|
|
|
|
|
|
بوش يطلب صدام ميتـا! |
|
رياض الحسيني ربما بعد خمسا وعشرين عاما تنتفض الأوراق التي تحويها الأقراص الليزرية الأمريكية بعد أن كانت الرفوف تحملها وبقدر وزنها غبارا، لتزلزل العالم على حقائق وثبوتيات تدين بعضا وتبرئ آخرين. وحتى ذلك الحين فان وظيفة المستشرقين للحقائق استباق الزمن والخروج بتلك الحقائق التي لا تقبل التدليس من عتمة الرفوف إلى نور الإطلاع وفضاء الحق المبين. ونحن في مخاض التحليلات اليومية للازمة الأخيرة بين القطب الأوحد (أمريكا) في العالم الأضعف (المجتمع الدولي) وبين النظام العراقي المتمثل بشخص الرئيس العراقي صدام حسين، لابد لنا أن نضع على الطاولة ما في جعبتنا من حقائق وتأريخ غير قابل للطعن فيه أو الالتفاف حوله مهما استقوى الطرف المعني بقوة المماطلة والقفز على المسلمات التاريخية. ثم بعد ذلك نحاول فك رموز وطلاسم هي اقرب إلى الواقع منها إلى ذلك. لا يخفى أن مقولة الأمين العام لحزب البعث العراقي علي السعدي كان ولا زال لها وقعا ودويا مؤثرين، حينما تفوه قائلا وفي أكثر من مناسبة (لقد جئنا بقطار ماكينته أمريكية). أضف إلى ذلك انه ليس خافيا العون والمساندة التي تلقاها النظام العراقي إعلاميا ولوجستيا وعسكريا من الولايات المتحدة تحديدا والمجتمع الدولي عموما في حربه ضد جارته إيران ولمدة ثمان سنوات. كما لا يخفى الضوء الأخضر الذي تسلمته القيادة العراقية لاقتحام الجارة الكويت في وضح النهار. كان ذلك الضوء حينما سؤل مسؤول أمريكي، وهو بمعرض إلقاء محاضرة في إحدى الجامعات الأمريكية عن رد فعل أمريكا فيما لو تعرضت الكويت إلى عدوان عراقي! فأجاب المسؤول وبالحرف الواحد (ليس بيننا وبين الكويت أية معاهدة دفاع مشترك). قرأ النظام العراقي هذا التصريح تأييدا واضحا للاجتياح. بينما قصدت الإدارة الأمريكية من وراء ذلك طعما يجعل من المنطقة العربية ومنطقة الخليج على كف عفريت .. وأي عفريت! سبق ذلك كله تعاونا ملحوظا بين الإدارة الأمريكية ونظام الرئيس العراقي صدام حسين في شن الحرب على إيران، لدرجة أن خبراء عسكريين أمريكان كانوا قد شاركوا في وضع خطط هجومية للعراق، فضلا عن المعلومات الاستخبارية التي كانت تتلقاها وزارة الدفاع العراقية من الاستخبارات الأمريكية بخصوص تحرك وتمركز القوات الإيرانية ابتداءا من عام 1980 وحتى عام 1988. وفي هذا السياق فقد رصدت الإدارة الأمريكية قمرا خاصا لتلك المهمة. وبعد أن يئست الإدارة الأمريكية من قدرة صدام على الإطاحة بنظام إيران، فقد لجئت إلى استخدام هذا الحليف مستغلين بذلك نزعاته الشخصية، وفرديتة المطلقة، والعقلية الاستثنائية التي تُدار بها دفة الحكم، ونشوة النصر المصطنع عربيا على الفرس. استغلت الإدارة الأمريكية هذه النزعات رغم تعاقب الرؤساء، وهذا يثبت أن تلك الدولة تخطط استراتيجيا وليس للرئيس أي دور فيما يخططه الاستراتيجيون الأمريكان للحفاظ على وحدوية القطب. استغلت أمريكا كل هذا ووظفته لخدمة مصالحها. ولأنها تدرك أن الرئيس العراقي لا يحكم العراق من خلال مؤسسات ولا استراتيجية واضحة المعالم تجعل من التعامل معه أكثر صعوبة، فقد انصب عملها على دراسة