رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

(العراقوية) مفهوم لسلخ العراقي عن عراقيته!

 

أحمد موسى

يروى أن إحدى البعثات التبشيرية التي انتشرت في العراق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد اتخذت من مدينة العمارة مركز محافظ ميسان حالياً، الواقعة في جنوب العراق مركزاً لنشاطها التبشيري وإنها قد بذلت أموالاً طائلة في كسب الأتباع والمريدين وتقول الحكاية أن تلك البعثة قد نجحت في البداية في كسب عدد من أبناء المدينة من الفقراء الأميين، وعلى ضوء ذلك تقرر إنشاء كنيسة لتكون محلاً للتجمع ومركزاً للدعوة التبشيرية، وقد صرفت أموالاً كثيرة على بنائها وبشكل يليق بالمهمة الموكلة إليها. وبعد الانتهاء من البناء، جرى تنظيم حفل كبير دعي إليه الناس الذين تم كسبهم كافة.

وفي يوم الافتتاح حضر المدعوون وجلسوا بخشوع كبير ينم على إيمان عالي!، ولكنهم وعندما أنارَ كبير القساوسة الكنيسة إيذاناً ببدء الحفل، صرخ الجميع وبصوت عالي واحد (اللهم صلي على محمد وآل محمد)!!

وردت هذه الحكاية على خاطرنا ونحن نقرأ بالأمس مقالة لأحد الكتاب السياسيين العراقيين، أشار فيها وبعمق إلى انتشار مفهوم (العراقوية) بين كثير من قوى المعارضة العراقية، التي أفرزتها معادلة الصراع الإقليمي الدولي الحالية، وجعلتها تتسيد مؤتمر المعارضة الأخير الذي عقد في شهر كانون الأول من العام المنصرم في العاصمة البريطانية لندن.

نحن لا نريد هنا اجترار التأريخ لكي نثبت خطأ اعتماد هذا المفهوم وخطورته على الشخصية العراقية، ولكننا سنحاول هنا أن نبين بعض الحقائق التي تجذرت عميقاً في أرض ما بين النهرين منذ عشرات بل مئات السنين وحتى اليوم، بل وحتى اللحظة الراهنة.

ويعرف علماء الانتربولوجي والتأريخ الغربيون قبل العراقيين تلك الحقائق، والتي بموجبها وعلى ضوئها رسمت مخططاتهم الاستراتيجية للسيطرة والهيمنة على هذه البلاد.

لم تكن الشخصية العراقية هي نتاج عرق واحد أو جذر واحد، بل هي عروق عديدة تجذرت وامتدت عميقاً في تلك الأرض الطيبة ومنحتها ليست صفاتها وميزاتها فقط بل وحتى اسمها، فكان (العراق)، فالشخصية العراقية حصيلة امتزاج وتزاوج بين (خلاصة) الحضارات القديمة من سومر وبابل وآشور، مع القيم والخصال التي جاء بها العرب التنوخيين أولاً، ومن بعد عرب الفتوحات الإسلامية ومن ذلك التلاحم والامتزاج والتزاوج ولدت على ارض الرافدين.

مدرستي اللغة العربية في الكوفة والبصرة، والفرق الفكرية من الأشاعرة إلى المعتزلة والمذاهب الفقهية التي شرب جميع أئمتها من ماء دجلة والفرات والغدير الصافي لعلم بيت أهل النبوة (صلى الله عليهم اجمعين).

وهي قبل هذا وذاك كانت قاعدة الفتح الذي امتد إلى حدود بلاد الصين، كما إنها صارت مركز الخلافة الإسلامية مرتين الأولى في عهد إمام العادلين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والثانية في العصر العباسي عصر ازدهار العمران والعلم والمعرفة التي حولت علي بن الجارم من شاعر لا يعرف غير الناقة والبيداء إلى شاعر عيون المها والرصافة والجسر.

وفي العصر الحديث ظلت (العراقية) وبما تعنيه من صفات وخصال ومنها على سبيل المثال، العشق الأبدي للمعرفة، والبحث عن الحقيقة وأيضاً روح الإيثار والطيبة المتناهية والكرم الذي لا يعرف الحدود والنخوة والشهامة التي لا تعرف القيود.

ولذلك ووفق تلك الخصال والصفات اكتسب العراق شهرته وتبوأ المكانة العالية الرفيعة وسط أمتيه العربية والإسلامية فعاد العراق كما كان منذ أن عرف الإنسان أول حرف خط على جدار الطين في أور الوركاء، عاد ليكون هو قطب الرحى في كل القضايا والمسائل والمعضلات التي واجهت العرب والمسلمين على امتداد القرن العشرين، بل وأيضاً عاد ليكون أرض العلم والشعر والفكر وحتى الثورة.

لقد حاول أعداء الوطن والإنسان العراقي من دهاقنة وأساطين السياسة في الغرب الرأسمالي، الذين درسوا وبعمق وبتفصيل الشخصية العراقية، وتوصلوا وبالخصوص بعد 14 تموز 1958م إلى انها شخصية متمردة، مشاكسة، ولأن العراق هو قلب (قلب العالم) منطقة الشرق الأوسط، كما يرى ذلك علماء الجيوبولتكس ولأن العراقي هو بؤرة الإشعاع الفكري لشعوب هذه المنطقة فلقد قرر أولئك الدهاقنة في دهاليزهم المظلمة، بأنه يستوجب ويستلزم ترويض تلك الشخصية، وإعادة الحصان الجامح إلى الحظيرة!؟

فلذلك ولذلك فقط عملوا ما في وسعهم، ومع أخطائنا وترددنا، نجحوا في تسليط تلك الجماعة المتوحشة، المستبدة، الجاهلة، والحاقدة على كل الخصال والسمات العراقية الشريفة، من أجل كسر شوكتها وإيصالها إلى حد أن تكره نفسها، وتتخلى عن ذاتها.

وها هم اليوم يعودون من جديد، مبشرين العراقيين، بغد حر سعيد وعالم مرفه رغيد، معيدين فعل وعمل أولئك المبشرين، ومرددين ذات الترنيمة والنشيد.

ولكنهم جاؤوا هذه المرة بشرط جديد، فلقد كان الشرط القديم هو ترك الدين العظيم، أما اليوم فهم يطلبون أكثر من ذلك بعديد انهم يطلبون من الشخصية العراقية أن تنسلخ عن عراقيتها والتي هي وكما صارت وتكونت عبر القرون (عربية ـ إسلامية) والتي بها فقط اكتسبت حق تلك التسمية (العراقية).

نعم إنهم يريدون اليوم ويحاولون سلبه اسمه الذي عرفه به العالم كله ولأجله كان يجله ويحترمه كل الناس في كل مكان من أرضنا هذه.

ويريدون مقابل ذلك منحه اسماً جديداً ممسوخاً، ومشوهاً كأطفال شركة كلون أيد، أبناء الرائيليين.

فهل يا ترى سينجحون؟! إنهم ربما يعرفون حكاية المبشرين في مدينة العمارة، ولكنهم يتصورون أن العراقيين بعد كل الذين حصل لهم قد فقدوا ذاكرتهم وسيفاجئون.

نحن واثقون أنهم مرة أخرى سيفاجئون.

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع