رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

نموذج من إنصاف الإسلام للمرأة

 

العلامة الشيخ حسن الصفار

فطرة الإنسان, وثقته بعدالة الشارع, وكمال التشريع الإلهي, تدفعه للبحث عن الحل والعلاج, لأي معضلة تواجهه, أو محنة يتعرض لها في حياته الاجتماعية.

فإذا ما وجد فراغا تشريعيا في قضية من القضايا, عليه أن يعود إلى مصادر التشريع جادا مجتهدا, للحصول على الحكم المطلوب لملء ذلك الفراغ, ومعالجة ذلك المعضل.

يتحدث القرآن الكريم عن امرأة واجهت هذا التحدي في بدء تكوين المجتمع الإسلامي, حيث كانت لا تزال بعض الأعراف والتقاليد الجاهلية حاكمة سائدة, لان التشريع كان يتكامل تدريجيا.

رأت هذه المرأة إن الحكم السائد في القضية التي واجهتها يضر بمصلحتها, ويهدد مستقبلها ومستقبل عائلتها بالضياع والدمار, فلم تسكت على ذلك, ولم تقبل الخضوع لعرف وتقليد يلحق بها الظلم والأذى, فانطلقت نحو جهة التشريع, النبي محمد (صلى الله عليه وآله), تعلن معارضتها ورفضها القبول بالعرف السائد, وتطالبه بتشريع عادل يعالج مشكلتها وأمثالها بواقعية وإنصاف, وحينما اعتذر لها النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه بعد لم ينزل عليه وحي حول هذا الـوضع, لم يقنعها ذلك, ودخلت معه في نقاش وجدال, تلح وتضغط لجهة الإسراع في وضع حل.

لم ينهرها النبي (صلى الله عليه وآله), ولم يغضب من جدالها وإصرارها, ولا استنكر عليها المطالبة والشكوى لحماية مصالحها, بل إن الله تعالى أشاد بموقفها وخلده بان جعله عنوانا لسورة كاملة في القرآن الكريم, تبدأ بالحديث عن المشكلة التي طرحتها تلك المرأة, وتضع التشريع الإلهي لمعالجتها, وهي السورة رقم 58 واسمها سورة (المجادلة).

تبدأ السورة بقوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾.

قال أكثر المفسرين: إن تلك المرأة صحابية من الأنصار اسمها (خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية) وزوجها أوس بن الصامت, وكان شيخا كبيرا, قد ساء خلقه, فدخل عليها يوما, فراجعته بشيء, فغضب, فقال: أنت علي كظهر أمي, وكان الرجل في الجاهلية, إذا قال ذلك لامرأته حرمت عليه, ويسمى ظهارا, ولأنه أول حادث من نوعه في المجتمع الإسلامي, ولم يكن قد نزل حوله تشريع, فان الحكم السابق يبقى ساري المفعول في عرف المجتمع.

ورغم إن الزوج قد تراجع عن كلامه, لكن التراجع لا يجدي وقد انتهت إلى الأبد العلاقة الزوجية بينه وبين زوجته.

فأتت الزوجة (خولة) رسول الله وقالت: يا رسول الله إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني, ونثرت له بطني ـ جعلني عليه كأمه, وتركني إلى غير احد, فان كنت تجد لي رخصة يا رسول الله, تنعشني بها وإياه فحدثني بها؟

قال: (والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن)

وفي رواية: (ما أراك إلا قد حرمت عليه).

قالت: ما ذكر طلاقا. وجادلت رسول الله مرارا. ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي, وما يشق علي من فراقه.

وفي رواية قالت: أشكو إلى الله تعالى فاقتي, وشدة حالي, وان لي صبية صغارا, إن ضممتهم إليه ضاعوا, وان ضممتهم إلي جاعوا!!

وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك, اللهم فأنزل على لسان نبيك. وما برحت حتى نزل القرآن فيها. فقال: (يا خولة ابشري).

قالت: خيرا؟ فقرأ (صلى الله عليه وآله) عليها أوائل آيات سورة المجادلة, والتي تتضمن تشريعا جديدا, يتيح للزوج التراجع عن تحريم زوجته عليه بتشبيهه لها بأمه, شريطة أن يقوم بالتكفير عن ذلك, بعتق رقبة، فان لم يستطع يصوم شهرين متتابعين, فان لم يكن قادرا يطعم ستين مسكينا. وعند ذلك يستعيد علاقته الزوجية يقول تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا...﴾.

أصبحت هذه المرأة الجريئة التي طالبت بتشريع يحمي حقوقها ومصالحها, ذات موقعية واحترام في وسط المسلمين, بعد أن خلد موقفها الذكر الحكيم.

ينقل السيد محمود الآلوسي البغدادي في تفسيره (روح المعاني في تفسير القرآن) انه كان (عمر يكرمها إذا دخلت عليه, ويقول: قد سمع الله تعالى لها, وروى ابن أبي حاتم, والبيهقي في الأسماء والصفات إنها لقيته وهو يسير مع الناس, فاستوقفته فوقف لها, ودنا منها, وأصغى إليها, ووضع يده على منكبيها, حتى قضت حاجتها وانصرفت, فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجال قريش على هذه العجوز؟ قال: ويحك أتدري من هذه؟ قال: لا, قال: هذه امرأة سمع الله تعالى شكواها من فوق سبع سماوات, هذه خولة بنت ثعلبة, والله لو لم تنصرف حتى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها. وفي رواية للبخاري في تاريخه: إنها قالت: قف يا عمر.

فوقف فأغلظت له القول. فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم! فقال: وما يمنعني أن استمع إليها وهي التي استمع الله تعالى لها فأنزل فيها ما انزل).

وجميل ما قاله الشيخ ابن عاشور عند تفسيره لسورة المجادلة: (افتتحت آيات أحكام الظهار بذكر سبب نزولها, تنويها بالمرأة التي وجهت شكواها إلى الله تعالى, بأنها لم تقصر في طلب العدل في حقها وحق بنيها. ولم ترض بعنجهية زوجها وابتداره إلى ما ينثر عقد عائلته دون تبصر ولا روية, وتعليما لنساء الأمة الإسلامية ورجالها, واجب الذود عن مصالحها).

فرص العلم والمعرفة في مختلف مستوياتها, يجب أن تتاح للنساء كما للرجال على حد سواء, وإذا ما لاحظت المرأة نقصا أو غبنا لها في هذا المجال, فعليها إلا تسكت على ذلك, بل تطالب بحقها في كسب المعرفة والعلم. وهذا ما حدث في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله), وأقر لهن بمشروعية طلبهن, واستجاب لرغبتهن.

جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: قالت النساء للنبي (صلى الله عليه وآله): غلبنا عليك الرجال, فاجعل لنا يوما من نفسك. فوعدهن يوما لقيهن فيه, فوعظهن وأمرهن.

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع