رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

الحرب الأهلية في العراق بين الحقيقة والزعم

 

أحمد موسى

منذ أعوام وتحديداً بعد انتفاضة شعبان – آذار 1991 المجيدة، وبعد أن لاح بالأفق قرب سقوط النظام الدكتاتوري المستبد الحاكم في بغداد، بدأنا نقرأ من على صفحات الصحافة العربية وبالخصوص منها تلك الصادرة في لندن، مقالات ودراسات تدور حول موضوعة مفادها، أن العراق وما أن يسقط النظام الصدامي فانه سيشهد اندلاع حرباً أهلية لا تبقي ولا تذر، وسينتج عنها ليس تدمير ما تبقى من البنى التحتية المدمرة

أصلاً، ولكن وهو الأهم والأخطر ستؤدي تلك الحرب إلى تقسيم العراق إلى كانتونات عنصرية وطائفية متصارعة، ومتعادية فيما بينها ولا يجمعها أي جامع. وكأن بقاء العراق آمناً متأخياً، موحداً، هو أمر يرتبط ارتباطاً حياتياً ووجودياً مع بقاء نظام العفالقة (الموحدين!؟).

نحن لا نريد هنا أن نشكك في صدق نوايا وهموم بعض أولئك الكتاب عرباً كانوا أم عراقيين، كما ولا نريد أن نطعن بإخلاصهم ووطنيتهم وعروبتهم ولكن نحن نعرف كعراقيين أيضاً، بأن هناك العديد من الكتاب المأجورين المعروفين والذين سينكشف بعضهم بعد السقوط الأكيد للنظام، نقول أن أولئك المأجورين قد تلقف تلك الموضوعة وبدأ بتهويلها وتجسيمها وكأنها حقيقة حتمية واقعة غداً لا محالة، وبدأ النواح والصراخ على العراق الذي سيضحى أطلالاً موزعة هنا وهناك، لا شيء فيها غير غربان ناعقة، وأشلاء ممزقة.

وقبل الحديث عما فعله النظام بشعب العراق، نود مرة أخرى أن نستميح أولئك الكتاب والمحللين عذراً، بأن نطلب منهم العودة إلى رفوف مكتباتهم للبحث عن كتاب يتحدث عن تأريخ الشعب العراقي وإن لم يجدوا، فنحن نطلب منهم أن يستقلوا أول حافلة للنقل، لنقلهم إلى أقرب مكتبة عامة، ونحن نتعهد لهم أن ندفع لهم أجرة النقل العام!! ليدرسوا من جديد تأريخ هذا الشعب.

وسيجدون وبعد أن يقلبوا كل ما كتب عنه من قبل المؤرخين العرب والإسلاميين والمستشرقين، بأنه ما من أرض عاشت عليها أعراق وأديان وطوائف مختلفة وبروح التآخي والتآلف والحب والمودة بمثل تلك التي عاشت على أرض ما بين النهرين الخالدين دجلة والفرات.

وتلك هي كلمات أنبياء بني إسرائيل الذين ولدوا وعاشوا على أرض العراق بعد السبي البابلي، حيث رفضوا العودة إلى أرض فلسطين بعد دعوة كورش لهم بذلك، بسبب الحياة الآمنة، المطمأنة والسعيدة التي لم يروا مثيلاً لها في حياتهم كلها سوى تلك التي عاشوها على أرض العراق وفي ظلال أفياء سعفات نخيله.

وفي العصر الحديث والمعاصر كانت مجلات بغداد القديمة كالصدرية والدهانة وصبابيغ الآل والعوينة وغيرها تضم في (درابينها) أزقتها بيوت تعود إلى مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين ويهود، يعيشون كبيت واحد، يشارك بعضهم البعض ليس الأفراح والمسرات والأحزان فقط، بل وحتى الطقوس الدينية أيضاً، فكان الجميع يحتفل بعيدي الفطر والأضحى، ويلبس الجميع أيضاً السواد أيام عاشوراء، ويحضر الكل المآتم الحسينية، وحتى أنهم كانوا يذهبون جميعاً مع (الأنصار) إلى كربلاء في أربعينية الحسين الشهيد (عليه السلام)، ونفس الشيء كان في البصرة والناصرية والموصل والسليمانية وكركوك.

ذاك كان هو تأريخ العراق في عهد البابليين وهذا هو تأريخ العراق الحديث والمعاصر.

ونحن نتحدى أولئك الكتاب أن يوردوا لنا مثلاً واحداً عكس ما ذكرناه وقلناه حتى جاء العفالقة، فحاولوا وبسياسة رسمت خطوطها خارج الحدود، تمزيق ذلك النسيج المتآلف والمتلاحم ببثهم النعرات العنصرية والطائفية، قومية كانت أم دينية كما أن العراق قد عاش ومنذ نهاية حرب الخليج الثانية، حالة تقسيم فعلي وواقعي وذلك بعد قيام المنطقة الآمنة لكردستان العراق التي فرضها الحلفاء مضطرين بعد الجرائم البشعة التي ارتكبها النظام بحق الأخوة الأكراد، بعد فشل الانتفاضة المجيدة.

كما انه أخذ يبث ويشجع النعرات القبلية (العشائرية) الجاهلية والتي لا تحمل حتى الصفات والخصائل العربية العظيمة.

إضافة إلى انعدام الأمن والطمأنينة وبشكل تام وكامل في كل المناطق العراقية التي لم تزل ترزح تحت نير العفالقة، حتى داخل العاصمة بغداد نفسها.

إننا نود أن نطرح سؤالاً فقط، من سيقاتل من غداً في الحرب الأهلية المزعومة، هل ستقاتل عشائر الدليم ذات الأخلاق والصفات العربية الأصيلة، المعروفين بطيبتهم المتناهية وإكرامهم للضيف ولو كان عدواً، مع عشائر بني حجيم مثلاً؟ أو هل تقاتل العزة عشيرة بن لام!؟ أم هل سيقاتل الأكراد عرب الموصل؟ نحن واثقون بأن ذلك لن يحصل، ولن يحصل أبداً، لأنهم كلهم عراقيون يحملون ذات الصفات والخصال الطيبة، ولأنهم نتاج تلك التربة الطاهرة، وهم اليوم وكما عاش أجدادهم من قبل قرون وقرون، سيعيشون اليوم وغداً متآلفون، متحابون، موحدون، وسيعملون وبعد التخلص إنشاء الله من براثن الطغاة يداً واحدة لإعادة بناء العراق، عراقهم جميعاً.

أما أن كان المقصود بالحرب الأهلية وهو ما نفهمه من بعض تلك المقالات هو الحرب التي ستقوم بين الشعب العراقي، كل الشعب، وبين مرتزقة النظام، فهو لا يمكن بأي حال من الأحوال تسميته بالحرب الأهلية لأنها ستكون ورغم إننا نريده تغييراً سلمياً، ديمقراطياً، ولكنه وفي كل الأحوال، سيكون قصاص الشعب من جلاديه.

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع