاء السيدة سوسن هادي قد فشلت أمس رغم أهدافها المختلفة وأهمها محاولة تسليمها ملابس لأولادها وأمور أخرى.

انطلقت بي سيارة وبسرعة كنا في أحد الأماكن خارج الفندق وطوال الطريق أفكر ما هو المشوار الهام؟ وعندما استدعاني أحد المرافقين وطلب مني الانتظار داخل مبني،.. عند دخولي المبني شاهدت امرأة ملامحها جسدت كافة أنواع المآسي الإنسانية لحظتها قطع قلبي، إنها الهدف خاصة عندما شاهدت بجوارها طفل ينطبق عليه كافة المواصفات التي عرفتها عنه مع باقي أشقائه وأمه أيضا لكنني لم أكن أتوقع أن أشاهدها مأساة تسير على أقدام!!

حين سلمت عليها وجلست بجوارها وتفحصت ملامحها التي سطر عليها الزمن حكايتها وظلمها وقهرها وتكبيلها والزج بها في غياهب السجون والمعتقلات.. هي كانت كباقي نساء العرب والمسلمين اللائي يستمدن الانتصار من لحظة الانكسار .. رشقتني بابتسامة صغيرة لكنها تبدو كبيرة جدا قياسا بهذا الوجه الناطق بالحزن والحسرة، الشاهد على أهوال الأمة، الناطق بلسانها، المعبر عن واقعها وأيضا أحلامها!!

قضيت وقتا كثيرا قليلا!! رتبنا خلالها كافة الأمور وسلمتها رسائلها المتواضعة من أصحاب الشهامة الذين مازالوا يعرفون معنى الشرف والعرض والكرامة.. المعنى العميق للإنسانية.

صعدت معها إلى الفندق لأحمل بعض الأغراض وهي تتكأ على ابنها محمد الذي يذكرني بأطفال الصومال ومشردي العالم الثالث الذي هو نحن عندما تطل علينا من الشاشات الرسمية.

الصورة خرجت من حالة القتامة لكن تبقى حالة السيدة العراقية تفرض على كل إنسان حر يشعر أن الله خلقه حرا كريما عزيزا.. مهما كان مهانا!! فالأمر جد خطير وهذه السيدة العراقية تذكركم (بل تلطمكم) بمئات الحالات المماثلة ليست في (شوشتر) و(رفحاء) وإنما اللائي اغتصبن في المعتقلات!! اللائي أنجبن أطفالا لا يعرفون إلى من ينسبونهم وماذا سيقولون لأولادهم: أنتم أولاد من؟! ماذا يفعلن وهن لا حول ولا قوة لهن في وقت انتشرت فيه الذئاب البشرية التي لا تعرف قلوبهم أي نوع من أنواع الرحمة وشطبوا من قاموسهم لفظ (الضمير) وعادوا إلى عصور الجاهلية بل وجسدوها في أبشع صورها!! أين العالم؟ أين الضمائر الحية؟ أين روح فروسيتكم يا عرب يا مسلمين؟! الكرامات تهان على مرأى ومسمع الجميع وأعراض النساء تنتهك ويستحلها أسود البشر؟ أين أي شيء جيد؟ لا لم يبقي شيء إلا عند القليل من ذوي القلوب الرحيمة.

اللهم ارحمنا واحمنا من شرور الكلاب القذرة واحرص الأمة من كل سوء، فليس لهم ولنا سواك، أنت المعين والمستعان ولا راد لقضائك ولكن نسألك السلامة من كل سوء .. ونتوجه إليك بالدعوات نيابة عن نساء العرب والمسلمات اللائي أصبحت أعراضهن تنتهك أن تفك كرب الأمة وتزيح عنها الغمة وتنصرها على أعدائها .. اللهم تقبل يا رب العالمين يا أرحم الراحمين.

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع