رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

متى تزول غشاوة الوهم والعداء للدين عن العلمانيين؟ سؤال موجه لعزيز الحاج وتياره من بقايا الشيوعيين

 

قاسم خضير عباس*

الشيء الملفت حول بعض المثقفين العلمانيين ومنهم عزيز الحاج أنهم ينتقلون بين المواقع السياسية، من موقع لآخر وفقاً لمصالحهم، ويتناسون ما قالوه بالأمس!! شيء غريب يمارسه المثقف العلماني العراقي هذه الأيام!!

والملفت للنظر أكثر هو الهجوم القديم الذي أخذ أشكالاً جديدة لتشويه الإسلام والإسلاميين، وقد أدهشني موقف عزيز الحاج الشيوعي السابق عندما تحدث عن العلمانية بشيء من القدسية التي يتهم بها خصومه الإسلاميين، وحاول أن يبرز الإسلام كدين عليه أن ينزوي في التكايا والمحاريب، ويتحول إلى طقوس يمارسها أتباعه بعيداً عن السياسة، لكي يزاول هو والعلمانيون فقط العمل السياسي ويسمي ذلك ديمقراطية!! تصور هذه المهزلة من الذين تحولوا من دكتاتورية العمال (البروليتاريا) إلى دكتاتورية الديمقراطية!!

ولم يجد عزيز الحاج في مقالته التي نشرها في موقع إيلاف بعنوان (الديمقراطية لا تعني إلا العلمانية) غير (علي عبد الرزاق) وكتابه (الإسلام وأصول الحكم) ليستشهد به وبكتابه، وهي التفاتة بائسة تحسب على عزيز الحاج ولا تحسب له.

فهل يعرف هذا الشيوعي القديم الذي أصبح سفيراً لصدام في المحافل الدولية فترة من الزمن مدافعاً عن النظام المتسلط على رقاب شعبنا في العراق: أن كتاب علي عبد الرزاق يعد مرجعاً لطلبة الدراسات العليا في علم الاجتماع الإسلامي في الجامعات الأمريكية؟ لتصوير الإسلام كدين لا يصلح للحياة المعاصرة، ولذا يجب عزله عن السياسة لإبعاد المسلمين عن قوتهم ومصدر تحديهم للمصالح الغربية.

وقد ترجم الكتاب إلى اللغة الإنجليزية عدة مرات لغايات معروفة، لأنه يركز على أن: (أصول الحكم ليست من الإسلام في قليل ولا في كثير وللمسلمين أن يختاروا نوع الحكم الذي يرضي أذواقهم ويتفق مع ميولهم). لكي يسهل استعمارهم ثقافياً من خلال المناهج الغربية.

إن هذا العداء الغربي للإسلام ومساندة تيار العلمانية له في بلادنا شيء خطير خصوصاً بعد أن نجح الإسلاميون في استعمال الخيار الاستراتيجي بتغيير الواقع المعاش وكسب التأييد الجماهيري والتأثير بالمعادلات الدولية.

وقد أثبت الإسلاميون أنهم أهلاً للمسؤولية في تجاوز الأزمات العربية سواء كانت داخلية أم خارجية، حيث حققوا انتصارات وإنجازات رائعة في جنوب لبنان، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقد تطرق (برنارد لويس) في كتابه (الغرب والشرق الأوسط) إلى هذه الحقيقة التي تعصر قلبه كما تعصر قلب عزيز الحاج، مشيراً إلى تأثير الإسلام المتزايد بكل حركات المقاومة والتحرر الإسلامية وغير الإسلامية.

علماً أن العلماء الأعلام كان لهم تأثير كبير في الحركات الوطنية والتقدمية، فقد تأثر مثلاً سعد زغلول ومعه الحركة الوطنية المصرية بالعلامة محمد عبدو، وتأثر رواد حركة مقارعة الاستعمار في العالم العربي بالسيد الأفغاني والكواكبي، وتأثرت ثورة العشرين في العراق لمقاومة الإنكليز بعلماء النجف والكاظمية.