وتحليل نفسية الرئيس العراقي وعقليته فضلا عن الإرث البيئوي الريفي الذي انطلق منه الرئيس العراقي باعتباره فردا من ريف تكريت العراقية. لم تكتف الإدارة الأمريكية بالحصار المفروض على النظام العراقي منذ قرابة الثلاث عشرة سنة. ولم تكتف بإصدار القرارات الدولية التي تطارد أعمدة النظام دوليا، بل لم تتوانى عن محاصرة هذا النظام علنيا بكل ما أوتيت من قوة وجبروت. لقد راهنت أمريكا من خلال ذلك على قوة الشعب العراقي على الإطاحة بنظامه. لكنها مرة أخرى تخطئ التقديرات وتحبذ معالجة الأمر بنفسها. ولأنها تعلم أكثر من غيرها بمدى شراسة هذا النظام وطبيعته العدوانية ونزعاته الشخصية الدموية فقد يأست من التغيير من الداخل، وان المراهنة عليه ما هي إلا ضرب من الخيال. وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام خيار لا ثان له وهو تشكيل تحالف دولي على غرار تحالف عام 1991 الذي استطاع إخراج القوات العراقية من الكويت، وان كان مصغرا أو حتى شكليا أمام المجتمع الدولي ؟! فلم تتوانى أن تطلب مساعدة كل الأصدقاء حتى المعارضة العراقية لاستخدامها كغطاء شرعي وخطوة أولى نحو الاجتياح الأخير. في الجانب الآخر ممن يصلون لله ليل نهار بان يخسف الله الأرض بنظام صدام حسين فإنهم باتوا قلقون على أنظمتهم من جانب وعلى حصصهم من جانب آخر، إن كتب الله لهم البقاء بعد رحيل الرئيس العراقي صدام حسين. فاخذ هذا الجانب والذي تتزعمه تركيا العلمانية حليفة إسرائيل وشريكة أمريكا في حلف الناتو بان يتحرك وبسرعة وفي سباق مع الزمن حول تلافي الأزمة دبلوماسيا ومحاولة إبعاد شبح الحرب. لكن .. وفي لكن هذه خلاصة المخاض كما يقولون، هل ستقبل أمريكا بما يتمخض عن تلك الرحلات المكوكية بين تركيا ومصر والسعودية ؟! الإدارة الأمريكية تراهن على سايكلوجية صدام حسين مرة أخرى في كسب الرهان، والرئيس العراقي يراهن على دورة الزمن والمعجزات! الإدارة الأمريكية حزمت أمرها وجعجعت بأساطيلها واستعدت للحرب، ولو كانت تبحث عن حلا دبلوماسيا لما جعلت العالم يفيق كل صباح على تحرك قطعة من هنا وحاملة طائرات من هناك؟! إذن أميركا عازمة على الحرب ولو بشكل دعائي روتيني لتأكيد مقولة (الأمريكي لا يُهزم) من جانب، وجني ثمار التحركات هذه من جانب آخر. وهذا الأخير هو بيت القصيد. بمعنى آخر إن أمريكا لن تسمح للرئيس العراقي صدام حسين بمغادرة العراق إلى منفاه اختياريا، ولن تسمح له أن يتهنأ بمليارات الدولارات في ما تبقى من عمره. ولو حدث ذلك فمن أين ستجني أمريكا تكاليف تلك القوات وتحركاتها والتي سببت هبوط الدولار الأمريكي! وهذا ما أكده تصريح الرئيس الأمريكي بوش حينما قال (لا نستطيع أن نضمن سلامة الرئيس العراقي في حال خروجه من العراق). هذه رسالة للعالم اجمع إن الاستراتيجية الأمريكية ماضية في خيارها الوحيد للقضاء على شخص الرئيس العراقي صدام حسين ومحاكمة طاقم نظامه إن بقوا أحياء من جانب ولطمس حقائق ووثائق لا يجب أن تظهر قبل مرور الزمن القانوني لإخراجها. ومن جانب آخر ضمان دفع فاتورة تكاليف باهظة غير مستعدة الخزانة الأمريكية لتحملها من اجل سواد عيون العرب أو حتى تركيا. |