كان الإسلام العقبة الكبرى في وجه الأطماع الخارجية، ومؤامرات الصهيونية العالمية، ولذا فقد أصبح هدفاً للغرب من أجل تشويه مبادئه وأحكامه، وإبعادها عن التطبيق بين المسلمين، وجعلها (طقوساً دينية) تمارس في (التكايا والمحاريب)، بلحاظ أن (مراكز الدراسات الإستراتيجية) في الولايات المتحدة قد استغلت بعض الأقلام الإسلامية، ودفعتها لتكتب في هذا المعنى، ويعد كتاب (الإسلام وأصول الحكم) كدليل على ما نقول، بلحاظ أن علي عبد الرزاق قد رجع في آخر حياته عن هذه الأفكار في مؤلفاته وبحوثه، فهل يعرف عزيز الحاج ذلك أم أنه لا يرى من الوقائع إلا ما يناسبه فقط؟

وحصل الشيء نفسه مع مصطفى محمود الذي أوضح في كتابه (الله والإنسان) بأن: (الطريقة العصرية في بلوغ الفضيلة ليست الصلاة، وإنما هي الطعام الجيد والمسكن الجيد)، في إشارة منه إلى فصل (الروح عن المادة) فصلاً كاملاً، وجَعْل أكبر همّ الإنسان إشباع الغرائز والشهوات دون أي إلتفاتة للجانب الروحي، وقد رجع (مصطفى محمود) بعد ذلك عن شكوكه وأصدر كتاباً أسماه (رحلتي من الشك إلى الإيمان).

وأخر من كان في هذا الاتجاه الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود الذي هاجم الدين والأخلاق والأعراف في كتابه (المعقول واللامعقول )، لكنه اعترف في الثمانينات من عمره بخطأ توجهاته الفلسفية وأصدر كتاباً حول ذلك أسماه (عربي بين ثقافتين)، بعد أن خدع الكثيرين الذين تأثروا بأفكاره.

ويعلق الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه (في الاجتماع السياسي الإسلامي) على شكوك بعض الباحثين واصفاً إياها بأنها تقف: (من الإسلام ومن الحكم الإسلامي وإقامته في هذا المجتمع الإسلامي أو ذاك، موقفاً يتراوح بين التحفظ والحذر الشديد، وهو موقف يتبنى دائماً أو في كثير من الحالات، الأحكام الخاطئة، وسوء الفهم ولا يخلو في كثير من الأحيان من سوء النية).

ولكن هل استطاع هؤلاء الذين يتبنون الأحكام الخاطئة وسوء النية أن ينالوا من صرح الإسلام الشامخ؟

أبداً فقد بقي الإسلام مدوياً، لأنه صوت السماء الذي وصل إلينا ليبقى ويخلد رضي الناس أو أبوا. وصوت السماء كما يقول مصطفى فهمي في كتابه (مجالات في علم النفس)، هو راحة واطمئنان للبشرية، حيث أوضح علماء علم النفس بشأنه أنه: يمنح الإنسان قوة الإيمان والتعقل والبصيرة، وهذه القوى تشكل طاقات روحية تسعى إلى تدعيم الخير في قلوب البشر، وهذا هو أسمى وأنبل الغايات الإنسانية .

علماً أن الدعوات مازالت ترتفع في الغرب للتعبير عن أهمية الروح بالنسبة للإنسان، ويذكر (السير رتشود لنحستون) في (التربية لعالم حائر) عن (المستر ليمان) أنه قال: (لقد اعتقدنا خلال الحرب العالمية الأولى أن خلاص العالم في تقدم العلوم ولكننا اليوم قد زالت عن أعيننا غشاوة هذا الوهم).

ونتساءل... متى تزول غشاوة الوهم والأحكام الخاطئة والعداء للدين عن أعين (تيار التغرب والعلمانية) في بلادنا الإسلامية؟! ونساهم معاً بدون إلغاء للآخر في بناء الوطن بعد زوال الطاغية صدام … لست أدري؟!

*كاتب وباحث إسلامي عراقي

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع